زلزال استراتيجي غيَّر قواعد الحرب│ كيف حولت جريمة اغتيال المرشد الأعلى التوترات الجيوسياسية إلى حرب مفتوحة؟

زلزال استراتيجي غيَّر قواعد الحرب│ كيف حولت جريمة اغتيال المرشد الأعلى التوترات الجيوسياسية إلى حرب مفتوحة؟

زلزال استراتيجي غيَّر قواعد الحرب كيف حولت جريمة اغتيال المرشد الأعلى التوترات الجيوسياسية إلى حرب مفتوحة

على رغم مضي 10 أيام على الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” على إيران لاتزال جريمة اغتيال المرشد الأعلى في إيران السيد علي خامنئي بغارات جوية أميركية “إسرائيلية” تتفاعل في مراكز القرار العالمي، التي وجدت نفسها غارقة بجهود احتواء تداعيات أكبر زلزال استراتيجي تشهده المنطقة والعالم.

ذلك أن اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في 28 فبراير 2026 مع عدد من كبار القادة، لم يكن مجرد عملية عسكرية تستهدف تغيير المواقف الداخلية لصالح خصوم طهران، بل كانت عملية عسكرية مخابراتية معقدة أرادت واشنطن و”إسرائيل” تحويلها إلى “صدمة كبيرة” تعيد رسم موازين القوى ليس في إيران وحسب، بل في الشرق الأوسط كله.

نفذت العملية بصورة مفاجئة وقت كانت طهران تشارك في مفاوضات متقدمة مع واشنطن بشأن البرنامج النووي ورفع العقوبات، وقلبت طاولة المفاوضات لتنقل مفاعيل الصراع من “حرب الظل” والضربات المتبادلة أو المواجهات المحدودة إلى حرب إقليمية شاملة، ترجمة إلى حد كبير التحذيرات التي كان قد أطلقها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية بتحول أي هجوم عسكري على إيران إلى حرب إقليمية واسعة النطاق.

وعلى الرغم من نجاح واشنطن وتل أبيب في تحقيق “انتصار تكتيكي” باستهداف رأس الهرم القيادي، إلا أنهما واجهتا “فشلًا استراتيجيًا” في احتواء تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية، ودخلتا في حرب استنزاف إقليمية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ قياسًا بما كانت عليه التقديرات قبل 28 فبراير.

وكان واضحًا أن عملية الاغتيال بنيت على تقديرات خاطئة أشارت إلى أن نجاح عملية اغتيال المرشد الأعلى ستضع نهاية سريعة للحرب بإصابة النظام الإيراني بالشلل، يقود إلى انهيار سريع للنظام، وهي التقديرات التي لم تتحقق على أرض الواقع بعدما أفضت إلى إشعال صراع وجودي مفتوح ومعقد وبمدى زمني فاق كل التوقعات.

وقد كشفت الحرب المستمرة منذ 28 فبراير الماضي عن تغيير كبير في قواعد اللعبة، بعد أن أعادت عملية الاغتيال تشكيل مسارات الحرب بشكل جذري؛ إذ لم تعد الحرب محصورة بين الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة ثانية، بل تحولت إلى حرب إقليمية مفتوحة وخارجة عن السيطرة.

الإمام خامنئي… الرمزية الدينية والشرعية الدستورية:

لم تكن التداعيات التي أشعلتها عملية الاغتيال مفاجئة بالنظر إلى أهمية الشخصية المستهدفة، التي لم تكن تمثل فقط مرجعية دينية استثنائية، بل شخصية ينظر إليها أغلب الشعب الإيراني وغيرهم من شعوب المنطقة رمزًا دينيًا وقائدًا يمتلك الشرعية الثورية والدستورية كل أدوات النفوذ السياسي وصناعة القرار والقوة العسكرية، وأكثر من ذلك أنه كان يمثل رمزًا للهوية الدينية والقائم على منصب الولي الفقيه الممثل لجزء كبير ممن أتباع المذهب الشيعي.

هذه الأهمية جعلت من السيد علي خامنئي مركزًا للقرار السياسي في إيران والمشرف العام على السلطات الثلاث، ومكنته من إدارة عدد من الملفات الكبيرة في الجمهورية الإسلامية، بدءًا من تثبيت مسار الثورة الإسلامية إلى قرارات السلم والحرب، ناهيك عن إدارته ملف البرنامجين النووي والصاروخي وملف التسليح بصورة عامة، في حين كان صاحب الكلمة الفصل في التعامل مع العقوبات الدولية.

ومنصب المرشد الأعلى وفق الدستور ليس مجرد لقب، بل يعد منصبًا سياديًا معقدًا يجمع بين الصفتين الدينية والقانونية في الوقت نفسه؛ إذ يعد منصبًا دستوريًا يرتبط بمفاصل الدولة كافة، ويتسع ليشمل جميع القرارات الاستراتيجية التي تخضع لإشراف القائد عن طريق المهام والاختصاصات المناطة به.

ونص الدستور الإيراني على أن السلطات الثلاث الحاكمة في إيران: (التشريعية، التنفيذية، القضائية) تمارس صلاحيتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة1.

وفقا لذلك أُسندت للمرشد الأعلى مهام تنصيب وعزل وقبول استقالة كل من فقهاء مجلس صيانة الدستور، كما يُعد المسؤول الأعلى في السلطة القضائية ورئيس أركان القيادة المشتركة والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، في حين منحه الدستور صلاحيات عزل رئيس الجمهورية وإصدار الأمر إلى رئيس الجمهورية وقبول أو رفض استقالة رئيس الجمهورية.

تأصلت مكانة المرشد الأعلى في الدستور الإيراني لعام 1979 الذي أقرت ديباجته بتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق ولاية الفقيه الجامع للشروط، الذي يعترف به الناس قائدًا لهم، كما وضع بيده ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران “في زمن غيبة الإمام المهدي” بوصفه الفقيه العادل المتقي البصير الشجاع القادرة على الإدارة والتدبير2.

وامتدت صلاحيات المرشد وفق الدستور إلى تشريع القوانين وضبط ملامح الحياة السياسية بما ينسجم مع رؤية القائد وفلسفته في إدارة الجمهورية الإسلامية، وبما ينسجم مع طبيعة نظام الحكم الإسلامي القائم على أساس ولاية الفقيه من جهة والمعايير الإسلامية المستمدة من المذهب الجعفري الاثنا عشري.

ووفقًا لذلك كانت للمرشد الأعلى الكلمة الفصل في عدد من المهام والاختصاصات التي تبدأ برسم السياسات العامة لنظام الجمهورية الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام والإشراف على حسن تنفيذ السياسات العامة للنظام، كما يتمتع بصلاحيات إصدار الأمر بالاستفتاء العام والقيادة العامة للقوات المسلحة وإعلان الحرب والسلام والنفير العام.

وأهمية مركز المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في النظام السياسي الإيراني تأصلت أكثر في إفراد الدستور الإيراني فصلًا تحت مسمى (القائد أو مجلس القيادة)، الذي حدد كل ما يتعلق بمركزه الدستوري وصلاحياته، والسلطة التي تتولى اختيار القائد، وهي مجلس الخبراء المنتخبين من قبل الشعب3.

وقد أناط الدستور له حل الخلافات بين أجنحة القوات المسلحة الثلاث وتنظيم العلاقات بينها، وحل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية عن طريق مجمع تشخيص مصلحة النظام، وتوقيع مراسيم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب.

وفقًا لذلك كانت عملية اغتيال المرشد الأعلى جريمة كبرى لم تمس فقط شخص القائد، بل مست بنية الدولة وسيادتها ونظامها السياسي، وأكثر من ذلك أنها مست الرمز الديني والهوية الدينية في آن واحد.

امتصاص الصدمةقيادة موقتة وإنجاز سريع لعملية اختيار الخلف:

لا شك أن عملية اغتيال خامنئي مع أفراد عائلته وعدد من قادته الكبار شكل صدمة كبيرة للشارع الإيراني ونخبه السياسية والعسكرية، وأدى إلى فراغ هائل في بنية النظام السياسي الإيراني، غير أن طهران تمكنت من امتصاص الصدمة بصورة غير متوقعة؛ إذ شكلت قيادة مؤقتة من 3 أشخاص لإدارة البلاد، في حين شرعت القيادات العليا بترتيبات لاختيار خلف لخامنئي، التي انتهت باختيار مجتبى خامنئي خلفا لوالده4.

وحتى المستوى العسكري لم يستغرق الكثير من الوقت، فبعد ساعات من جريمة الاغتيال شرعت طهران بتنفيذ خطة للردع كانت قد أُعدتها مسبقًا بإشراف المرشد الأعلى نفسه، التي ظهرت تداعياتها بسرعة في حرب إقليمية شاملة، تجاوزت البعد العسكري إلى هزات كبيرة في الاقتصاد العالمي، تجلت في الانهيارات المفاجأة لأسواق البورصة الدولية والارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط والغاز بعد التعطل الجزئي لحركة الملاحة في مضيق هرمز5.

ما ساعد طهران على امتصاص الصدمة وتحسين قواعد الردع هو الخطة المعدة مسبقًا، التي أُعدت لغرض تلافي حصول الانهيار الكامل؛ إذ جرى تفويض الوحدات العسكرية بالعمل بشكل شبه مستقل بناءً على أوامر عامة مسبقة؛ ما جعل آلة إيران العسكرية أكثر قدرة على الصمود على رغم فقدان قادتها الكبار6.

وعلى الرغم من ادعاء أعداء إيران تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أنها استمرت حتى اليوم العاشر للحرب في شن هجمات مكثفة على القواعد الأمريكية في المنطقة وعلى “إسرائيل”، ما أكد قدرتها على الاستمرار في معادلة الردع، وإسقاط المعادلات التي كانت ترجح شلل الدولة الإيرانية بالكامل في اليوم التالي.

تقديرات خاطئة في المقابل وترتيبات بديلة:

تقديرات الإدارة الأميركية ذهبت إلى أن عملية اغتيال المرشد الأعلى ستقود إلى شلل في القيادة الإيرانية يمهد لسقوط النظام أو على الأقل قبول طهران بشروط تفاوضية قاسية، غير أن ما حدث على الواقع كان معاكسًا تمامًا؛ إذ حافظ النظام على تماسكه بينما نفذت الهياكل العسكرية خططها العملانية المعدة مسبقًا، في ظل تصاعد ملحوظ في النزعة القومية المناهضة للحرب الأميركية “الإسرائيلية”.

وضمن أشياء أخرى كانت التقديرات في تل أبيب تشير إلى أن تصفية رأس النظام سيقود إلى تفكيك استراتيجية “وحدة الساحات”، غير أن ما حدث خالف التوقعات باشتعال مواجهات “لامركزية” قادتها الفصائل المسلحة للمقاومة المنخرطة في استراتيجية “وحدة الساحات” التي قادت مبادراتها باستقلالية أكبر وأكثر تصميما؛ ما زاد العبء الدفاعي على الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

على الإطار ذاته كانت توقعات المخابرات الغربية تذهب إلى احتمال حصول فوضى وصراع دموي على السلطة فور اغتيال المرشد الأعلى، غير أن هذه التقديرات تلاشت بعد تشكيل مجلس قيادة انتقالي يضم الرئيس مسعود بزشكيان، وهي الخطوة التي عكست قدرًا من التماسك المؤسساتي للنظام.

كما أن حجم الحشود التي نزلت في جنازات رمزية لتشييع السيد علي خامنئي وتأييد عمليات الرد على اغتياله في مدن رئيسة مثل مشهد وطهران، كان مفاجئًا لمراكز القرار في واشنطن؛ ما أعطى النظام المزيد من الشرعية لاستكمال سيناريو الردع7.

والآثار الإنسانية التي خلفتها الضربة الأميركية على مدرسة “ميناب” للفتيات، التي أدت إلى استشهاد أكثر من 175 طالبة ومعلمة، شكلت نقطة تحول سلبية ضد التحالف الأمريكي-“الإسرائيلي”؛ إذ أشعل الحادث فورًا إدانات دولية وفتح مسارًا لتحقيقات في “جرائم حرب” قلل شأن السردية الأميركية “الإسرائيلية” لعملية الاغتيال.

هذا الأمر جعل الولايات المتحدة و”إسرائيل” تنتقل من مربع نشوة الانتصار الساحق في الضربة الأولى وطموحاتهما بتحقيق انتصار سريع وحاسم إلى مربع الكلفة العالية لحرب الاستنزاف الطويل الأمد.

الدور “الإسرائيلي”… جدل الأسئلة الصعبة:

حتى اليوم لم تتوافر وثائق رسمية تؤكد بشكل قاطع ما إن كانت خطة اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادته خطة “إسرائيلية” صرفة أو نتاج تنسيق مشترك بين “إسرائيل” والولايات المتحدة.

وعلى رغم أن أكثر التقارير ذهبت إلى أن خطة اغتيال خامنئي كانت مشتركة بالكامل بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وأن العملية نفذت بعد شهور من التتبع الاستخباراتي والتعاون الوثيق، إلا أن عددًا من المؤشرات تُرجح فرضية أن خطة الاغتيال كانت “إسرائيلية”، وأن الظروف المواتية التي توافرت للعملية بصورة مفاجئة هي من دفعت تل أبيب لتنفيذ هذا الهجوم.

يشار في ذلك إلى التقارير التي بثتها وكالة الأسوشيتد برس ومنصة Politico، التي تحدثت عن أن “خطة إسرائيلية للتحرك ضد إيران كانت عاملًا حاسمًا في قرار إدارة ترامب بالمشاركة في الحرب”.

زاد من ذلك التصريحات التي أطلقها أعضاء في مجلس النواب الأميركي، وأكدت أن “إسرائيل” دفعت إدارة ترامب إلى خوض الحرب مع إيران استنادًا إلى توقيت العملية التي أشعلت حربًا في وقت كانت واشنطن تجري مفاوضات مع طهران بشأن البرنامج النووي، وكانت على وشك التوصل إلى اتفاق، ضمن المهلة التي كان حددها الرئيس ترامب.

من بين المعطيات أيضًا تصريحات رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون التي أكد فيها أن “الإدارة الأمريكية كانت تعتقد أن “إسرائيل” عاقدة العزم على التحرك ضد إيران بصرف النظر عن الدعم الأمريكي ما وضع الرئيس ترامب أمام قرار صعب.

أكثر من ذلك التأكيدات التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن دور “إسرائيل” المحوري في الهجمات الأولى على إيران، قبل أن ينفيها لاحقًا، ما غذَّى الجدل حول ضغوط “إسرائيلية” على الإدارة الأميركية، خصوصًا أن العملية بدت تخدم مصالح استراتيجية لـ “إسرائيل” أكثر من خدمتها المصالح الأميركية المباشرة.

في تصريحات أخرى أوضح روبيو أن واشنطن علمت ” أنه سيكون هناك عمل إسرائيلي “وعلمنا أننا إذا لم نضربهم قبل أن يشنوا هجماتهم سنعاني من خسائر أكبر” بما يعني أن مخطط العملية كان “إسرائيليًا” بالأساس، وأن مشاركة واشنطن فيه كانت ثانوية8.

يضاف إلى ذلك ما كشف عن المناقشات الداخلية لإدارة ترامب بأن مستشاري ترامب كانوا يرون ميزة سياسية في أن تضرب “إسرائيل” إيران أولًا، باعتبار أن ذلك سيسهل حشد الدعم الشعبي الأمريكي للتدخل لاحقًا.

وطول مدة التحشد العسكري في المنطقة التي امتدت أسابيع كان البيت الأبيض يُعبّر عن تطلعه إلى اتفاق جديد مع طهران يمنح إدارة ترامب انتصارًا دبلوماسيًا جديدًا، في حين كانت كل التقديرات تذهب إلى أن واشنطن ماضية نحو تحقيق انتصار دبلوماسي تحت الضغوط العسكرية يجنب الولايات المتحدة حربًا مكلفة.

يومها تحدثت تقارير نشرتها الصحافة العبرية أن المخابرات “الإسرائيلية” توصلت إلى معلومات مخابراتية قبيل الهجوم تؤكد أن المرشد خامنئي سيعقد اجتماعًا مع كبار مستشاريه بما في ذلك القيادي على شمخاني وقادة الحرس الثوري، وبناء على هذه المعلومة الحاسمة تقرر تقديم موعد الهجوم لاغتنام الفرصة وضرب جميع القادة دفعة واحدة والحفاظ على عنصر المفاجأة.

قبلها كشفت تقارير أميركية أكدت أن “إسرائيل” قدمت للرئيس ترامب خطة لاغتيال خامنئي، لكنه رفضها خوفًا من توسع النزاع الإقليمي، قبل أن تتغير المعطيات لاحقًا9.

هذه المعطيات عززت إلى حد كبير الفرضيات التي تتهم “إسرائيل” بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وزاد منها أن كل التصريحات والمعلومات المخابراتية بشأن مجريات الضربات الافتتاحية ونتائجها كانت تأتي من تل أبيب وليس من واشنطن.

فرضية العملية المشتركة… لا وثائق مؤكدة:

يمكن قبول فكرة أن “إسرائيل” لم تدفع أمريكا للحرب بالمعنى التقليدي، إلا أن نيتها المبيته للتحرك بشكل منفرد كانت واضحة قبل أسابيع من بدء العملية العسكرية، وضغوطها المستمرة بالذهاب إلى الخيار العسكري وضعت إدارة ترامب أمام خيارين: إما المشاركة في التخطيط والتنفيذ لتحقيق أهداف عسكرية واستخباراتية كبيرة مع احتواء ردة الفعل، أو المخاطرة باندلاع حرب إقليمية دون تنسيق.

ما يعزز ذلك أن واشنطن باعتراف مسؤولين أميركيين، انخرطت في الحرب قبل أن تكمل استعداداتها العسكرية، وهو ما بدا واضحًا في حالة الإرباك التي أدت إلى قيام طائرات أميركية بتدمير مدرسة للفتيات في مأساة أدت إلى مقتل أكثر من 175 تلميذة ومعلمة، وكانت موضع تحقيقات أميركية أكدت مسؤولية الطائرات الحربية الأميركية عنه.

وفي يوميات الحرب التي تلت عملية الاغتيال كان ملاحظًا أن “إسرائيل” هي من تحدد بنك الأهداف، كما أن قرار توسيع الأهداف وتقليصها كان ولا يزال يتخذ من قيادة الجيش “الإسرائيلي”.

وما يستحق النظر إليه بعمق أن العملية العسكرية الأخيرة ضد إيران، حملت هذه المرة اسمين مختلفين؛ إذ سمتها واشنطن عملية “الغضب الملحمي” بينما سمتها “إسرائيل” عملية “زئير الأسد” ما عكس وجود تنافس صامت على القيادة بين واشنطن وتل أبيب وغياب التنسيق المشترك في وقت بدت فيه “إسرائيل” متقدمة على واشنطن بخطوات في هذه العملية.

أما التصريحات المرتبكة للرئيس ترامب التي رافقت يوميات الحرب فقد كانت تذهب يمينًا وشمالًا، لكنها لم تخرج عن البروبغاندا الدعائية التي بذل ترامب جهده فيها، وربطها في سياق طموحاته بإعادة إحياء قوة أميركا في العالم وقدرتها على صناعة التحولات.

تصعيد واسع وتداعيات خارج السيطرة:

يمكن القول: إن عملية اغتيال المرشد الأعلى للثورة في إيران لم تنه الحرب كما توقعت الدوائر العسكرية والسياسية الأميركية و”الإسرائيلية”، بل حولتها من مواجهة محدودة إلى حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، في حين تمكنت طهران من الدخول في مرحلة انتقالية بدا أنها تتجه لا للتحديد –فقط- مصير النظام الجديد في إيران، بل لتحديد مستقبل المنطقة بأسرها.

وخلافًا لحرب الـ 12 يومًا، فإن عملية اغتيال المرشد الأعلى فرضت تغييرًا جذريًا في مسار الحرب من احتمال التوقف بالمفاوضات إلى “مسار اللاعودة”، وهو الأمر الذي بدا بوضوح في الرد الإيراني على الهجمات بموجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت العمق “الإسرائيلي” والقواعد الأمريكية المنتشرة في دول المنطقة بصورة غير مسبوقة.

وتداعيات الحرب في أيامها الأولى تجاوزت التوقعات؛ إذ قادت إلى وضع منطقة الشرق الأوسط فوق صفيح ساخن؛ نتيجة توسيع إيران جغرافيًا الضربات الانتقامية إلى دول المنطقة؛ ما أحدث شللًا شبه كامل في حركة الملاحة الجوية والبحرية، ناهيك عمَّا أحدثه من تداعيات في حركة الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.

ولأن الاستهداف مس هذه المرة المهندس الأول لمحور المقاومة، شهدت عمليات الرد تصعيدًا واسعًا من قبل حركات المقاومة في العراق ولبنان، التي اعتبرت الاغتيال جريمة تستحق الرد العسكري الواسع وتدعو لإشعال حرب مفتوحة دون قيود استراتيجية.

وغير بعيد عن ذلك التوترات التي شهدها مضيق هرمز الذي تمر منه نحو 20% من إمدادات النفط العالمي؛ ما دفع إلى تحويل الصراع من مواجهة عسكرية إلى حرب اقتصادية عالمية، تهدد إمدادات الطاقة وتلوح بارتفاعات جنونية في أسعار الوقود.

وحرب الضربات المتبادلة مرشحة للتصاعد والاستمرار مدة أطول من التوقعات؛ إذ لا يزال لدى طهران مخزون هائل من الصواريخ، في حين يقول القادة العسكريون أن قواتهم استخدمت في الأيام الماضية مخزوناتها القديمة فقط، ولم تبدأ بعد باستخدام مخزوناتها من الصواريخ الحديثة مؤشر يُرجح أن المدة القادمة ستشهد تصعيدات خطيرة تفوق التوقعات10.

وهنا يتعين الإشارة إلى أن حالة التوتر الشديد الذي تعيشه المنطقة اليوم يضع العالم بأسره أمام لحظة تحول تاريخية فارقة في ظل التصعيد الذي يؤشر إلى خوض الأطراف حربًا وجودية أكثر من أنها حرب لتسجيل انتصارات تمهد الطريق لطاولة المفاوضات، بما يعنيه ذلك من تداعيات بامتدادات عالمية، تلوح بكوارث ليس أقلها توقف شريان الطاقة العالمي وحصول انهيارات مفاجئة في الاقتصادات الدولية، وأكثر من ذلك دخول المجتمعات في حالة من الركود والتضخم لن تستثني أحدا.

المصادر:


  1. نص المادة (57) من الدستور الإيراني. ↩︎
  2. ينظر: المادتان (5) و(107) من الدستور الإيراني لعام 1979. ↩︎
  3. المادة (107) من الدستور الإيراني. ↩︎
  4. يورونيوز عربي. إيران تفوض مجلس القيادة المؤقت بصلاحيات واسعة لإدارة شؤون الدولة. 5 مارس 2026. متاح على الرابط:
    https://arabic.euronews.com/2026/03/05/iran-delegates-broad-powers-to-the-interim-leadership-council-to-run-state-affairs ↩︎
  5. جولد إيجلز. انهيار أسواق آسيا: بورصة سيول تسجل أسوأ هبوط تاريخي وسط تصاعد صراع الشرق الأوسط. 4 مارس 2026. متاح على الرابط: https://goldeagles.gold/انهيار-أسواق-آسيا-بورصة-سيول-تسجل-أسوأ/ ↩︎
  6. الشرق للأخبار، وزير الخارجية الإيراني: وحداتنا العسكرية تعمل بشكل مستقل ومعزولة إلى حد ما، 1 مارس 2026. متاح على الرابط: https://asharq.com/iran/174035/طهران‑وحداتنا‑العسكرية‑تتمتع‑حالياً‑باستقلالية‑في‑التحرك/ ↩︎
  7. فرانس 24، إيران: تأجيل مراسم تشييع علي خامنئي لأجل غير مسمى، 4 مارس 2026، متاح على الرابط: https://f24.my/BmJw ↩︎
  8. الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الصحافة، 3 مارس 2026. متاح على الرابط: https://2u.pw/O33RAP ↩︎
  9. الجزيرة نت، رويترز: ترامب رفض خطة إسرائيلية لاغتيال خامنئي، 15 يونيو 2025. متاح على الرابط: https://aja.ws/7onc9r ↩︎
  10. فيديو للمتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني منشور على حساب قناة الجزيرة على منصة إكس بتاريخ 8 مارس 2026. متاح على الرابط: https://x.com/AJArabic/status/2030703243173695815?s=20 ↩︎