في سياق التحوّلات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تبرز السلطة الفلسطينية بوصفها أحد أكثر الكيانات السياسية إشكاليةً وإثارةً للجدل في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر. فمنذ نشأتها كإفراز مباشر لاتفاقيات أوسلو عام 1993، لم تأخذ السلطة الشكل والهدف اللذين رُوِّجا لها رسمياً، بوصفها بنية إدارية انتقالية تمهّد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل أخذت بالتحوّل تدريجياً، نتيجة تضافر بعض العوامل وعلى ضوء بعض الممارسات، إلى أداة سياسية وأمنية مندمجة في منظومة إدارة الصراع وفق الشروط الإسرائيلية–الأميركية. وقد أعاد هذا التحوّل تعريف طبيعة النضال الفلسطيني، وحدود الممكن السياسي، ووظيفة القيادة، وصولاً إلى إعادة هندسة العلاقة مع الاحتلال.
تنطلق هذه الورقة البحثية من فرضية أساسية مفادها أن السلطة الفلسطينية، منذ تأسيسها وحتى ما بعد لحظة «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم، لم تفشل في تحقيق أهداف التحرّر الوطني فقط، بل أسهمت أيضاً في إدامة المشروع الصهيوني عبر أداء وظيفي تخادمي، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. فبدلاً من أن تكون رافعة للتحرّر، غدت وسيطاً بين الاحتلال والمجتمع الفلسطيني، يخفّف عن إسرائيل أعباء السيطرة المباشرة، ويضبط الداخل الفلسطيني، ويحوّل الصراع من مواجهة استعمارية مفتوحة إلى عملية تفاوضية عبثية بلا أفق سيادي.
تتناول الورقة مسار السلطة الفلسطينية ضمن سياقه التاريخي والسياسي الأوسع، بدءاً من اتفاقية أوسلو وما كرّسته من اعتراف فلسطيني بالكيان الصهيوني، مروراً بالدور الوظيفي للأجهزة الأمنية وعقيدة التنسيق الأمني، وصولاً إلى فشل مشاريع الوحدة الوطنية والانقسام البنيوي في التمثيل السياسي الفلسطيني. كما تُحلّل موقع السلطة في مرحلة ما بعد ” اتفاقات إبراهام ” ، بوصفها نموذجاً عربياً مبكّراً للتطبيع الوظيفي، ومكوّناً من مكوّنات إعادة هندسة النظام الإقليمي على قاعدة دمج إسرائيل في المحيط العربي والإسلامي مقابل تهميش القضية الفلسطينية.
وتولي هذه الورقة أهمية خاصة لموقف السلطة الفلسطينية من المقاومة المسلحة، ولا سيما خلال معركة طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة، التي كشفت عمق الفجوة بين السلطة والشارع الفلسطيني، وأظهرت بوضوح تموضعها السياسي والأمني ضمن السردية الغربية–الإسرائيلية التي تُجرّم المقاومة والعمل المسلّح وتحمّلهما المسؤولية عما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من ويلات الاحتلال. كما تبحث في التداعيات المستقبلية لهذا المسار، في ظل الخطط الأميركية الجديدة لإعادة ترتيب القطاع، وفقاً لما يُعرف بـ«خطّة ترامب»، ونزع سلاح المقاومة، وإعادة إنتاج السلطة بوصفها كياناً إدارياً منزوع السيادة.
في المحصّلة، تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة نقدية شاملة لدور السلطة الفلسطينية، على ضوء اتباعها مساراً سياسياً وأمنياً ارتبط عضوياً بمشروع إدارة الصراع بدل حسمه، وبإعادة إنتاج الهيمنة الاستعمارية على حساب مشروع التحرّر الوطني الفلسطيني.
1 – أوسلو والاعتراف الفلسطيني بدولة الكيان:
شكَّلت اتفاقيات أوسلو الموقَّعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الحكومة الإسرائيلية عام 1993- نقطة تحول في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، فبعد الفشل في ترجمة الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 إلى مكسب، وبعد حرب الخليج الثانية (1990-1991) وتراجع الدعم العربي وتراكم الضغط الدولي على منظمة التحرير لاحتواء الانتفاضة وتبريد الساحة الفلسطينية، اختار ياسر عرفات اللجوء إلى «السلام» مع إسرائيل بديلًا عن الكفاح المسلح، وكانت أميركا أكثر الساعين إلى هذه الاتفاقية، فقد سعت إلى نقل الصراع من الميدان إلى طاولة التفاوض، وتفريغ الفعل الشعبي المقاوم من مضمونه السياسي التحرري، مقابل فتح الطريق واسعًا أمام إسرائيل للحصول على ما كانت تفتقده، أي الشرعية والاندماج الدولي[1].
وهكذا، مثّلت اتفاقية أوسلو أول اعتراف فلسطيني بوجود الكيان الصهيوني، فيما أرست قواعد ربطت السلطة الفلسطينية -التي تُعد من مخرجات الاتفاقية- بالكيان الصهيوني، من الناحية الاقتصادية والأمن المشترك وغيرها؛ إذ صار التنسيق الأمني – العنوان المستمر لهذه الاتفاقية والارتباط الاقتصادي بالاحتلال- من أشد الأمور فتكًا بحياة الفلسطينيين[2].
فبينما أُخمِدت الانتفاضة، وحُوِّلت من مشروع تحرّر شعبي إلى ملف تفاوضي، حصدت إسرائيل مكاسب استراتيجية كبرى؛ فقد حصلت على اعتراف فلسطيني رسمي بها، وتدفّقت بعدها الاعترافات الدولية والعلاقات الطبيعية معها، خصوصًا في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ثم لاحقًا في العالم العربي، عن طريق تطبيع تدريجي، وصولًا إلى اختراق عميق للأمن القومي العربي[3]. فعلى وقع مؤتمر مدريد[4]، ثم مفاوضات أوسلو، أعادت دول كبرى في الجنوب العالمي صياغة علاقاتها مع إسرائيل، وخلال سنوات قليلة فتحت أوسلو الباب أمام أكثر من 35 دولة آسيوية وإفريقية ولاتينية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ما أتاح لها التغلغل في مناطق تؤثّر مباشرة في الأمن القومي العربي[5]، في المقابل، لم يحصد الفلسطينيون سوى وعد مؤجَّل بإقامة دولة فلسطينية.
أما داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، فقد شكّلت أوسلو أحد الأسباب البنيوية للانقسام الفلسطيني، بين الفصائل من جهة، وحتى داخل المجتمع الذي كان موحدًا خلف خيار المقاومة والعمل المسلح، ثم وجد نفسه منقسمًا حول «جدوى» هذا الخيار[6]، فمع نشوء السلطة الفلسطينية انحاز جزء من هذا المجتمع إلى منطق «إدارة الممكن»، الذي قاد عمليًا إلى تعميق الاستيطان؛ فأوسلو لم تُصمَّم أصلًا لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة؛ إذ خلت نصوصها من أي التزام بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو تحديد الحدود، ورحّلت القضايا المصيرية كالقدس، واللاجئين، والحدود، والمستوطنات، والمياه، إلى «مفاوضات نهائية» بلا ضمانات، فيما تحوّلت السلطة إلى مقاول أمني يخدم الاحتلال[7].
النتيجة العملية لذلك، كانت توسيع الاستيطان، وتعميق التبعية الاقتصادية بواسطة بروتوكول باريس[8]، وتحويل القيادة الفلسطينية – التي امتهنت سياسة تفاوض فاشلة وإدارة سيئة جعلت شمعون بيريز يقول: «كنا نفاوض أنفسنا»، وابتعدت عن جوهر حقوق الشعب الفلسطيني – إلى إدارة محلية بلا أدوات تحرّر[9].
2- الدور الوظيفي الأمني للسلطة الفلسطينية في رام الله:
منذ توقيع اتفاقية أوسلو (1993)، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة تحوّل بنيوي عميق، لم يكن جوهره فقط إعادة ترتيب العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، بل إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية نفسها داخل منظومة الهيمنة الإسرائيلية-الأميركية؛ فقد أسّست أوسلو- نظريًا وعمليًا- نمطًا من التطبيع الوظيفي؛ إذ ألزمت السلطة الفلسطينية بالتعاون مع الإسرائيليين في إطار «سلام أمني»، وذلك عن طريق التدريب المشترك والمشاركة الاستخبارية المكثفة والتنسيق الأمني، فقد نصَّت المادة الثامنة من اتفاقيات أوسلو على أن السلطة الفلسطينية يجب أن تحافظ على «النظام العام والأمن الداخلي» عن طريق «قوة شرطة قوية»[10]، وقد حرصت السلطة على الالتزام بالتفاهمات الأمنية؛ لكي «لا تشكِّل ذريعة» لإسرائيل للتملص من الاتفاقيات، على رغم استمرارها في توسيع دائرة استيطانها.
وبعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ونتيجة لانخراط جزء من الأجهزة الأمنية فيها، توافقت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والسلطة الفلسطينية- التي كانت منقسمة ما بين عرفات وعباس، في أبريل 2003- على خارطة طريق لإعادة إحياء عملية السلام وإنهاء «العنف والإرهاب» وبناء قيادة فلسطينية «تتصرف بحسم ضد الإرهاب». تضمنت خارطة الطريق مجموعة من الإجراءات للتعامل مع الفلسطينيين بما يشمل إعادة إصلاح الأجهزة الأمنية وتدريبها تحت إشراف أميركا؛ إذ تعمل على إحباط الهجمات الفلسطينية واعتقال المقاومين وتعطيل ومنع استهداف إسرائيل، وتفكيك البنية العسكرية ومصادرة السلاح من قبل الأجهزة الفلسطينية التي أُعيد تشكيلها[11].
على إثر ذلك، دُمِجت الأجهزة الأمنية وأعيد هيكلتها مع ترسيخ عقيدة أمنية جديدة، بدأت تتشكل وتبرز منذ عام 2005، وتُعرف بعقيدة «دايتون»، نسبة إلى الجنرال الأميركي كيث دايتون، الذي أشرف على إصلاح الأجهزة الأمنية، وتقوم على ركيزتين أساسيتين، الأولى: استمرار التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل، والثانية: حماية مشروع السلطة السياسي القائم على عملية السلام مع إسرائيل والمفاوضات، ومن ثَمَّ، حصر النضال الفلسطيني ضمن رؤية السلطة ومشروعها السياسي، ومحاربة التوجهات السياسية والنضالات كافة التي تتعارض مع هذا التوجه[12].
فمنذ توليه السلطة- عام 2005، خلفًا للرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات- عزَّز محمود عباس التنسيق الأمني مع إسرائيل نهجًا أساسيًا لإدارة النزاع، والتزم به وفضّله ووصفه بالـ«مقدّس»، استراتيجية أساسية وحيوية لإدارة العلاقات مع إسرائيل واستمراريتها، ومنذ الانقسام الفلسطيني في عام 2007، وبدعم من أميركا وإسرائيل، تبلورت بشكل أوضح استراتيجية السلطة في «مأسسة الأمن»، وذلك باستهداف أشكال النضال كافة في الضفة الغربية التي تعدها «فلتانًا أمنيًا»، فكثَّفت من استخدام نظام الاعتقالات والاستدعاءات، الذي يُستخدم فيه التعذيب ضد النشطاء أو المعارضين، كما سهّلت- بحجة التنسيق الأمني في كثير من الأحيان_ دخول الجيش الإسرائيلي إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها؛ من أجل تنفيذ عمليات اعتقال أو اغتيال النشطاء الفلسطينيين.
ويتبع الطرفان ما يطلق عليه «سياسة الباب الدوار»؛ إذ يعتقل الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين فور إطلاق سراحهم من سجون السلطة الفلسطينية، أو العكس[13]، كما تشارك الأجهزة الأمنية المعلومات الاستخبارية حول النشطاء مع إسرائيل، وتعمل على إحباط أي هجمات أو مخططات قبل التحول إلى عمل عسكري أو جماهيري منظم ضد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنات في الضفة الغربية[14].
وهكذا، حوّلت اتفاقية أوسلو السلطة الفلسطينية إلى جهاز حكم ذاتي منزوع السيادة، يعمل ضمن شروط الاحتلال، ويُقيَّد بمجموعة التزامات أمنية صارمة. يعود ذلك إلى أن القراءة الإسرائيلية للتنسيق انسجمت مع ميزان السيطرة الفعلية على الأرض، بينما استندت القراءة الفلسطينية إلى وهم الرعاية الدولية والوساطات. عمليًا، مثّلت أوسلو ضالّة الإسرائيليين لتقاسم وظيفي: الأرض والسيادة للاحتلال، وعبء السكان للسلطة، فمنذ تأسيس السلطة الفلسطينية، تعاملت إسرائيل معها بوصفها كيانًا وظيفيًا يوفر لها مستوى من الاستقرار الأمني، ويشكل طبقة وسيطة تفصل بين الجيش الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني، وتخفف عنها أعباء الحكم المباشر لملايين الفلسطينيين[15]، كما اتّبعت إسرائيل- بهذا التنسيق- سياسة تقويض المقاومة بالوكالة، فعن طريق الدعم المالي المشروط، والتنسيق الاستخباراتي، والتحكم بحركة الأفراد والسلع، جرى تحويل أجهزة أمن السلطة إلى أداة لضبط الداخل الفلسطيني، ولا سيما في الضفة الغربية؛ إذ رأت إسرائيل أن هذا النموذج أقل كلفة من الاحتلال المباشر، وأكثر فاعلية في تفكيك البنى الاجتماعية للمقاومة.
3- فشل كل المفاوضات لتوحيد الموقف الفلسطيني:
يُعدّ الانقسام الفلسطيني أحد أهم أسلحة الاحتلال لتثبيت جذوره الاستعمارية في وطن منقسم على نفسه، وعلى رغم خطورة هذا الأمر، إلا أن محاولات توحيد الصف الفلسطيني تبدو أقرب إلى الحلم؛ إذ يُعدّ وجود مشروعين يقفان على النقيض تمامًا في تعريف الاحتلال وكيفية التعامل معه سببًا جوهريًا في فشل هذه الوحدة، فمن جهة، تبنّت السلطة الفلسطينية نهج التسوية القائم على المفاوضات والالتزام باتفاقيات أوسلو وحل الدولتين، بما يستتبعه ذلك من قيود سياسية وأمنية تفرضها العلاقة مع الاحتلال والمجتمع الدولي، ومن جهة أخرى، تمسّكت فصائل المقاومة- وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي- برفض الاعتراف بشرعية الاحتلال، واعتبرت المقاومة- بما فيها العمل المسلح- خيارًا مشروعًا للتحرر.
وهكذا، شكّل التنسيق الأمني مع الاحتلال، الذي رأت فيه فصائل المقاومة طعنة مباشرة في خاصرة المشروع الوطني التحرري- خصوصًا في ظل الملاحقات والاعتقالات والوقوف في وجه الكفاح المسلّح التي تقوم بها السلطة في الضفة الغربية- العقدة الأخطر أمام أي محاولة للوحدة.
على مستوى التمثيل، فشلت منظمة التحرير الفلسطينية- التي كانت في لحظة تأسيسها جبهة وطنية جمعت مختلف الطبقات الاجتماعية وقوى الثورة في مواجهة الاستعمار الصهيوني- في أداء دورها إطارًا جامعًا؛ إذ إنّ دورها هذا انتهى عام 1974 (تبنّي شعار الدولة بدل التحرير)، ثم انتهى عمليًا مع مسار أوسلو (1993)؛ إذ جرى تفريغ المنظمة من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى جسم منزوع الإرادة، خاضع لمنظومة السلطة والتزاماتها الأمنية[16].
واليوم، بدلًا من أن تُعاد هيكلتها ديمقراطيًا ويفتح المجال أمام كل القوى الفلسطينية للمشاركة، جرى تعطيل مؤسساتها وتحويلها إلى غطاء شكلي لانفراد السلطة بالقرار؛ إذ لم يعقد المجلس الوطني الفلسطيني جلسة حقيقية منذ سنة 1991، إلا اجتماعًا واحدًا سنة 1996 عُطّلت فيه أو أُلغيت معظم بنود الميثاق الوطني بما يتوافق مع استحقاقات اتفاقية أوسلو. وعلى رغم أن اتفاق المصالحة ينص على إصلاح منظمة التحرير ومشاركة الفصائل الفلسطينية كافة فيها، كان سلوك قيادة المنظمة يُعطل الاستحقاقات المرتبطة بإصلاح المنظمة وإعادة بناء مؤسساتها، في حين أن السلوك السياسي لفصائل المقاومة لا يسعى فقط إلى الشراكة في قيادة المنظمة، وإنما إلى إعادة بناء أولويات المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ترفض التنازل عن الأرض وتحمي خيار المقاومة، ما يعني إعادة النظر في الاتفاقيات التي وقعتها المنظمة، وربما إلغاء أو تعديل عدد منها، وهو ما قد يكون محط اعتراض شديد من قيادة فتح التي قد تسعى إلى قطع الطريق على تغييرات كهذه[17].
هذا الواقع أبقى أزمة التمثيل قائمة، ورسّخ شعورًا واسعًا بأن القرار الوطني محتكر من نخبة سياسية منفصلة عن المجتمع .ثم جاءت محاولات توحيد الصف الفلسطيني المتكررة لتكشف أن رأب الصدع غير ممكن، فمنذ إعلان القاهرة عام 2005، مرورًا باتفاق مكة، والدوحة، والشاطئ، وموسكو، والجزائر، وصولًا إلى تفاهمات بكين، تبيّن أن المشكلة تكمن في غياب إرادة حقيقية تمسّ جوهر السلطة الأمنية والقرار السياسي، وجاء تعطيل الانتخابات الفلسطينية- ولا سيما إلغاء انتخابات عام 2021- ليشكّل ضربة قاصمة لأي أفق وحدوي؛ فبعد غياب الانتخابات منذ عام 2006، كان يُفترض أن تمثل الصناديق مدخلًا لإعادة بناء الشرعية وتوحيد التمثيل، إلا أن قرار الإلغاء عمَّق الانقسام المؤسسي، وأغلق الطريق أمام وحدة قائمة على التفويض الشعبي.
إلى جانب ذلك، أدى الفيتو الدولي دورًا حاسمًا في إفشال الوحدة؛ فقد فُرضت شروط اللجنة الرباعية الدولية على أي حكومة وحدة وطنية، وفي مقدمتها الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة والالتزام بالاتفاقيات السابقة. وبينما رفضت فصائل المقاومة هذه الشروط، فضّلت السلطة تجنّب الحصار المالي والحفاظ على تدفق المساعدات الخارجية، التي استخدمت أداة ضغط على حساب الوحدة الوطنية.
لا يمكن أيضًا فصل هذا الفشل عن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وتجزئة التمثيل السياسي، والتعامل مع الفلسطينيين كيانات منفصلة بلا مشروع جامع، وبدلًا من أن تشكّل السلطة رافعة لمواجهة هذه السياسة، تكيفت معها، وأصبحت جزءًا من إدارتها اليومية، ما جعل الانقسام يخدم عمليًا أهداف الاحتلال.
4- السلطة الفلسطينية وتيار «الصهيونية العربية» ما بعد اتفاقيات إبراهام:
في 15 سبتمبر 2020، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزيري خارجية البحرين والإمارات العربية المتحدة، “اتفاقيات إبراهام” في البيت الأبيض، وبتوقيعهم على هذا الاتفاق المتعدد الأطراف، أصبحت البحرين والإمارات أول دولتين عربيتين تطبعان علاقاتهما مع إسرائيل منذ مصر عام 1979 والأردن عام 1994، وبذلك، تراجع عنصر المفاجأة عند سكان المنطقة؛ ليحلّ محله شعور بأن هذه الاتفاقيات ما هي إلا انعكاس لإعادة الاصطفاف الإقليمي، فقد بات ينظر اليوم إلى هذه الاتفاقيات بوصفها «عارضًا من عوارض تحوّل القوة الأميركي، ترتيبٌ يلقي الضوء على اعتماد واشنطن على الوكلاء في لحظة يتسم فيها النظام الدولي بعسكرة مستمرة، مع تراجع الهيمنة الأميركية»[18].
في ضوء ذلك، شكّلت اتفاقيات إبراهام (2020) لحظة مفصلية في إعادة هندسة النظام الإقليمي العربي، بوصفها تتويجًا لمسار سياسي بدأ فعليًا منذ توقيع اتفاقية أوسلو؛ فقد عززت إسرائيل تعاونها الأمني مع بعض الأنظمة العربية، علنيًا عن طريق اتفاقيات إبراهام، أو سريًا تحت عنوان «مواجهة التهديد الإيراني» والإسلام السياسي[19]، وهكذا، انعكس أثر هذه الاعترافات، في صعيد المنطقة، بأن إسرائيل لم تُعد تُصدّر إلى الشعوب العربية والإسلامية بوصفها عدوًا مغتصبًا لأرض عربية، بل باتت تُقدَّم شريكًا في «الاستقرار» و«الأمن» و«مواجهة الأخطار المشتركة».
ومع تطوّر هذا المسار، تبنّت الدول المنخرطة في «مشروع السلام»، سياسيًا وإعلاميًا وحتى عسكريًا، سردية الأمن الإسرائيلي جزءًا من خطاب رسمي عربي، وأعادت هندسة الوعي الجمعي العربي، وحتى الإسلامي، على مبدأ أن العدو ليس العدو الإسرائيلي «المحتلّ» و«المستعمِر»، بل استعانت بمفاهيم فضفاضة مثل «الفوضى» و«الإرهاب» و«الإسلام السياسي» لتخلق عدوًا جديدًا، أي: كل من يقف في وجه مشروعها التطبيعي ويعطّل «مسار السلام». على إثر ذلك، بات يُنظر إلى المقاومة الفلسطينية عائقًا أمام الاستقرار، لا بوصفها حركة تحرر وطني، فيما تُقدّم السلطة الفلسطينية نموذجًا «عقلانيًا» على التعايش والتعاون الأمني.
هكذا، أصبحت السلطة الفلسطينية نموذجًا آلت إليه العلاقات العربية–الإسرائيلية، من التعاون الأمني، إلى تبادل المعلومات الاستخبارية، إلى إدماج إسرائيل في الأسواق العربية عن طريق اتفاقيات التجارة الحرة التي تتضمن كل منها بندًا يُلزم الدولة الموقّعة بالتطبيع مع إسرائيل ومنع أي مقاطعة للعلاقات التجارية[20]، وصولًا إلى تجريم العمل المقاوم المُعيق لعملية «السلام» ووسمه بـ«الإرهاب»، ومن ثَمَّ، تحوّلت هذه الأنظمة إلى أدوات وظيفية في يد الاستعمار، وحرصت على تقديم سلوكياتها بوصفها خيارًا «سياديًا» و«براغماتيًا».
لكن، ينظر كثير من المؤرخين والمحللين السياسيين إلى اتفاقيات إبراهام بوصفها وليدًا لاتفاقية أوسلو، التي وفرت مباركة فلسطينية لإدماج إسرائيل في الشرق الأوسط الأوسع فاتحةً الطريق للحكومات العربية -بقيادة مصر والأردن- لتبني التطبيع مع إسرائيل تحت مظلة أميركية[21]، فأوسلو رفعت الحرج عن بعض الأنظمة العربية، التي كانت تبحث عن مخرج من عبء القضية الفلسطينية، في السير بمسار التطبيع، بعد أن أسّست نظريًا وعمليًا لمنطق القبول بإسرائيل مرتكزًا للنظام الإقليمي، مقابل إدارة الصراع الفلسطيني لا حسمه، بما يخدم استقرار هذه الأنظمة ووظائفها، وهكذا، جاءت اتفاقيات إبراهام لتوسّع هذا المنطق عربيًا، وتحوّله من خيار فلسطيني رسمي إلى سياسة إقليمية شاملة.
تتجلى مخاطر هذه الاتفاقيات في أنها جعلت لإسرائيل آذانًا وعيونًا في الخليج على آسيا وإيران والصين والهند[22]، كما أنها أعادت التعريف بدور السلطة الفلسطينية وموقعها، وتحويل القضية الفلسطينية من شرط مركزي في معادلات الإقليم إلى ملف جانبي قابل للتجاوز، فبينما تُقدّم الاتفاقيات غالبًا في الإعلام السائد على أنها جزء من «عملية السلام» الفلسطينية – الإسرائيلية، تبيّن أن هذه الاتفاقيات لا تمتّ بصلة إلى حياة الفلسطينيين، بل هي في جوهرها اتفاقيات أمنية تخدم شريحة ضيقة من النخب السياسة والرأسمالية العابرة للحدود[23]؛ فقد أسهمت هذه الاتفاقيات في فك الارتباط بين التقدم في حل القضية الفلسطينية، وبين تطبيع علاقات الدول العربية بإسرائيل؛ إذ أصبحت العلاقات العربية – الإسرائيلية متحررة من قيد التقدم في علاج القضية الفلسطينية[24]، وبذلك، جرى تهميش القضية الفلسطينية وحرمانها من العمق والظهير العربيين بوصفهما ورقة دعم أساسية للنضال الفلسطيني، بل أكثر من ذلك، تحوّل هذا الظهير العربي من دعم إلى عبء على الجانب الفلسطيني لمواجهة آثاره وتداعياته[25]، وهكذا، بات تحقيق السلام الاقتصادي على حساب مبدأ «السلام في مقابل الأرض» هو المبدأ الموجه إلى التسوية الشاملة منذ وقت طويل[26].
أما الخطر الأعمق، فيتمثّل في أن هذه الاتفاقيات تتبنى بشكل أو بآخر الرواية الإسرائيلية في مرحلتها الراهنة، وهي تحميل الشعب الفلسطيني وقيادته مسؤولية التعثر في التوصل إلى الحل، واعتبارهما معوقين للسلام؛ لأن الخطاب الذي رافق هذه الاتفاقيات والتطبيع الملازم لها أضفى نوعًا من «الملائكية» على إسرائيل بوصفها الساعية دومًا إلى السلام، التي تمد يدها إلى العالم العربي، بينما «شيطن» و«أبلس» الفلسطينيين بوصفهم يرفضون اليد الممدودة إلى السلام[27].
وهكذا، منحت اتفاقيات إبراهام إسرائيل مكسبًا استراتيجيًا مزدوجًا، فمن جهة، حققت اختراقًا إقليميًا واسعًا على الصعد كافة من دون تقديم أي تنازل سياسي للفلسطينيين، ومن جهة أخرى حصلت على تفكيك عملي لفكرة أن فلسطين تمثّل المدخل الإجباري لأي انفتاح عربي، فهذه الاتفاقيات استندت إلى فكرة راسخة لدى بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين، مفادها أن الاتفاقيات الثنائية مع الدول العربية يمكن أن توفّر الأمن عن طريق التجارة والتبادل الاقتصادي، مع تهميش الفلسطينيين وتأجيل أي استحقاق يتعلق بحقهم في تقرير المصير[28]. وبالفعل، صمتت «اتفاقيات إبراهام» عن جميع قرارات الأمم المتحدة التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، سواء تلك الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، أم عن مجلس الأمن، أم التي تتعلق بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وعدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة والعدوان [29].
أما من جهة السلطة الفلسطينية- التي أُزيحت عن الاتفاقيات ولم تشارك فيها- فقد أضعف هذا التحول موقعها؛ لأن قدرتها على استخدام «الشرعية العربية» أداة ضغط تآكلت إلى حد بعيد، فمع اتفاقيات إبراهام، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى السلطة الفلسطينية لتكون بوابة التطبيع أو شاهدًا على «عملية السلام»، على العكس، بات تجاوز السلطة أحد شروط نجاح هذا المسار، وهذا ما أدّى إلى عزل سياسي متزايد للسلطة، وإلى انحسار قدرتها على إعادة تدويل القضية الفلسطينية أو فرضها بندًا ملزمًا على الأجندة العربية[30]. فالانفتاح الاقتصادي والتكنولوجي والأمني بين دول عربية وإسرائيل الذي جرى من دون أي مقابل سياسي للفلسطينيين، رسّخ موقع السلطة الفلسطينية مجرد كيان إداري محلي، لا دور -سياسيًا إقليميًا- لها.
وقد امتدت انعكاسات إبراهام لتشمل الجوانب المالية والديبلوماسية للسلطة الفلسطينية أيضًا، فبعض الدول التي اندفعت نحو التطبيع قلّصت انخراطها في دعم السلطة أو ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، مفضّلة الحفاظ على علاقاتها الجديدة معها، وبذلك، تراجعت أدوات الضغط غير المباشرة التي كانت السلطة تراهن عليها، سواء عن طريق الوساطات العربية أم عن طريق توظيف الإجماع العربي التقليدي، ذلك كله زاد من ارتهانها للمانحين الغربيين وللتنسيق مع الاحتلال بوصفه شرطًا لبقائها.
في المحصلة، إن ما سُمّي طويلًا بـ«الدعم العربي الرسمي» لم يكن- في جوهره- سوى وصفة لتخريب الثورة الفلسطينية وإفساد بنيتها القيادية والسياسية، وقد استُخدم هذا «الدعم» أداةً للضبط والاحتواء، وربط القرار الوطني الفلسطيني بحسابات الأنظمة لا بمصالح التحرير، فقد كان المال النفطي وسيلة لإعادة هندسة القيادة، وتشجيع البيروقراطية، وإضعاف الطابع الشعبي الكفاحي، وتحويل الثورة إلى جهاز يعتمد على التمويل الخارجي ويخضع لشروطه وسقوفه السياسية، وهكذا انتقل الخطاب الفلسطيني، من «الثورة» إلى «الدولة» إلى «السلطة»، وصولًا إلى العدم[31].
5- موقف السلطة الفلسطينية من المقاومة و«طوفان الأقصى»:
منذ نشأتها، اتخذت السلطة الفلسطينية موقفًا سلبيًا بنيويًا من المقاومة المسلحة، بوصفها تهديدًا وجوديًا لمشروعها السياسي، هذا الموقف تعمّق بعد الانتفاضة الثانية، حين جرى تحميل المقاومة مسؤولية «تدمير مشروع الدولة»، بينما جرى تجاهل حقيقة أن إسرائيل استخدمت أوسلو نفسه غطاء لتوسيع الاستيطان وتفكيك أي أفق سيادي فلسطيني مستقل[32].
ثم جاء «طوفان الأقصى» (7 أكتوبر 2023)، الذي شكّل لحظة كشفت النقاب أمام كثير من الفلسطينيين وغيرهم عن موقع السلطة الفلسطينية من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ فقد أظهرت ردود فعل القيادة الفلسطينية الرسمية حجم الفجوة بين خطابها السياسي وسلوكها العملي، وبين ادّعاء تمثيل الشعب الفلسطيني وممارساتها على الأرض، ولعل أخطر ما تجلى في سلوكها هو العجز الكبير عن التفاعل مع القضايا الوطنية الكبيرة والملحّة، فلا تكاد تلمح موقفًا جادًّا أو حضورًا للقيادة السياسية تجاه الإبادة الجماعية والتدمير والتجويع الذي يتعرض له قطاع غزة[33]، فقد ركّز خطابها على «رفض العنف من الطرفين»، واستعادة «الشرعية الدولية» و«حل الدولتين»، عندما كانت غزّة تُباد على مرأى العالم ومسمعه، وكما جرت العادة، لم تتخلَ السلطة الفلسطينية- حتى في أكثر اللحظات الوطنية مصيرية- عن أداء دورها الوظيفي في خدمة الاحتلال، عن طريق تبني الخطاب الغربي- الإسرائيلي الذي يسعى إلى عزل المقاومة وتجريمها وإخراجها من سياقها التحرري؛ فقد أدان «أبو مازن»، في كلمة بثت عن طريق الفيديو في الجمعية العامة للأمم المتحدة (26 سبتمبر 2025) هجمات السابع من أكتوبر، وأفاد أنها لا تمثل الشعب الفلسطيني، مطالبًا حماس بتسليم سلاحها، في حين أقرَّ أن من حق إسرائيل «الحصول على الأمن الكامل، وهذا واجبنا»، في تصريح له في السعودية في 28 أبريل 2024.
الأخطر من ذلك، أن أجهزة السلطة كثّفت بشكل كبير سياسة الضبط الأمني خلال الحرب في الضفة الغربية، عن طريق ملاحقة خلايا المقاومة، ومنع التظاهرات، والتنسيق مع الجيش الإسرائيلي[34]، هذا السلوك عزّز الانطباع بأن السلطة ترى في المقاومة «مشكلة أمنية» يجب احتواؤها، وفي التنسيق الأمني نص مقدّس حتى في ذروة العدوان والانتهاكات الإسرائيلية لكل الاتفاقيات، ولا يمكن فهم موقف السلطة الفلسطينية من المقاومة و«طوفان الأقصى» إلا بوصفه امتدادًا عضويًا لمسار بدأ مع أوسلو وتكرّس عبر عقود من إدارة الصراع تحت سقف الاحتلال؛ إذ إن هذه السلطة التي فقدت شرعيتها الداخلية، التي باتت تعتمد باطّراد على الدعم الدولي والاعتراف الديبلوماسي، راحت تصعّد في تقديم أوراق الاعتماد للخارج، ولإسرائيل؛ كي لا تفقد شرعيتها الخارجية، في هذا الإطار، تصبح معارضة المقاومة وملاحقتها وتضييق الخناق عليها شرطًا أساسيًا لاستمرار هذه الشرعية الخارجية.
في المحصّلة، يشبّه المؤرخ الفلسطيني، الدكتور رشيد الخالدي، في مقابلة تلفزيونية، وفي معرض كلامه عن الدور السلبي لسلطة رام الله، هذه السلطة بالمجموعات الجزائرية التي انحازت للاستعمار الفرنسي وقاتلت معه ضد قوات الثورة الشعبية، وأطلق عليهم آنذاك اسم «الحركي»، فقال الخالدي: «السلطة الفلسطينية تقوم بدور شرطي مقاول للاحتلال هذا صحيح، وهو يوفر الأمن للمستوطنين الإسرائيليين وليس للمواطنين الفلسطينيين، هذه ليست سلطة فلسطينية، هؤلاء “حركي” كما كانت فرنسا تطلق على عملائها في الجزائر، هؤلاء ناس مرتزقة يشتغلون عند العدو عمليًا»!
مستقبل القضية الفلسطينية في ضوء خطة ترامب:
في ضوء خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على قطاع غزة، يبدو مستقبل القضية الفلسطينية في مرحلة ضبابية ومعقدة، ومن غير الممكن التنبؤ بما سيؤول إليه؛ لأنه رهن بالمتغيرات الداخلية، الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء، والإقليمية والعالمية أيضًا، في عالم يعجّ بالأحداث المصيرية المتسارعة.
ولكن، من حيث الشكل، يُعدّ المقترح الأميركي، المكوَّن من عشرين بندًا، تحولًا سياسيًا يُعيد تشكيل مركز القرار في القطاع، فالتسوية الجديدة تنقل إدارة الملف من ساحة المواجهة العسكرية إلى صيغة وصاية دولية (سياسية وأمنية) تقودها واشنطن عن طريق «مجلس السلام». وعلى رغم أن تفاصيل تشكيل هذا المجلس وآليات عمله وعلاقته بالسلطة الفلسطينية غير واضحة، ولكن يُتوقَّع أن تؤدي الإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترامب، الدور المركزي فيه، سواء من حيث التمويل أم الرقابة أو القرار[35].
كما تربط الخطة بين إعادة الإعمار ونزع سلاح المقاومة؛ إذ تصبح كل خطوة إنسانية أو اقتصادية، من فتح المعابر إلى تشغيل المشاريع، مشروطة بتقارير أمنية تُرفع إلى مجلس الأمن، في المقابل، لا تلزم الخطة الاحتلال بإنهاء الحصار البحري والجوي أو وقف الاستيطان والضم في الضفة الغربية، ما يُبقي ميزان القوة مختلًا ويثبت أولوية الأمن الإسرائيلي على الحقوق الفلسطينية، ويحوّل الإعمار إلى أداة ضغط سياسي وأمني بدلًا من أنه حق إنساني، وهكذا، يُطالَب الفلسطينيون بتقديم كلّ عناصر القوّة التي يملكونها، فيما يحتفظ الاحتلال بكلّ عناصر التفوّق والهيمنة[36].
أضف إلى ذلك، أن الخطة تضع السلطة الفلسطينية في موقع مؤجَّل ومشروط؛ إذ يُفترض أن تعود لإدارة غزة فقط بعد إتمام «إصلاحات» يحددها المجتمع الدولي من دون جدول زمني واضح أو معايير شفافة، هذا الطرح يتعامل مع غزة وحدة منفصلة عن الضفة الغربية والقدس وقضية اللاجئين، ما يؤدي إلى تفكيك القضية الفلسطينية إلى مسارات منفصلة، ستؤثر سلبًا ليس في حماس وحدها، بل على الأطراف الداخلية كلها، والأطراف العربية والإسلامية الداعمة، وستكون الخسارة الاستراتيجية الكبرى للقضية الفلسطينية كاملة[37]؛ إذ يعيد هذا الترتيب إنتاج فجوة استراتيجية كبيرة، فيتيح لإسرائيل تفادي أي تهديد مستقبلي من القطاع، ويُعمق تفوقها العسكري والسياسي، بينما يُجرّد الفلسطينيين من أدوات القوة التي يملكونها، وهو ما ينسجم تمامًا مع رؤية اليمين الإسرائيلي الرافض لأي دولة فلسطينية ذات سيادة.
في الخلاصة، لا يُحسم مستقبل القضية الفلسطينية بنصوص الخطة وحدها، بل بقدرة الفلسطينيين على تحمّل تبعات الحرب والحصار المفروض عليهم، ولا سيما الاقتصادي، وعلى التكاتف والتعاضد لإنتاج لحظة تحرّر وطني عن طريق الكفاح المسلح، في اللحظة الإقليمية والوطنية المناسبة.
[1] رشيد الخالدي، وسطاء الخداع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، (3/3/2015)، ترجمة سارة ح. عبد الحليم
[2] «ذكرى توقيع أوسلو: حين تاهت الأولويات على حساب اللاجئ الفلسطيني»، بوابة اللاجئين الفلسطينيين، 13 سبتمبر 2022
[3] أحمد الجندي، «الدولة الفلسطينية: بين خديعة أوسلو والاعترافات الجديدة»، العربي الجديد، 16 أكتوبر 2025
[4] مؤتمر مدريد للسلام، الجزيرة نت https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2016/3/23
[6] أحمد الجندي، مصدر سابق
[7] رشيد الخالدي، مصدر سابق
[8] اتفاقية باريس الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، 29-4-1994 وكالة الأنباء الفلسطينية
https://info.wafa.ps/Pages/Details/32859
[9] رأفت مرة، «أوسلو 30 عامًا، فشل كبير وخسائر استراتيجية وتضييع للقضية»، المركز الفلسطيني للإعلام، 9 سبتمبر 2025
[10] دائرة شؤون اللاجئين، منظمة التحرير الفلسطينية، المحطة السادسة: العودة إلى أرض الوطن، 5 يوليو 2018
[11] وكالة وفا، اتفاقية أوسلو، إعلان المبادئ- حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية، 13 سبتمبر 1993.
[12] محمود جرابعة، «النضال الفلسطيني في الضفة الغربية وتحدي المأسسة الأمنية»، الجزيرة نت، 31 مارس 2022
[13] Yara Hawari, The Palestinian Authority’s crackdown on protest shows it will never serve its own people, the Guardian, 1September 2021.
[14] وكالة وفا، خريطة الطريق، (من دون تاريخ): https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4190
[15] أحمد الجندي، «متى تستغني إسرائيل عن السلطة الفلسطينية؟»، العربي الجديد، 1 ديسمبر 2025.
[16] خالد بركات، «المقاومة الفلسطينية بين البطولة في الميدان وغياب المشروع السياسي»، جريدة «الأخبار» اللبنانية، 29 ديسمبر 2025.
[17] د. نادية سعد الدين، «تحديات المصالحة الفلسطينية بين قيود الداخل وإسرائيل» مجلة السياسة الدولية، 24-10-2017
https://www.siyassa.org.eg/News/15380
[18] أرانغ كشافرزيان، «5 سنوات على اتفاقيات إبراهام: حدود الحماية والمكاسب»، MERIP، 15 سبتمبر 2025.
[19] Amr Hamzawy. Ending The New Wars Of Attrition: Opportuities for Collective Regional Security In The Middle East. Carnegie. 5 March 2025.
[20] آدم هنية، «تأطير فلسطين وإسرائيل ودول الخليج وقوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط»،The Transnational Institute. (13 يوليو 2024).
[21] آدم هنية، مصدر سابق.
[22] عبد العليم محمد، «اتفاقيات إبراهام والنموذج الجديد للتطبيع: قراءة تحليلية»، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 140، خريف 2024.
[23] أرانغ كشافرزيان، مصدر سابق.
[24] إبراهيم أبراش: القضية الفلسطينية في زمن التطبيع العربي، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2020/12/22
[25] عبد العليم محمد، مصدر سابق.
[26] نادية سعد الدين: السلام الاقتصادي، الجزيرة نت، 7-7-2013
[27] عبد العليم محمد، مصدر سابق
[28] أرانغ كشافرزيان، مصدر سابق
[29] عبد العليم محمد، مصدر سابق
[30] أحمد العطاونة: السلطة الفلسطينية ونظرية “الضفدع المغلي”»، الجزيرة نت، 27/7/2025
[31] خالد بركات، مصدر سابق
[32] محمود جرابعة، مصدر سابق
[33] د. أحمد العطاونة، مصدر سابق
[34] حسن عبود، «الأوسع منذ 7 أكتوبر.. ما سر تصعيد سلطة عباس الاعتقالات السياسية بالضفة»؟ صحيفة الاستقلال، (دون تاريخ).
[35] سمير الخالدي، «خطّة ترامب لغزّة: إنهاء للحرب أم تمهيد لوصاية دولية؟»، العربي الجديد، 19 نوفمبر 2025
[36] سمير الخالدي، المصدر نفسه
[37] «خطة ترامب لغزة… ضبابية وإشكاليات جوهرية تعقّد المشهد الفلسطيني»، الجزيرة نت، 3 أكتوبر 2025.
- واشنطن وطهران… أربعة سيناريوهات في مفاوضات «حافة الهاوية»
ورقة تحليلية │ 5 فبراير 2026 بعد وصول مستوى التوتر بين واشنطن وطهران إلى ذروته بحشود عسكرية أميركية غير مسبوقة في المنطقة، واستعدادات إيرانية على مختلف المستويات، وتهديدات متبادلة، أعلنت طهران صدور أمر من - ما تداعيات تغيير ملامح المساعدات الأمريكية العسكرية المباشرة لإسرائيل؟
تحت العنوان أعلاه، نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي مطلع فبراير الجاري تقريرًا عن التداعيات المحتملة للتغيير المتوقع لطبيعة المساعدات الأمريكية المباشرة التي تقدمها لإسرائيل، وشارك في إعداد التقرير أفيشاي بن ساسون-غوردس، وتومر بادلون، - محاولات تحرير اليمن من قيود التبعية في دراسة أكاديمية حديثة
مراجعات │ 4 فبراير 2026 من خلال أبواب ثلاثة، يطرُق الدكتور ماجد أحمد الوشلي أبواباً عديدة تنفتح وتنغلق على اليمن في محيطه الإقليمي، تبعاً للأحداث والتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، إقليمياً ودولياً. ورغم أن - من الجزيرة إلى البيت الأبيض: فضائح الأخلاق في خدمة الجغرافيا السياسية
وجهة نظر │ 3-2-2026 لم تعد قضية جزيرة جيفري إبستين مجرد ملف جنائي مؤجل أو فضيحة أخلاقية عابرة، بل تحوّلت إلى أداة ضغط سياسية ثقيلة، تُستحضر عند الحاجة، وتُعاد إلى الواجهة في توقيت محسوب، - الفاعلون غير الرسميين وأدوارهم في النزاع الإثيوبي– الإريتري
ملخص: تستعرض الدراسة أدوار الفاعلين غير الرسميين في النزاع الإثيوبي–الإريتري، بوصفهم عناصر فاعلة في مسار الصراع، لا مجرد أطراف هامشية، وترى أن النزاع تطوّر من مواجهة ثنائية إلى منظومة متعددة الفاعلين والمستويات منذ الحرب
