كيف تنظر صنعاء إلى توجه الاعتراف اليوناني بأرض الصومال؟

كيف تنظر صنعاء إلى توجه الاعتراف اليوناني بأرض الصومال؟

كيف تنظر صنعاء إلى توجه الاعتراف اليوناني بأرض الصومال؟

كيف تنظر صنعاء إلى توجه الاعتراف اليوناني بأرض الصومال؟

أحدث اعتراف حكومة الكيان الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة في 26 ديسمبر 2025م1 تحولًا جيوسياسيًا غير مسبوق في مسار أزمة الدولة الصومالية؛ لأنه أول اعتراف رسمي من دولة عضو في الأمم المتحدة منذ إعلان الإقليم انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991م، على الرغم من إقامة علاقات دولية غير مباشر معها، وهذا العلاقات تنقسم إلى قسمين، الأول: فتح قنصليات عامة: (كجيبوتي وإثيوبيا وتركيا)، والثاني: فتح مكاتب تمثيلية: كالمملكة المتحدة والدانمارك وكينيا وتايوان ومصر والإمارات2. وقد تجسد الاهتمام اليوناني بأرض الصومال امتدادًا لهذا التحول الجيوسياسي، ولموقعها الجيوستراتيجي المطل بشكل مباشر على مضيق باب المندب وخليج عدن وقبالة السواحل الجنوبية للجمهورية اليمنية، في ظل مشهد إقليمي متفجر وتصاعد عسكرة الممرات المائية، على الرغم من اعتبار اليونان الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يهدد بتقويض جهود بناء الدولة الصومالية3،  يسعى هذا التقدير إلى تفكيك الدوافع الكامنة وراء الاندفاعة اليونانية، واستكشاف طبيعة التحالفات الصاعدة المرتبطة بها، وصولًا إلى تحليل الكيفية التي تنظر بها حكومة صنعاء لهذه التحركات، والسيناريوهات المحتملة لتداعياتها على الأمن القومي لدول القرن الإفريقي عمومًا والجمهورية اليمنية خصوصًا.

أولًا: مقاربة جيوسياسية للعلاقة بين اليونان وأرض الصومال

يرتبط الاهتمام اليوناني بأرض الصومال بحسابات جيوسياسية معقدة في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية، حيث تحكمها منظومة مصالح مشتركة، يمكن تفكيكها من خلال بعدين رئيسين:

1. الأهمية البحرية والاقتصادية للبحر الأحمر وباب المندب بالنسبة لليونان:

تمتلك اليونان أسطولًا تجاريًا يصنف ضمن أكبر أساطيل العالم؛ لتنظر إلى استقرار الملاحة في خليج عدن ومضيق باب المندب أولوية أمنية واقتصادية قصوى، تجسد مصالحها الوطنية العليا، وقد جاءت التوترات البحرية المستمرة منذ نهاية عام 2023م (نتيجة عملية الإسناد التي أعلنت عنها صنعاء في البحر الأحمر ضد السفن التجارية التي لها ارتباط بإسرائيل)؛ لتفرض واقعًا أمنيًا غير مستقر أدى إلى تراجع حركة المرور في المضيق بنسبة حادة؛ إذ أفضت إلى  تراجع حجم النفط المار من المضيق من 9.3 ملايين برميل يوميًا في بداية 2023 إلى 4.1 ملايين برميل يوميًا نهاية العام نفسه، وانخفض عدد السفن العابرة للمضيق بنحو 55٪4، مما أرغم السفن على التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح؛ فارضًا زيادة ملحوظة في تكاليف الشحن وزمن وصول السفن، وقد دفعت هذه التغيرات باليونان للبحث عن موطئ قدم جيوسياسي قبالة السواحل اليمنية تحت مبررات ضمان مراقبة وحماية مصالحها الحيوية.

2. المنافسة الجيوسياسية مع تركيا في القرن الإفريقي

تتحرك اليونان مدفوعة برغبة واضحة في موازنة النفوذ المتصاعد لخصمها التقليدي تركيا، التي تمتلك أكبر قاعدة عسكرية خارجية في الصومال منذ 20175؛ إذ ترى أثينا في المساعي التركية لتوسيع حدودها البحرية وتوقيع اتفاقيات دفاعية مع الحكومة الصومالية المركزية امتدادًا لعقيدة “الوطن الأزرق” التركية6، التي تراه اليونان خطرًا استراتيجيًا يمس مصالحها في طرق الملاحة والتجارة الدولية؛ من هنا، يمثل الانفتاح على أرض الصومال خطوة يونانية مضادة للالتفاف على التموضع التركي في القرن الإفريقي واستغلال الخلافات الداخلية بين الصومال وإقليمها المنفصل.

ثانيًا: التحركات الخفية والعلنية نحو الاعتراف الدبلوماسي

تشير المؤشرات العملية المرتبطة بالتحركات اليونانية تجاه أرض الصومال إلى وجود انفتاح سياسي وأمني يتجاوز مستوى الخطاب الرسمي المعلن، يتدرج من التواصل غير الرسمي إلى الانخراط السياسي والأمني شبه العلني بمسارين متوازيين:

  1. على المستوى غير الرسمي (الخفي): في مايو 2026، كشفت معطيات تحليل المصادر المفتوحة (OSINT) التي وثقتها منصة “إيكاد” عن تعيين ديمتريوس توريكيس مبعوثًا خاصًا لأرض الصومال لدى اليونان، وعلى الرغم من غياب أي إعلان رسمي من اليونان بخصوص هذا الصدد حتى ٢٤ يونيو 2026، إلا أن الوثائق والقرائن الرقمية المرتبطة بعملية التعيين7 أكدت وجود قنوات اتصال دبلوماسية خلف الستار.
  2. على المستوى الرسمي شبه العلني: تتجاوز العلاقات اليونانية مع حكومة أرض الصومال التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى بناء تفاهمات أمنية وعسكرية شبيهة بالدول المستقلة؛ تجسدت في دعوة وزير دفاع أرض الصومال، “محمد يوسف علي” للمشاركة بصفة متحدث رسمي في قمة أثينا للدفاع (ADS) المنعقدة في 20 و21 مايو 2026م برعاية وزارة الدفاع اليونانية8، وهو ما يعكس انتقال العلاقة من مستوى التواصل غير الرسمي إلى مستوى الانخراط السياسي والأمني شبه العلني، مما قد يفهم أنه تمهيد تدريجي للاعتراف بجمهورية أرض الصومال.

إن قراءة هذين المسارين معًا (تعيين صوماليلاند لمبعوث في اليونان، والدعوة اليونانية الرسمية لوزير الدفاع الصومالي) تشير إلى نمط تدرجي مدروس، تأسيسًا لحضور غير رسمي يخلق وقائع على الأرض، يليه انخراط رسمي محدود لا يصل إلى حد الاعتراف الكامل، بما يتيح لليونان مساحة للتراجع أو التريث دون كلفة سياسية مباشرة، في حال تصاعدت الضغوط الإقليمية أو الدولية المضادة لهذا المسار.

وفي المجمل تأتي هذه التحركات الخفية والعلنية نحو الاعتراف الدبلوماسي في سياق أوسع تسعى فيه دول الاتحاد الأوروبي لتعزيز استقلالها الاستراتيجي وبناء قدرات دفاعية موحدة، بتقليل الاعتماد على مظلة الدفاع الأمريكية وحلف الناتو التي تقودها إدارة ترامب، وما رافقها من مواقف شككت في التزامات واشنطن تجاه حلفائها9؛ إذ ترى الحكومة اليونانية في بناء شراكة أمنية مع كيان مستقر نسبيًا ذي موقع جيواستراتيجي كأرض الصومال، قد يمهد لإقامة قاعدة عسكرية يونانية أوروبية لتأمين المصالح الأوروبية في البحر الأحمر.

ثالثًا: الدور الإسرائيلي والمصلحة الهندية في خطوات التقارب

لا يمكن فصل التحركات اليونانية الأخيرة في القرن الإفريقي عن البيئة الاقتصادية والأمنية الصاعدة المرتبطة بالشراكة الاستراتيجية بين الهند واليونان، ومشروع الممر الاقتصادي (IMEC)، الذي يراد لأرض الصومال أن تتحول إلى عقدة جيوستراتيجية مساندة له، فضلًا عما يوفره هذا السياق من غطاء سياسي وأمني للتحركات الإسرائيلية، ويمكن تفكيك هذا المشهد بثلاثة أبعاد رئيسة:

1. الشراكة الاستراتيجية (الهند-اليونان-إسرائيل) وممر IMEC:

تطورت العلاقات الهندية اليونانية بشكل متسارع عقب الارتقاء بها إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية” خلال الزيارات المتبادلة في السنوات الأخيرة، أبرزها التوقيع على خارطة طريق للتعاون الدفاعي بين الهند واليونان مدة خمس سنوات في فبراير 2026، التي ركزت على مجالات الصناعات الدفاعية والأمن البحري وتبادل المعلومات والتعاون التكنولوجي وغيرها10، كما مثلت قمة مجموعة العشرين (G20) في نيودلهي عام 2023، اللبنة الأولى للبنية التحتية والتشريعية اللازمة لتفعيل الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي الأوروبي (IMEC) وتعزيز التعاون الهندي- الأوروبي عموما والهندي اليوناني بشكل خاص11. حقيقة يمثل هذا الممر شبكة مصالح تتقاطع فيها أدوار أطراف متعددة؛ إذ تشكل الهند نقطة الانطلاق الشرقية للبضائع الآسيوية، بينما تمثل اليونان بوابة التدفق الرئيسة إلى قلب القارة الأوروبية عن طريق موانئها، ويمتد المسار اللوجستي للممر من موانئ الهند إلى الخليج العربي (من الإمارات والسعودية والأردن)، مرورًا بميناء حيفا المحتلة، وصولًا إلى اليونان من البحر المتوسط؛ لتتقاطع هذه المصالح مباشرة مع المصلحة الإسرائيلية؛ لأن ميناء حيفا المحطة الأساسية للربط بين الشقين البري والبحري للمشروع.

2. تموضع أرض الصومال عقدة جيوستراتيجية محتملة:

على رغم أن المخطط الجغرافي المعلن لممر (IMEC) لا يمر مباشرة بالقرن الإفريقي أو البحر الأحمر، إلا أن جدواه الاقتصادية والتشغيلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمضيق باب المندب والبحر الأحمر، وينعكس ذلك في اتجاهين رئيسين من منظور الباحث:

  • العلاقة العكسية مع أمن البحر الأحمر: يرى تقدير الموقف ضرورة تعطيل طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن؛ للنجاح التشغيلي والجدوى الاقتصادية لممر IMEC؛ فجعل مضيق باب المندب والبحر الأحمر منطقة غير آمنة يمثل دافعًا موضوعيًا لشركات الملاحة الدولية للبحث عن ممر (IMEC) بديلًا آمنًا مستدامًا، وهو الشرط الذي تجسده عملية العسكرة الدولية المتصاعد للبحر الأحمر، وتفشي ظاهرة القرصنة البحرية في القرب من المضيق من ناحية وتضخيم تهديدات حكومة صنعاء تجاه أمن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر من ناحية أخرى.
  • الامتداد نحو القارة الإفريقية: يتطلب الممر صياغة مسار جنوبي غربي لربط آسيا وأوروبا بالقارة الإفريقية؛ ليمثل ميناء بربرة (الذي تديره شركة موانئ دبي العالمية) عقدة الربط هذه من ناحية القرن الإفريقي على أقل تقدير، وإن لم يكن إقليم أرض الصومال جزءًا من هذا المشروع IMEC، فإن موقعه الجيوسياسي يفرض إدراجه كعقدة ربط لإنجاح مشروع الممر بشكل متكامل؛ مما دفع القوى المرتبطة بالمشروع لتحويله إلى نقطة ارتكاز لوجستية وأمنية تضمن مرونة حركة السلع.

من جهة أخرى، يتقاطع هذا التموضع مع حاجة إسرائيل الملحة لتعويض الخسائر الناتجة عن حصار صنعاء البحري للموانئ الإسرائيلية منذ عام 2023، الذي تسبب في إعلان إفلاس ميناء إيلات وإغلاقه كليًا، واستهداف ميناء حيفا12. وبناء عليه، تسعى تل أبيب إلى إيجاد موطئ قدم جيوسياسي قبالة مضيق باب المندب يعمل كعقدة أمنية واستخباراتية ووظيفية لرصد التهديدات وحماية خطوط إمدادها الخلفية، والحد من فاعلية استهداف السفن ذات الصلة بإسرائيل من قبل حكومة صنعاء.

3. تجاوز المعضلة الإسرائيلية بالغطاء اليوناني والتحالفات الإقليمية

تواجه الرغبة الإسرائيلية في التموضع المباشر بأرض الصومال معضلة أمنية كبرى؛ إذ تخشى تل أبيب من أن يؤدي وجودها العلني إلى استهداف عسكري مباشر من قبل حكومة صنعاء، لا سيما بعد الإعلان الصريح للسيد / عبدالملك الحوثي باعتبار أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال هدفًا مشروعًا، ولتجاوز هذه المعضلة، تسعى إسرائيل للتحرك تحت مظلة اليونان غطاء سياسيًا ودبلوماسيًا وأمنيًا يتيح لها التواجد بالوكالة، وتتجلى هذه الرغبة في التعبئة الفكرية والدعوات الصادرة عن مراكز تفكير مقربة من تل أبيب (مثل منتدى الشرق الأوسط) التي تدعو اليونان صراحة للاعتراف بأرض الصومال13، وتوسيع نفوذها هناك تفاديًا لكلفة الاستهداف المباشر.

تتلاقى هذه التحركات مع تشكل ملامح تحالف دولي ناشئ، سُميَّ بالتحالف السداسي الجديد، يضم كلًا من (إسرائيل، اليونان، قبرص، الهند، الإمارات، إثيوبيا) بالتنسيق مع إقليم أرض الصومال، يحاول التصرف بوصفه قوة فاعلة لتأمين أجندته الخاصة بممري البحر الأحمر و(IMEC) في مواجهة المحاور الإقليمية المنافسة في المنطقة14، أو ما سماها المحاور الراديكالية15.

رابعًا: رؤية حكومة صنعاء من منظور استراتيجي

تنظر حكومة صنعاء إلى التوجه الخطوات المتسارعة للاعتراف بإقليم أرض الصومال بريبة شديدة، بوصفها محاولة متقدمة لتطويق نفوذها البحري، وبناء قاعدة رصد متقدمة قبالة سواحلها الجنوبية، ينتج عنها انعكاسات استراتيجية معقدة على الأمن القومي اليمني، لا ترتبط فقط بالبعد الدبلوماسي للاعتراف، بل بما قد يترتب عليه من إعادة تشكيل للبيئة العسكرية والأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، من خلال ثلاثة مستويات:

  1. على المستوى الامني: تنظر صنعاء بقلق إلى خطر تحول أرض الصومال إلى قاعدة متقدمة لتمركز التحالف الجديد بقيادة يونانية-إسرائيلية-إماراتية، بحريًا واستخباراتيًا قبالة السواحل اليمنية، بما يسمح بإنشاء مراكز لوجستية ومنظومات تجسسية بحرية وجوية موجهة لرصد التحركات العسكرية اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب، وتتضاعف قيمة هذا الاحتمال من منظور صنعاء نتيجة التصريحات الإسرائيلية بارتفاع كلفة عملياتها العسكرية ضد حكومة صنعاء، والحاجة إلى تقليص المسافات التشغيلية للطائرات ومنظومات الاستطلاع؛ الأمر الذي تقدره صنعاء على أنه قد يمنح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا جديدًا، قادرًا على تنفيذ عمليات تجسسية وضربات نوعية ضد منشآت حيوية أو أهداف عسكرية يمنية.
  2. على مستوى السيادي: تخشى صنعاء أن يشكل الاعتراف الرسمي بأرض الصومال سابقة سياسية وقانونية يمكن أن ينظر إليها نموذجًا يوظَّف مستقبلًا في تبرير الاعتراف بكيانات انفصالية أخرى، كالمجلس الانتقالي الجنوبي وبعض القوى الفاعلة في الأزمة اليمنية، وهو ما تعتبره صنعاء تهديدًا محتملًا للسيادة اليمنية بمعناها الأشمل.
  3. على المستوى الدولي: تتوقع صنعاء أن يؤدي الاعتراف وما قد يتبعه من ترتيبات أمنية، كالتنسيق والعمليات الأمنية المشتركة مع أرض الصومال، إلى زيادة الوجود العسكري الدولي في البحر الأحمر وخليج عدن تحت غطاء دولي، بما يحول المجال البحري المحيط باليمن إلى فضاء مزدحم بالقواعد والسفن العسكرية، وترى صنعاء أن هذا التوجه يهدف إلى تضييق هامش المناورة الذي تقوم به القوات البحرية اليمنية في مواجهة السفن الأمريكية والإسرائيلية، وتحقيق المساعي الأمريكية والإسرائيلية في إضفاء الشرعية الدولية لدور ما يسمى “تحالف حلف الازدهار”، بانضمام دولة من دول البحر الأحمر إليه.

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية المتوقعة

السيناريو الأول:

يفترض السيناريو الأول إقدام اليونان على إعلان الاعتراف الدبلوماسي الكامل بأرض الصومال، مما يفتح الباب لشرعنة دولية علنية للإقليم أن يكون لاعبًا مستقلًا، فعلى المستوى الإقليمي الأوسع، يمثل هذا السيناريو تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار القرن الإفريقي والقارة الإفريقية بشكل كامل، بترسيخ سابقة قانونية خطيرة تشرعن تفتيت الدول، وتفكيك جمهورية الصومال الفيدرالية، بدفع ولايات صومالية أخرى كبونتلاند وجوبلاند لإعلان الانفصال، أو غيرها في دول القرن الإفريقي، مما ينذر بتعمق الخلافات البينية في المنطقة، كما قد يحول المجال البحري المحيط بالقرن الإفريقي إلى ساحة صراع دولي مفتوح؛ تتيح للقوى الدولية التنافس في المنطقة والنفوذ إليها عن طريق بوابة الاعتراف بكيانات تبحث عن الانفصال، وعلى المستوى اليمني، يؤدي هذا السيناريو إلى صدام مباشر؛ إذ تمنح شرعنة الإقليم غطاء لبناء قواعد عسكرية دولية مستدامة وعلنية قبالة السواحل اليمنية، مما يضع القوات البحرية لصنعاء في حالة احتكاك عسكري مباشر ومستمر مع أساطيل دولية تحت مبرر حماية السيادة والدفاع المشترك؛ الأمر الذي يقلص هامش المناورة الاستراتيجية لصنعاء بشكل علني.

السيناريو الثاني:

يفترض السيناريو الثاني تجنب اليونان الاعتراف الدبلوماسي الصريح والكامل بأرض الصومال تلافيًا للأزمات الدبلوماسية مع مقديشو والدول المتمسكة بمبدأ وحدة الصومال، ومحاولة حصر العلاقة علنًا في مجالات التبادل التجاري والاستثماري، وتأمين طرق الملاحة والتجارة الدولية بإنشاء قنصلية عامة أو مكاتب تمثيلية منخفضة المستوى، إلا أن الجوهر الحقيقي لهذا السيناريو يكمن في ممارسة اليونان دور الغطاء السياسي والأمني للتحركات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية داخل أرض الصومال، وينطلق هذا السيناريو من كون إسرائيل تخشى التواجد العسكري المباشر والعلني في أرض الصومال نتيجة للتهديدات الصريحة الصادرة من صنعاء باستهداف أي نفوذ إسرائيلي هناك، ومن ثَمَّ، تبرز اليونان واجهة مقبولة دوليًا لإنشاء مرافق مراقبة واستطلاع وتطوير بنية لوجستية بحرية تُمرر بواسطتها المصالح الإسرائيلية والغربية دون الارتطام برد فعل مباشر من صنعاء، ويُعد هذا السيناريو هو الأخطر على الأمن القومي لدول القرن الإفريقي عمومًا وحكومة صنعاء بشكل خاص؛ لأنه ينتج واقعًا أمنيًا جديدًا بالوكالة دون الحاجة لإعلان سياسي صريح، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا.

التوصيات:

بما أن حكومة صنعاء لا تتمتع بأي اعتراف دولي رسمي، يُتيح لها حشد إجماع علني مباشر، فإن الباحث يوصي بالاعتماد على مسارات بديلة تركز على الفاعلية وتحقيق المصالح المشتركة عن طريق الخيارات الآتية:

المسار الدبلوماسي المباشر مع أثينا:

توجيه رسائل رسمية غير علنية إلى وزارة الخارجية اليونانية تبدد مخاوفها بشأن أمن أسطولها التجاري في البحر الأحمر وخليج عدن، مع تقديم تطمينات عملية بعدم استهداف السفن اليونانية الملتزمة بقرار الحظر البحري؛ لفتح قنوات تفاوض تُغني أثينا عن البحث عن بدائل أمنية في أرض الصومال.

المسار الدبلوماسي الإقليمي والدولي:

توجيه رسائل دبلوماسية إلى الدول العربية والإفريقية لحشد موقف عربي وإفريقي رافض لشرعنة التقسيم، تحذر من تداعيات تفتيت الصومال على الأمن القومي المشترك، بالتوازي مع مخاطبة الاتحاد الأوروبي ومنظمة الدول الأمريكية لتوضيح خطورة تحول “سابقة الاعتراف بأرض الصومال” إلى ضوء أخضر للجماعات الانفصالية في دولهم، بالتوازي مع حث الحكومة الصومالية على تفعيل المسار القانوني والدبلوماسي في المحافل الدولية لتوثيق الانتهاكات اليونانية للسيادة الصومالية.

مسار التنسيق الأمني عبر قنوات خلفية:

تفعيل تواصل استخباراتي وأمني غير رسمي مع الأجهزة الأمنية للحكومة الاتحادية الصومالية لتبادل المعلومات حول التهديدات المشتركة في أرض الصومال، بالاستعانة بوسيط إقليمي محايد لديه تواجد فعلي في الصومال وموقف متوازن من الأزمة اليمنية (مثل سلطنة عمان، أو جمهورية الصين الشعبية، أو تركيا)؛ لتسهيل عمل هذه القنوات الخلفية وتجاوز عقبة غياب الاعتراف الدبلوماسي.

مسار المبادرة الشاملة:

إطلاق مبادرة أمن واستقرار ممرات القرن الإفريقي؛ تربط سلامة الملاحة الدولية بحفظ وحدة السيادة الصومالية، مع تقديم صنعاء راعيًا للمساعي الحميدة في حوار (صومالي-صومالي) داخلي يعالج جذور الأزمة، ويسحب الذرائع من القوى الخارجية لملء الفراغ السياسي، لتبرز صنعاء لاعبًا إقليميًا مبادرًا في صناعة الاستقرار.

إجمالًا:

تظهر هذه المسارات المتكاملة أن التدخل الدبلوماسي والسياسي الذكي، واللعب على التناقضات والمصالح الدولية، قادرة على تحييد المخاطر اليونانية قبالة السواحل اليمنية، وسد الفراغات الاستراتيجية بشكل فعال، دون وجود حاجة ملحة للانتقال إلى الخيارات العسكرية المباشرة في المرحلة الراهنة.

المصادر والمراجع:


  1. Ministry of Foreign Affairs of the Israeli entity, “Israel recognizes the Republic of Somaliland as an independent and sovereign state.” Accessed May 19, 2026. https://www.gov.il/en/pages/israel-recognizes-republic-somaliland. ↩︎
  2. ويكيبيديا. “قائمة البعثات الدبلوماسية في أرض الصومال.” آخر تعديل في 1 يناير 2026. شوهد في ١٨ مايو على الرابط: https://shortlink.uk/1vi6z ↩︎
  3. Michael Rubin, “Greece and Cyprus Get Somaliland Wrong,” Middle East Forum, January 1, 2026, https://www.meforum.org/mef-online/greece-and-cyprus-get-somaliland-wrong ↩︎
  4. U.S. Energy Information Administration. (2025). World oil transit chokepoints, p.1 . / International Transport Forum / Organisation for Economic Co‑operation and Development. (2024). Red Sea Crisis: Impacts on Global Shipping. Paris, France: ITF/OECD, p.10. ↩︎
  5. شذى حسن، مضيق باب المندب في استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية، مجلة اتجاهات سياسية، مج 8، ع 31، 2025، ص ص ٢١-٢٢ ↩︎
  6. Gashaw Ayferam, “The End of Israel’s Peripheral Doctrine and the Beginning of the Hexogen: Redrawing Power from the Mediterranean to the Indian Ocean (Indo-Med),” Institute of Foreign Affairs, March 13, 2026. https://shortlink.uk/1vig2 / Dimitrios Makousis, “Somaliland and the Greek–Israeli Geometry of Power,” Strategy International, January 22, 2026. https://strategyinternational.org/2026/01/22/publication237/?hl=ar-001 ↩︎
  7. إيكاد [@EekadFacts]. ‏”تعيين مبعوث لأرض الصومال لدى اليونان أثار تساؤلات”، منصة X، مقطع فيديو، 14 مايو 2026. https://x.com/i/status/2054881985865142376 ↩︎
  8. Mohamed Duale, “Somalia: Somaliland to Participate in Athens Defence Summit 2026,” AllAfrica, March 6, 2026, https://allafrica.com/stories/202603060583.html?hl=ar-001
    [1] Athens Defence Summit 2026: The Future of War and the Defence of Freedom in an Age of Strategic Transformation,” Naftemporiki, February 25, 2026, https://www.naftemporiki.gr/english/1435777/athens-defence-summit-2026-the-future-of-war-and-the-defence-of-freedom-in-an-age-of-strategic-transformation/ ↩︎
  9. حبيب أبو محفوظ، “أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية.. هل تستطيع العيش دون سلاح أمريكا؟” الجزيرة نت، 16 فبراير 2026، على الرابط:https://shortlink.uk/1vinj ↩︎
  10. Edunovations.India Greece defence pact: Five year strategic cooperation update. 2026, February 13. https://edunovations.com/currentaffairs/national/india-greece-defence-pact/ ↩︎
  11. Fabio Indeo. Reshaping the India-Middle East-Europe Economic Corridor: New Challenges, Old Vulnerabilities.TRENDS Research & Advisory. February 2026. Retrieved June 24, 2026, from https://trendsresearch.org/insight/reshaping-the-india-middle-east-europe-economic-corridor-new-challenges-old-vulnerabilities/ ↩︎
  12. الجزيرة، الحوثيون يعلنون حظرًا بحريًا على ميناء حيفا، مايو 2025، على الرابط: https://short-url.cc/1xUDj
    / زين خليل، إعلام إسرائيلي: إغلاق ميناء إيلات من الأحد جراء حصار “الحوثي”. الأناضول، يوليو 2025، على الرابط: https://short-url.cc/1xUDa ↩︎
  13. Michael Rubin, Greece and Cyprus Get Somaliland Wrong, Op. Cit.
    / Michael Rubin, “Greece Should Recognize Somaliland: Why Athens Should Follow Jerusalem’s Lead in the Horn of Africa,” Middle East Forum, December 30, 2025. https://www.meforum.org/mef-online/greece-should-recognize-somaliland ↩︎
  14. Dimitrios Makousis, Op. Cit ↩︎
  15. سوhء الشيعي المكون من إيران ومحور المقاومة المتحالفة معها، أو السني الناشئ بين تركيا وقطر، وحلف الدفاع السعودي الباكستاني التركي المتطور، بما يسمى “الناتو الإسلامي”، ومحور مصر إريتريا الصومال تركيا، وجماعة الإخوان المسلمين. من:Gashaw Ayferam, Op. Cit. ↩︎