اتفاقات السلام بين مصر وإسرائيل: بين الواقعية والوقيعة السياسية

فواز أحمد النقاش

باحث دكتوراة في العلوم السياسية

 

مقدمة:

شكلت اتفاقيتا كامب ديفيد (1978) ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979) نقطة تحول محورية في تاريخ الصراع العربي مع الكيان الإسرائيلي والجيوسياسية الإقليمية، فعن طريق هذه الاتفاقات، أقدمت مصر- التي كانت تمثل تاريخيًا الثقل الاستراتيجي للعالم العربي وقائدة الحروب العسكرية مع الكيان الإسرائيلي- على خطوة غير مسبوقة لتصبح أول دولة عربية تبرم سلامًا رسميًا وتنهي حالة الحرب.

 هذا التحول الدراماتيكي لم يكن مجرد قرار سياسي، بل كان حدثًا أعاد تشكيل المنطقة بأسرها، وأثار جدلًا عميقًا وممتدًا لم يهدأ حتى اليوم، فانقسمت الآراء حول تقييمه بين رؤيتين متضادتين، الأولى: تعده انتصارًا للـواقعية السياسية، وقرارًا حتميًا استند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى والمصلحة القومية المصرية العليا، التي تطلبت استعادة سيناء وتجنيب البلاد ويلات حروب مدمرة، أما الرؤية الثانية: فتراه وقيعة سياسية كبرى، أخرجت مصر من عمقها العربي، وفتتت الموقف الموحد تجاه القضية الفلسطينية، ومهدت الطريق لموجات تطبيع لاحقة أضرت بالقضية المركزية للأمة.

تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذه الجدلية المعقدة عن طريق تطبيق منظور الواقعية السياسية، التي تفسر سلوك الدول بناءً على سعيها العقلاني لتعظيم قوتها وتأمين مصالحها في نظام دولي فوضوي، كما تسعى الورقة إلى تتبع واستكشاف التداعيات بعيدة المدى لهذا السلام على مفهوم الأمن القومي المصري، وصولًا إلى المسار الذي أدى إلى ظاهرة الصهيونية العربية، وتقييم الموقف المصري الراهن في ظل التحديات المستجدة، وأبرزها العدوان الإسرائيلي على غزة أعقاب عملية طوفان الأقصى.

المحور الأول: السياق الاستراتيجي لاتفاقات كامب ديفيد وخروج مصر من الصراع العربي مع الكيان الإسرائيلي:

لم تكن اتفاقات كامب ديفيد وليدة لحظة عابرة، بل كانت النتيجة الحتمية لمسار طويل ومعقد من التحولات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي عصفت بمصر والمنطقة العربية، ولم تكن صدمة هزيمة يونيو 1967، جرحًا غائرًا في الكبرياء الوطني فحسب، بل فرضت واقعًا جيوسياسيًا كارثيًا باحتلال سيناء، مما وضع الأمن القومي المصري تحت تهديد مباشر، وعلى الرغم من أن حرب الاستنزاف (1969-1970) أثبتت قدرة الجيش المصري على الصمود وإلحاق خسائر بالعدو، إلا أنها أكدت في الوقت ذاته التكلفة البشرية والمادية الباهظة لاستمرار حالة الحرب المفتوحة([1]).

جاءت حرب أكتوبر 1973 لتمثل نقطة التحول البارزة، على الرغم من أنها لم تحقق نصرًا عسكريًا كاسحًا يؤدي إلى التحرير الكامل، إلا أنها نجحت في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأسمى: تحطيم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” وإعادة بناء الثقة لدى المقاتل المصري والعربي، والأهم من ذلك، أنها منحت الرئيس الراحل أنور السادات القدرة على المبادرة السياسية من موقع قوة نسبية، ورأى السادات أن الحرب قد أدت مهمتها في كسر الجمود، وأن استكمال التحرير يتطلب أدوات مختلفة في ظل واقع دولي جديد، تهيمن عليه الولايات المتحدة بشكل شبه كامل وتلتزم فيه بشكل مطلق بأمن الكيان الإسرائيلي([2]).

وعلى هذا الأساس، أطلق السادات استراتيجيته الجديدة القائمة على مقولته الشهيرة “99% من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة”، التي تجلت في اتفاقيات فك الاشتباك الأولى والثانية (1974-1975) بوساطة هنري كيسنجر، لكن الجمود السياسي الذي تلا ذلك، وإدراكه أن الدبلوماسية التقليدية لن تحرك ساكنًا، دفعه إلى خطوته الأكثر جرأة: إعلانه استعداده للذهاب إلى القدس([3]).

وهدفت مبادرة نوفمبر 1977 من وجهة نظر القيادة المصرية إلى تحقيق ما هو أبعد من مجرد التفاوض، أي: هدفت إلى كسر الحاجز النفسي الهائل بين العرب والإسرائيليين، وتجاوز الدبلوماسية التقليدية، وإحراج حكومة الكيان الإسرائيلي اليمينية والولايات المتحدة أمام العالم، وبالفعل مهدت الزيارة الطريق لتدخل الرئيس الأمريكي حينذاك جيمي كارتر، الذي استثمر هذا الزخم الكارثي ودعا السادات ومناحم بيغن إلى عزلة منتجع كامب ديفيد لمدة 13 يومًا من المفاوضات الشاقة والمضنية.

أسفرت هذه المفاوضات عن وثيقتين متناقضتين في طبيعتهما وجوهرهما:

أولًا: إطار السلام في الشرق الأوسط(([4]: وثيقة طموحة نظريًا، لكنها غامضة وعامة في تفاصيلها، وقدمت حلًا ضبابيًا للقضية الفلسطينية عن طريق إنشاء “سلطة حكم ذاتي” انتقالية في الضفة الغربية وغزة، دون تحديد صلاحياتها أو مصيرها النهائي، واستخدمت الوثيقة لغة مطاطة، مثل “الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”، دون تحديد ماهية هذه الحقوق أو الإشارة الصريحة إلى دولة مستقلة أو حق العودة للاجئين، ولقد كانت هذه الوثيقة- في جوهرها- بمقام الغطاء “العروبي” الضروري الذي سمح للسادات بتمرير الاتفاق الثنائي أمام شعبه وأمته.

ثانيًا: إطار معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل([5]): على النقيض تمامًا، كانت هذه الوثيقة إجرائية، واضحة، ودقيقة، ونصت على انسحاب إسرائيلي كامل من سيناء على مراحل، مقابل تطبيع كامل للعلاقات (دبلوماسية، اقتصادية، ثقافية)، والأهم من ذلك، أنها تضمنت ملحقًا أمنيًا مفصلًا قسّم سيناء إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج) بقيود صارمة ومتدرجة على حجم ونوعية القوات المصرية، مع وجود قوات مراقبة دولية، هذا الملحق -الذي كان شرطًا أساسيًا لطمأنة الكيان الإسرائيلي أمنيًا- صار لاحقًا أحد أكثر جوانب المعاهدة إثارة للجدل فيما يتعلق بالسيادة المصرية الكاملة على أراضيها.

بناءً على الإطار الثاني، وُقعت معاهدة السلام في مارس 1979، وكانت تداعياتها الاستراتيجية فورية ومدوية، فبمجرد خروج مصر -القوة العسكرية والديموغرافية الأكبر- من معادلة الصراع، انهارت فكرة “الجبهة الشرقية” و”الجبهة الغربية”، وتفككت استراتيجية المواجهة الشاملة، وقوبلت الخطوة برفض عربي كاسح في قمة بغداد، وجرى تجميد عضوية مصر في الجامعة العربية ونقل مقرها إلى العاصمة تونس؛ لتدخل مصر في عزلة عربية مريرة استمرت عقدًا كاملًا، أما الموقف الفلسطيني فقد وجد نفسه معزولًا وأكثر ضعفًا من أي وقت مضى؛ إذ استغلت حكومة الكيان الإسرائيلي اليمينية الإطار الغامض للحكم الذاتي لتكثيف بناء المستوطنات، مدركةً أن الخطر العسكري المصري قد زال، وقد أدى تحييد مصر إلى إطلاق يد الكيان الإسرائيلي في المنطقة العربية، وهو ما تجلى بأبشع صوره في غزو لبنان واحتلال بيروت عام 1982، وهي خطوة كان من الصعب تصورها في ظل وجود جبهة مصرية نشطة.

المحور الثاني: قراءة القرار المصري من منظور الواقعية السياسية:

لفهم الدوافع العميقة وراء هذا القرار الجذري، توفر نظرية الواقعية السياسية في العلاقات الدولية إطارًا تحليليًا قويًا، تفترض الواقعية أن الدول هي الفاعل الأساس في نظام دولي فوضوي (Anarchic)، وأنها تتصرف بوصفها كيانات عقلانية تسعى لضمان بقائها (Survival) وتعظيم قوتها ومصالحها القومية، من هذا المنظور، قد يكون قرار السادات خيانة للأيديولوجيا القومية العربية، ومع هذا كان خيارًا استراتيجيًا خضع لحسابات ضيقة للقوة والمصلحة في ظل ظروف قاهرة.

لقد أجرى السادات إعادة تعريف جذرية للمصلحة القومية المصرية، فبعد عقود كانت فيها هذه المصلحة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقيادة العالم العربي ومواجهة المشروع الصهيوني، أعاد السادات ترتيب الأولويات لتصبح “مصر أولًا”، وتمثلت هذه المصلحة في أهداف محددة وواقعية من وجهة النظرية الواقعية:

  1. 1- تحرير الأرض: كانت استعادة سيناء، التي تمثل 16% من مساحة مصر، هدفًا وطنيًا مقدسًا لا يمكن التنازل عنه، ورأى السادات أن استمرار الاحتلال يمثل إهانة دائمة للسيادة واستنزافًا لا ينتهي للموارد، وأن الحرب وحدها قد لا تضمن استعادتها بالكامل(([6].
  2. 2- إنقاذ الاقتصاد: كانت مصر ترزح تحت عبء اقتصادي هائل بعد أربعة حروب مدمرة، ووصلت الديون العسكرية للاتحاد السوفيتي إلى أرقام كبيرة، والبنية التحتية كانت متهالكة، ومعدلات التنمية متوقفة، رأى السادات أن السلام سيحرر الموارد اللازمة للتنمية، وهو ما عبَّر عنه بوضوح في شعاره “السلام من أجل الرخاء”([7](.
  3. 3- التحول الاستراتيجي: رأى السادات أن موازين القوى العالمية قد تغيرت، ولم يعد الاتحاد السوفيتي حليفًا قادرًا أو راغبًا في منحه الأسلحة الهجومية اللازمة لتحقيق نصر حاسم، وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة عالميًا، والضامن الوحيد لأمن الكيان الإسرائيلي، ومفتاح أي تسوية، وأن التحول نحو واشنطن من منظور واقعي، خيارًا عقلانيًا للحصول على النفوذ والتكنولوجيا والمساعدات الاقتصادية والعسكرية الضخمة التي بدأت بعد المعاهدة([8]).
  4. 4- التفوق العسكري: عند تقييم ميزان القوى، كانت القيادة المصرية تدرك الحقائق الصعبة على الأرض، وأن التفوق العسكري النوعي للكيان الإسرائيلي بفضل الدعم الأمريكي اللامحدود، وغياب جبهة عربية موحدة ومستعدة جعلها غير قادرة على خوض حرب أخرى، وقد سبق أن قاتلت مصر في 1973 وهي تعلم أن الجبهة الشرقية – سوريا والأردن – أضعف من أن تتمكن من الصمود طويلًا.

أمام هذه المعادلة المعقدة، وازن السادات بين تكلفة الحرب ومنفعة السلام، وكانت تكلفة الحرب تعني استمرار استنزاف الموارد والخسائر البشرية مع عدم ضمان التحرير الكامل، أما منفعة السلام فكانت تعني استعادة سيناء كاملة، والحصول على مساعدات أمريكية، وتأمين حدود الدولة للتفرغ للتنمية الداخلية، ومن وجهة نظر الواقعية البحتة، كان السلام هو الخيار العقلاني الوحيد؛ لضمان بقاء الدولة المصرية ودوام أنها، حتى لو كان ثمنه التخلي المؤقت عن الدور القومي والعزلة العربية.

لكن هذا التفسير الواقعي لا يخلو من نقاط ضعف، فالواقعية تتجاهل إلى حد كبير دور الأيديولوجيا والهوية والرأي العام، ولقد أدى السلام مع الكيان الإسرائيلي إلى صدمة ثقافية ونفسية عميقة في الوجدان المصري والعربي؛ إذ كان يُنظر إليها كيانًا استعماريًا، وأن حالة “السلام” على المستوى الشعبي، ورفض النقابات المهنية المصرية القاطع للتطبيع لعقود، يوضحان أن حسابات المصلحة على مستوى النخبة الحاكمة لا تترجم بالضرورة إلى قبول شعبي، علاوة على ذلك، يمكن القول: إن السادات بالغ في تقدير قدرته على استخدام السلام مع مصر ورقة ضغط لإجبار الكيان الإسرائيلي على تقديم تنازلات حقيقية للفلسطينيين، ولقد راهن على أن الكيان الإسرائيلي لن يضحي بالسلام مع الجارة الكبرى (مصر) من أجل التمسك بالضفة الغربية، لكن الواقع أثبت أن الكيان الإسرائيلي نجح في تحقيق الأمرين معًا: تحييد مصر ومواصلة مشروعه الاستيطاني بلا هوادة.

المحور الثالث: قراءة المسار المصري في ضوء ظاهرة “الصهيونية العربية” وتحدي “طوفان الأقصى:”

المرحلة الأولى: التأسيس – مصر “فاتحة المسار” في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي:

لم يكن قرار مصر في كامب ديفيد مدفوعًا بأيديولوجيا “الصهيونية العربية”([9])، بل كان قرارًا واقعيًا براغماتيًا اتخذته الدولة من منطلق حسابات القوة والمصلحة القومية الضيقة، لكن هذا القرار، وبدون قصد بالضرورة، وضع حجر الأساس الذي قامت عليه لاحقًا مبررات تيار الصهيونية العربية الجديد، وفتحت الباب على مصراعيه أمام المطبعين الجدد، ولقد أسس المسار المصري لهذه الظاهرة عن طريق الآتي:

  1. 1- كسر المحرّم عربيًا: كانت مصر هي التي كسرت الحاجز النفسي والسياسي الأكبر، المتمثل في “لاءات الخرطوم الثلاث” (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض)، بمجرد أن فعلتها الدولة العربية الأكبر والأقوى، أصبح مجرد التفكير في الأمر ممكنًا للدول الأخرى، حتى لو ظل مرفوضًا لعقود([10]).
  2. 2- تغليب المصلحة القُطرية على القومية([11]): أرسى “سلام السادات” مبدأ أن “مصلحة الدولة الوطنية” (مصر) يمكن أن تتجاوز الالتزام بـ”المصلحة القومية العربية” (القضية الفلسطينية)، وهذا المبدأ أصبح لاحقًا الحجة المركزية التي استخدمها كل المطبعين العرب الجدد، وهو جوهر ما يسميه النقاد تيار “الصهيونية العربية”([12]).
  3. 3- تبني نموذج “السلام مقابل الدعم الأمريكي”: أظهر المسار المصري أن السلام مع الكيان الإسرائيلي هو أقصر طريق لكسب الرضا والدعم الأمريكي سياسيًا، عسكريًا، واقتصاديًا، هذا النموذج صار شديد الإغراء لنخب عربية أخرى تسعى لترسيخ حكمها وتأمين اقتصاداتها([13]).

في هذه المرحلة، كانت مصر معزولة عربيًا، وكان خطابها الرسمي لا يزال يؤكد على أن سلامها “خطوة أولى” نحو سلام شامل وعادل للفلسطينيين، ولم تتبنَّ مصر خطاب “الصهيونية العربية” الذي ينتقد الفلسطينيين أو يتجاهل حقوقهم، بل حاولت الموازنة بين سلامها المنفرد والتزامها التاريخي بالقضية.

المرحلة الثانية: انتشار واستنساخ النموذج المصري وتطويره (1990 – 2022):

في هذه المرحلة، بدأت العوامل التي أدت لظهور تيار “الصهيونية العربية” تتضح، وتزامنت مع انتشار نموذج التطبيع الذي بدأته مصر، وتمثلت هذه العوامل في:

  1. 1- تآكل المشروع القومي العربي: مع غزو العراق للكويت ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، تفككت فكرة العمل العربي المشترك والأمن القومي العربي، وسادت حالة كل دولة تعمل لنفسها.
  2. 2- معاهدة وادي عربة (1994)([14]): وقع الأردن معاهدة سلام مع الكيان الإسرائيلي، متبعًا منطق “الأرض مقابل السلام” لحل القضايا الحدودية والمائية، وتأمين الدعم الأمريكي.
  3. 3- صعود العدو البديل: جرى تقديم إيران ومشروعها السياسي ذي اللون الواحد تهديدًا وجوديًا يفوق الخطر الإسرائيلي التقليدي، مما أوجد مصلحة مشتركة بين بعض الأنظمة الخليجية والعربية والكيان الإسرائيلي([15]).
  4. 4- الجيل الجديد من القادة: صعدت نخب حاكمة شابة- لاسيما في الخليج العربي- لم تعاصر الحروب العربية الإسرائيلية الكبرى، وجعلت أولوياتها التحديث الاقتصادي ومواجهة جماعات الإسلام السياسي التي تهدد عروشها، وهي أولويات وجد فيها الكيان الإسرائيلي شريكًا محتملًا.
  5. 5- اتفاقات إبراهام (2020)([16]): في هذه البيئة، جرى استنساخ النموذج المصري، ولكن مع تطور خطير؛ فإذا كانت مصر قد قدمت سيناريو “الأرض مقابل السلام”، فإن “اتفاقيات إبراهام” التي وقعته الإمارات العربية والبحرين وغيرهما، قدمت سيناريو “”السلام مقابل الازدهار والأمن المشترك”، متجاوزة القضية الفلسطينية بالكامل.

هنا، استفحلت ظاهرة “الصهيونية العربية” وتحولت من مجرد همسات بخجل إلى خطاب إعلامي كبير وتحريض مستمر ضد كل فرد عربي وفلسطيني مقاوم للمشروع الصهيوني، إضافة إلى تأييد سياسي رسمي يروج للتطبيع غاية في حد ذاته، وينتقد الفلسطينيين بل ويلومهم على رفضهم للسلام، وكان الأثر الأكبر لهذا المسار هو التآكل المنهجي للموقف العربي الموحد، فبعد أن كانت “مبادرة السلام العربية” (2002) في قمة بيروت([17])، تضع إطارًا واضحًا الانسحاب الكامل أولًا ثم السلام، جاءت اتفاقيات إبراهام لتقلب هذه المعادلة، وتجعل التطبيع جائزة تُمنح للكيان الإسرائيلي مسبقًا.

المرحلة الثالثة: “عملية طوفان الأقصى” كاشفة الحقائق (2023 – الآن):

جاءت عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من حرب إبادة في غزة ليمثل لحظة الحقيقة التي اختبرت المسار المصري المتخاذل تجاه أهل غزة ومعه تيار “الصهيونية العربية”، التي كشفت عن حقائق، أهمها:

  1. 1- إعادة تعريف حالة التهديد للأمي القومي المصري: أثبتت الحرب أن الخطر الإسرائيلي على الأمن القومي المصري لم ينتهِ بالمعاهدة، فمشروع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، والسيطرة على محور فيلادلفيا، يمثلان تهديدًا وجوديًا مباشرًا لمصر، وقد كشفت الحرب أن السلام لم يكن حلًا نهائيًا، بل مجرد “هدنة طويلة” يمكن أن تنهار تداعياتها على حدود مصر في أي لحظة.
  2. 2- الاكتفاء بدور الوسيط وإدارة الأزمة([18]): بالتوازي مع موقفها الحازم برفض التهجير، حافظت مصر على قنوات الاتصال، مما مكنها من تأدية دور الوسيط الرئيس في مفاوضات الهدن وتبادل الأسرى، وجعلها الشريان شبه الوحيد للمساعدات عن طريق معبر رفح، وعزز هذا الدور من أهمية مصر بوصفها فاعلًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، لكنه عرضة لانتقادات شعبية كبيرة بأنها متخاذلة، واكتفت بـ “إدارة” الكارثة بدلًا من العمل على وقفها.
  3. 3- ضعف تيار الصهيونية العربية: أظهرت الحرب أن خطاب العيش المشترك مع الكيان الإسرائيلي يتبخر أمام حقيقة المشروع الصهيوني التوسعي، وقد أحرجت مشاهد الإبادة في غزة المطبعين الجدد ظاهريًا مع رغبتهم بالقضاء على إي بؤرة مقاومة، وأثبتت أن الكيان الإسرائيلي لا يرى في حلفائه العرب شركاء، بل مجرد أدوات وبيادق يستخدمها في استراتيجيته التوسعية، وبالفعل سقطت ورقة العروبة عن هذا التيار وضعف موقفه.

وعلى عكس حماس المطبعين الجدد، حاولت مصر أن تحافظ على “السلام الهش” بحذر، وأظهر موقف مصر الحاسم برفض التهجير خوفًا على أمنها القومي بدرجة رئيسة، وأنها -على الرغم من المعاهدة- لا تزال تدرك خطورة المشروع الصهيوني على أمنها القومي المباشر، ولقد بدا الموقف المصري-الذي كان يُنتقد أحيانًا- أكثر صمتًا مقارنة بالاندفاع غير المحسوب لدول اتفاقيات إبراهام.

 

الخاتمة:

في نهاية هذا التحليل الممتد لأكثر من أربعة عقود، نجد أنفسنا أمام مفارقة كبرى، فالقرار الذي اتخذته مصر في أواخر السبعينيات، الذي جرى تبريره آنذاك بمنطق الواقعية السياسية ضرورة حتمية لاستعادة الأرض وحماية الأمن القومي، قد أفضى اليوم إلى وقيعة سياسية، أي: واقع أمني معقد يضع هذا الأمن القومي ذاته أمام أحد أخطر اختباراته على حدود غزة.

لقد توصلت هذه الورقة إلى أن اتفاقات كامب ديفيد كانت بالفعل خيارًا عقلانيًا من منظور المصلحة القومية المصرية الضيقة كما قدرتها القيادة السياسية آنذاك، ونجحت مصر في تحقيق هدفها باستعادة سيناء كاملة وأوقفت نزيف الموارد، لكن هذا النجاح كان له ثمن استراتيجي باهظ، تمثل في تفكيك جبهة المواجهة العسكرية والسياسية العربية، وعزل القضية الفلسطينية، وإطلاق يد الكيان الإسرائيلي تعبث في المنطقة العربية.

إن إرث كامب ديفيد لم يقتصر على تغيير وجه السياسة المصرية، بل أعاد تعريف مفهوم “السلام” في المنطقة، فدشن مسارًا من التطبيع عن طريق الحلول المنفردة التي تكرست لاحقًا في وادي عربة، ثم اتفاقات إبراهام؛ إذ جرى تغليب المصالح القُطرية على الموقف العربي القومي، هذا المسار، الذي وجد مبرراته في أطروحات “الصهيونية العربية”، أدى إلى تآكل القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية وجود وهوية إلى مجرد ملف إنساني يُدار أمنيًا، وتأتي أحداث “طوفان الأقصى” لتكشف عن هشاشة هذا النموذج، وتؤكد أن تجاهل جوهر الصراع ومحاولة القفز فوقه لا يؤدي إلى استقرار حقيقي، بل يؤجل الانفجار ويزيد من عنفه، وعلى الرغم من أن مصر نجحت تكتيكيًا في منع كارثة التهجير، إلا أنها تجد نفسها اليوم في مواجهة واقع استراتيجي أشد خطورة.

في الأخير، يمكن القول: إن السلام المصري مع الكيان الإسرائيلي ظل “سلامًا هشًا” بين نظامين، ولم يتحول قط إلى سلام حقيقي بين شعبين؛ لأنه لم يقم على أساس العدل الشامل، بل قام على حساب استمرار الاحتلال للأراضي الفلسطينية، وبعد مرور أكثر من أربعين عامًا يبدو أن المنطقة لم تحصد سلامًا حقيقيًا، بل مجرد “حالة اللا حرب” التي أثبتت أنها قابلة للاشتعال في أي لحظة، وأن مستقبل الأمن القومي المصري، بل وأمن المنطقة بأسرها، يبقى مرهونًا بالقدرة على إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، وهو الدرس الذي أعادت أحداث غزة كتابته من جديد بالدم والنار، مؤكدةً على أن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تنتج إلا المزيد من العنف والقتل واللا استقرار.

 

المراجع:

[1]  Moshe Gat, The Arab–Israeli Conflict, 1956–1975: From Violent Conflict to a Peace Process (London and New York: Routledge, 2018

[2]  Gawrych, George W. The 1973 Arab–Israeli War: The Albatross of Decisive Victory. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.

[3] هيكل، محمد حسنين. خريف الغضب: قصة بداية ونهاية عصر أنور السادات. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر. 1983.

[4]  United States, Department of State. “The Framework for Peace in the Middle East.” In A Framework for Peace in the Middle East Agreed at Camp David. Washington, D.C., September 17, 1978. Accessed December 5, 2025. https://peacemaker.un.org/israelegypt-framework1978.

[5]  Egypt and Israel. Treaty of Peace between the Arab Republic of Egypt and the State of Israel. Washington, D.C., March 26, 1979. United Nations, Treaty Series, vol. 1136, no. 17813. Accessed December 5, 2025. https://peacemaker.un.org/sites/peacemaker.un.org/files/EG%20IL_790326_Peace%20Treaty%20between%20Egypt%20and%20Israel.pdf.

[6]  Sadat, Anwar. “Speech to the Knesset.” Jerusalem, November 20, 1977. The Jimmy Carter Presidential Library and Museum. Accessed December 5, 2025.

https://www.cartercenter.org/documents/nondocs/SadatKnessetSpeech.pdf.

[7]  Waterbury, John. The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1983.

[8]  Carter, Jimmy. Keeping Faith: Memoirs of a President. Fayetteville: University of Arkansas Press, 1995.

[9] مصطلح حديث يصف تيارًا عربيًا يتبنى الرواية الإسرائيلية ويتماها مع أيديولوجيتها.

[10] للمزيد من التحليل حول كيفية استهداف مبادرة السادات لكسر إجماع الخرطوم، انظر:

William B. Quandt, Camp David: Peacemaking and Politics (Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 1986).

[11] يصف هينبوش كيف أن النظام الإقليمي العربي انتقل من مرحلة “القومية العربية الراديكالية” (Pan-Arabism) في الخمسينيات والستينيات إلى مرحلة “الواقعية الدفاعية” وسيادة منطق الدولة (Statism) في السبعينيات وما بعدها. يعد هينبوش أن سياسة السادات الانفتاحية والسلام مع إسرائيل هي التجسيد الأوضح لهذا التحول؛ إذ تصرفت مصر بوصفها دولة قومية (Nation-State) تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، بدلًا من التصرف بوصفها قائدًا لحركة قومية عربية.

[12] للمزيد من التحليل حول أولوية “القُطري” على “القومي” أحد أهم تداعيات كامب ديفيد، انظر: عزمي بشارة، المسألة العربية: محاولة في بيان ديمقراطي عربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.

[13] يحلل شبلي تلحمي كيف أن حزمة المساعدات الأمريكية لمصر بعد كامب ديفيد أرست نموذجًا استراتيجيًا للدول العربية الأخرى يربط بين السلام مع إسرائيل والحصول على الدعم الأمريكي. انظر:

Shibley Telhami, The Stakes: America and the Middle East (Boulder, CO: Westview Press, 2002).

[14] Israel and Jordan. Treaty of Peace Between the State of Israel and the Hashemite Kingdom of Jordan. Wadi Araba Crossing, October 26, 1994. United Nations, Treaty Series, vol. 1859, no. 31584. Accessed December 5, 2025. https://peacemaker.un.org/israeljordan-peacetreaty1994.

[15] تحلل كيم غطاس بالتفصيل كيف أن التنافس السعودي-الإيراني الممتد منذ عام 1979 أعاد تشكيل أولويات المنطقة وجعل من إيران “العدو المشترك” الذي أسس للتقارب بين إسرائيل ودول الخليج. انظر:

Kim Ghattas, Black Wave (New York: Henry Holt and Co., 2020).

[16] The Abraham Accords. U.S. Department of State. Accessed December 5, 2025. https://www.state.gov/the-abraham-accords/.

[17] League of Arab States. Arab Peace Initiative. Beirut Arab Summit, March 28, 2002. https://www.lasportal.org/ar/summits/Documents/2002%20Beirut%20Summit/Arab%20Peace%20Initiative.pdf.

[18] Kingsley, Patrick, and Ronen Bergman. “The Secret Negotiations That Led to the Gaza Truce Deal.” The New York Times, November 22, 2023. Accessed December 5, 2025.

 https://www.nytimes.com/2023/11/22/world/middleeast/israel-hamas-gaza-truce-deal.html.

كاتب