نشر المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) في 10 مارس 2026 تحليلاً للباحث فولف-كريستيان بايس بعنوان «انتشار الأسلحة في البحر الأحمر: أنماط متغيرة حول اليمن»، يتناول فيه التحولات التي شهدتها القدرات العسكرية لأنصار الله خلال السنوات الأخيرة، وتأثير ذلك على ديناميكيات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن. وفيما يلي النص المترجم كاملاً:
مع تطور أحداث حرب الخليج، يواجه اليمن خطر أن يصبح مصدراً للأسلحة والمعرفة العسكرية للجماعات المسلحة عبر البحر الأحمر. ويشكل صعود «الحوثيين» مرحلة جديدة في انتشار الأسلحة على الصعيد الإقليمي.
وفي الوقت الذي يحبس فيه العالم أنفاسه بسبب الحرب الجديدة في الخليج، سيكشف الزمن كيف ينوي شركاء إيران فيما يُسمى بـ«محور المقاومة» الرد على هذا التصعيد. بالإضافة إلى ذلك، هناك ديناميكية أخرى تستحق الاهتمام: اليمن على وشك أن يصبح مصدراً للأسلحة للجماعات المسلحة الأخرى، وللصراعات، في منطقة البحر الأحمر، حيث يلعب أنصار الله المدعوم من إيران، والمعروف باسم «الحوثيين»، دوراً محركاً في تهريب الأسلحة وربما نقل التكنولوجيا.
مسار «الحوثيين» في المحور: عامل البحر الأحمر
تعرض أعضاء «محور المقاومة»، وهو تجمع للجماعات المسلحة غير الحكومية يضم حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، لضربات قاسية من قبل العمليات العسكرية الإسرائيلية في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع في 7 أكتوبر 2023، مما حد بشكل كبير من قدرتهم على القيام بدور الردع الذي صُمموا من أجله من وجهة نظر إيرانية. ولدهشة العديد من المراقبين، كان الحليف الأكثر فعالية لإيران خلال هذه الفترة هو أيضاً أحد أحدث أعضاء «محور المقاومة»: الحوثيون، الذين تمكنوا من الحفاظ على سلطتهم على معظم شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، في مواجهة تحالف من الميليشيات اليمنية المدعومة من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خلال حرب أهلية دامية، لم «تتجمد» جبهاتها إلا في عام 2022، عندما تم توقيع اتفاقية هدنة.
رداً على العملية العسكرية الإسرائيلية القاسية في غزة بعد 7 أكتوبر، بدأ الحوثيون في مهاجمة أهداف في إسرائيل بمزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار الهجومية أحادية الاتجاه (UAV، والتي غالباً ما تسمى «الطائرات الانتحارية»)، والتي اعترضت جيش الدفاع الإسرائيلية (IDF) معظمها. ورؤيةً للتأثير المحدود لهذه الهجمات، تحول الحوثيون إلى استهداف السفن التجارية التابعة لإسرائيل أو حلفائها الغربيين في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث هاجموا عدة مئات من السفن، وأغرقوا ما مجموعه أربع سفن (واختطفوا خامسة)، وقتلوا ما مجموعه تسعة بحارة بين بداية حملتهم في نوفمبر 2023 وآخر هجوم ناجح مسجل في يوليو 2025. تم تنفيذ هذه الهجمات باستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، والمركبات البحرية غير المأهولة (USV) ذات الاتجاه الواحد، والسفن السطحية غير المأهولة (USVs، وهي في الأساس قوارب يتم التحكم فيها عن بعد وتحمل متفجرات)، بالإضافة إلى هجمات أكثر تقليدية باستخدام زوارق صغيرة يقودها رجال مسلحون.
وفي حين أثارت هذه الهجمات ردًا عسكريًا دوليًا من قبل كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة («تحالف حارس الازدهار») والاتحاد الأوروبي (مهمة الاتحاد الأوروبي «أسبيدِس») لحماية الملاحة البحرية، فضلت العديد من شركات الشحن الدولية تغيير مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، بدلاً من مواجهة خطر هجمات «الحوثيين». في مارس 2025، أطلقت إدارة ترامب عملية الراكب الخشن العسكرية (“Rough Rider”) ضد «الحوثيين» شنت خلالها أكثر من 1000 غارة بتكلفة تجاوزت المليار دولار أمريكي، لكنها لم تتمكن من تعطيل لوجستيات «الحوثيين» وقمع قدرتهم على شن المزيد من الهجمات. انتهت عملية »الراكب الخشن« بعد 52 يوماً بوقف إطلاق نار توسطت فيه عمان، تضمن التزاماً من «الحوثيين»بعدم مهاجمة السفن التجارية الأمريكية. بعد ذلك، واصل الحوثيون عملياتهم ضد السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل (وليس بالولايات المتحدة) وضد أهداف داخل إسرائيل نفسها. إن صمود «الحوثيين» في مواجهة الهجمات المباشرة من قبل كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، هو ما يميزهم عن حزب الله على سبيل المثال. بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن السفن الغربية لا تزال تتجنب إلى حد كبير مضيق باب المندب، جعلتهم بلا شك أكثر أعضاء «محور المقاومة» نجاحاً.
تهريب الأسلحة والسباق نحو الاستقلالية
كيف تمكن الحوثيون من الانتقال من حالة من الغموض النسبي كقوة متمردة خفيفة التسليح تعمل في المناطق الجبلية الشمالية لليمن، إلى جماعة قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار ضد أهداف تبعد أكثر من 2000 كيلومتر في إسرائيل؟ يكمن جزء من الإجابة في الثورة الحوثية الناجحة في سبتمبر 2014، عندما استولى الحراك على السلطة في صنعاء وشكل تحالفاً مع الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح. بعد ذلك، انضمت بعض فصائل القوات المسلحة اليمنية، التي ظلت موالية لصالح، إلى «الحوثيين»، بما في ذلك أجزاء من القوات الجوية وقوات الدفاع الصاروخي، مما عزز بشكل كبير ترسانتهم ومعرفتهم التقنية. أما العامل الآخر، الذي يمكن القول إنه أكثر حسماً، فهو الدعم العسكري من أعضاء آخرين في «المحور»، والذي ربما بدأ بالفعل في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وشمل مدربين عسكريين من حزب الله وإمدادات أسلحة محدودة من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وقد تم تهريب هذه الأسلحة على متن سفن شحن خشبية تقليدية، تُعرف عمومًا باسم «دهو»، غالبًا من موانئ على ساحل مكران الإيراني وعبر المياه الإقليمية الصومالية إلى شواطئ البحر الأحمر في اليمن، مما أسس لنمط مستمر حتى يومنا هذا. في هذه المرحلة المبكرة، شملت الشحنات في المقام الأول صواريخ موجهة مضادة للدبابات، بالإضافة إلى الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، وكلاهما لا يزال من المواد الشائعة في التهريب.
تغيرت ديناميكيات الجيش والتهريب في عام 2015 عندما أنشأت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحالفاً عسكرياً عربياً يهدف إلى دعم الحكومة اليمنية المحاصرة والمعترف بها دولياً في مواجهة قوات «الحوثيين» المتقدمة. وفرض التحالف حصاراً بحرياً على موانئ البحر الأحمر وأغلق المجال الجوي اليمني أمام الرحلات الجوية المدنية. ورداً على ذلك، بدأ الحوثيون في استهداف مدن في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك العاصمة الرياض، بالإضافة إلى البنية التحتية الحيوية لإنتاج النفط، بالصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار. وقدم خبراء الأمم المتحدة المكلفون بمراقبة حظر الأسلحة الذي فُرض على «الحوثيين» في عام 2015 لاحقاً أول دليل قاطع على تورط الحكومة في طهران في توريد هذه الأسلحة. وفي الوقت نفسه، استمر التهريب البحري، حيث أصبحت المراكب الشراعية تستخدم الآن الموانئ والشواطئ على الساحل الجنوبي الطويل لليمن، الذي لم تكن القوات المناهضة للحوثيين تقوم بدوريات فيه إلا بشكل متفرق. بين سبتمبر 2015 ويناير 2025، اعترضت القوات البحرية ما مجموعه خمسة عشر مركبًا شراعيًا (بالإضافة إلى سفينة صيد حديثة واحدة) تحمل ما يقرب من 30,000 قطعة من الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، و2.4 مليون خرطوشة، و365 صاروخًا موجهًا مضادًا للدبابات، بالإضافة إلى مكونات لصواريخ كروز متطورة مخصصة للهجوم البري وصواريخ أرض-جو، وطائرات بدون طيار، ومركبات بحرية بدون طيار. وكانت معظم هذه الأسلحة من أصل صيني وروسي وإيراني، وقد تم شحنها من موانئ في إيران. ولا شك أن هذه المضبوطات لم تمثل سوى غيض من فيض، مما يجعل من الصعب تقدير الحجم الكامل للدعم العسكري.
وفي الوقت نفسه، أظهر تحليل للأسلحة التي استخدمها الحوثيون بين عامي 2016 و2022 اتجاهاً واضحاً ومقلقاً – ففي حين أن معظمها في البداية كان إما مصادراً من مخزونات الحكومة اليمنية قبل الحرب أو مجمّعاً من مجموعات قطع غيار إيرانية، فإن الأجيال اللاحقة من الطائرات بدون طيار والمركبات البحرية غير المأهولة تظهر مؤشرات على التجميع المحلي. ورغم استمرار الاعتماد على المكونات الأجنبية – لا سيما المحركات والمحركات المؤازرة والإلكترونيات وأجهزة الاتصالات – فإن غالبية هذه المكونات لم تُصنع في إيران، بل تم استيرادها من دول ثالثة في جنوب شرق آسيا (تستأثر الصين وحدها بأكثر من 60% من قطع الغيار)، وكذلك من أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي حين لا يزال الحوثيون يعتمدون على إيران في صواريخهم الكروز الأكثر تطوراً وصواريخهم الباليستية ذات المدى الأطول، يبدو أنهم قد حققوا الاستقلالية في مجال تطوير الطائرات بدون طيار والمركبات البحرية بدون طيار.
مسرح البحر الأحمر: انتشار الأسلحة من اليمن إلى الجماعات المسلحة الأخرى
يمثل هذا التطور تحديًا واضحًا لجهود المجتمع الدولي لاحتواء التهديد الحوثي – فمنذ فترة طويلة، أقرت دول الخليج والحكومة الأمريكية بأن الطريق إلى السلام في اليمن سيمر عبر طهران، أي أن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الإيرانية، أو في حالة فشل ذلك، تغيير النظام، من شأنه أن يحيد أعضاء «المحور» الآخرين. وقد تضمنت اتفاقيات بكين التي وقعتها المملكة العربية السعودية وإيران في مارس 2023 لتطبيع العلاقات بين البلدين التزاماً واضحاً من جانب إيران بوقف المساعدة العسكرية للحوثيين، وهو بند تجاهلته طهران منذ ذلك الحين. لطالما كان اعتبار «الحوثيين» مجرد وكلاء للحرس الثوري الإيراني خطأً تحليلياً، نظراً لأن أجندة الجماعة كانت دائماً قومية في المقام الأول، مع هدفها المزدوج المتمثل في إعادة تأسيس السيادة السياسية للسادة، أحفاد النبي محمد، والحصول على اعتراف المجتمع الدولي بهم كحكومة شرعية لليمن. لذلك، سيكون من الأصح وصف «الحوثيين» بأنهم حلفاء سياسيون وعسكريون لطهران، بدلاً من مجرد وكلاء للحرس الثوري الإيراني، وذلك أيضاً لأن التقدم الكبير في قدرات الطائرات بدون طيار، والمركبات البحرية غير المأهولة، والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، يقلل بوضوح من مدى قدرة إيران على التحكم في تصرفات الجماعة.
ومع ذلك، غالبًا ما يتم تجاهل جانب آخر من هذا التطور: بعد أكثر من عقد من الزمن كانوا فيه في المقام الأول متلقين للأسلحة المهربة من الخارج، قد يكون الحوثيون أنفسهم على وشك أن يصبحوا وكلاء للانتشار. حتى قبل اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2015، كان البلد يغرق في الأسلحة، مما يعكس ضعف سلطة الحكومة وقوة « ثقافة السلاح»، لا سيما في المناطق القبلية. ونظراً للعلاقات التجارية القوية مع الصومال وجيبوتي، فضلاً عن انخفاض أسعار الأسلحة في اليمن، لطالما شحن تجار الأسلحة أسلحة بكميات صغيرة إلى القرن الأفريقي. وفي حين كان بعض هؤلاء التجار، مثل فارس مناع، الذي شغل منصب حاكم معقل «الحوثيين» في صعدة، على صلة وثيقة بالحركة، لم تكن هناك أي مؤشرات على أنهم كانوا يتصرفون نيابة عن الجماعة. تغير هذا الوضع في عام 2023، عندما ظهرت تقارير تزعم وجود تعاون بين «الحوثيين» ومجموعات جهادية مختلفة في الصومال، مثل حركة الشباب وداعش-الصومال. وصفت هذه التقارير، التي يصفها بعض المحللين بأنها زواج مصلحة وليس مشروعاً أيديولوجياً، بتدريب المقاتلين الصوماليين على يد «الحوثيين»، فضلاً عن نقل التكنولوجيا. وفي حين لم تكن هناك حتى الآن أدلة دامغة على أن أسلحة أكثر تطوراً قد شُحنت بالفعل عبر خليج عدن، فإن الطائرات بدون طيار ذات المدى الطويل التي تقع في أيدي جماعات مثل «الشباب» قد تكون قادرة على تغيير ميزان القوى في الحرب الأهلية المستمرة منذ عقد في الصومال. وحتى في مناطق أبعد من ذلك، انتشرت شائعات عن وجود «الحوثيين»على ساحل البحر الأحمر في السودان.
بغض النظر عما إذا كان الحوثيون قد بدأوا بالفعل في تصدير خبراتهم وأسلحتهم إلى جماعات أخرى، أو ما إذا كانت هذه مجرد شائعات في هذه المرحلة، فقد حان الوقت للاعتراف بأن اليمن أصبح الآن على وشك أن يصبح مصدراً للأسلحة لصراعات أخرى في المنطقة. ومن المفارقات أن كلاً من إنهاء الصراع عن طريق التفاوض، الذي من شأنه أن يقلل الطلب المحلي على الأسلحة، وكذلك الانهيار العسكري لنظام «الحوثيين»، على سبيل المثال بسبب تجدد العمليات العسكرية من قبل القوات المناهضة للحوثيين بدعم من الولايات المتحدة، يمكن أن يسهم في مثل هذا التطور. وكما في حالة ليبيا عقب سقوط نظام القذافي في عام 2011، قد يؤدي ذلك إلى خلق ديناميكية جديدة وخطيرة حيث قد تتدفق المعدات والمعرفة إلى الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي وما وراءه. ومع انتشار الحرب الخليجية الجديدة للانعدام الاستقرار عبر المناطق، فإن هذا السيناريو أبعد ما يكون عن كونه غير واقعي.
رابط المادة الأصلية :