خلال محاضرة سياسية تحليلية نظمها مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات بصنعاء تحت عنوان: «الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: قراءة تحليلية في الأهداف والمسارات والآفاق المستقبلية»، أكد الدكتور هاني المغلس، أستاذ العلوم السياسية وعميد كلية التجارة بجامعة صنعاء، أن انشغال الماكينة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية بمحاولة رسم ملامح «شرق أوسط جديد» يكشف عن مشروع هيمنة يتجاوز الأبعاد العسكرية، ليطال إعادة تشكيل البنية الجيوسياسية للمنطقة بأكملها، مشيرًا إلى أن إيران تبرز بوصفها حجر العثرة الرئيس أمام هذا المشروع.
وأكد المغلس، في قراءته لطبيعة المواجهة -بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى- أن المنطقة تعيش مخاض معركة هيمنة فاصلة بين مشروعين متناقضين، الأول: يسعى إلى تمكين الاحتلال الإسرائيلي قوة مهيمنة في الإقليم، والثاني: يرتكز على مفاهيم السيادة والتحرر من التبعية الغربية، مشددًا على أن المواجهة باتت «معركة صفرية» تتجاوز الخلافات السياسية إلى صراع على مستقبل المنطقة وهويتها الاستراتيجية.
حرب الإرادات
وفي مستهل تحليله أشار إلى أن العدوان على إيران يُعد من أكثر الحروب وضوحًا من حيث الأهداف والسياقات، معتبرًا أنه جاء امتدادًا لحرب الإبادة التي تُشن على الشعب الفلسطيني في غزة بدعم أمريكي وغربي واسع.
وأوضح أن أحد أبرز مظاهر الإخفاق الأمريكي الإسرائيلي تمثل في العجز عن كسر الإرادة الإيرانية أو إحداث انهيار سريع في بنية الدولة، على رغم الضربات المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع والمنشآت داخل إيران.
وبحسب تقدير المغلس، أُعِدَّت الحرب وشُنَّت لإحداث صدمة شاملة تدفع إيران إلى القبول السريع بالشروط الأمريكية، أو تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية تؤدي إلى إضعاف النظام من الداخل، إلا أن هذه الرهانات لم تتحقق.
وعلى رغم حجم الخسائر البشرية والمادية، تمكنت مؤسسات الدولة الإيرانية من إعادة تنظيم نفسها بسرعة، سواء على مستوى القيادة السياسية أم البنية الأمنية والعسكرية، بما عكس قدرة عالية على امتصاص الضربات والتكيف مع ظروف المواجهة.
ويرى أن العامل الأكثر حسمًا تمثل في طبيعة التفاعل الداخلي الإيراني مع الحرب؛ إذ لم تتحول التباينات السياسية والاجتماعية إلى صدام مع السلطة كما كانت تراهن واشنطن وتل أبيب، بل حدث التفاف واسع حول الدولة باعتبار المعركة تهديدًا وجوديًا يستهدف إيران كيانًا وسيادة، لا مجرد مواجهة مع النظام السياسي.
ووفق هذا التصور، خسرت الولايات المتحدة إحدى أهم الأوراق التي كانت تعول عليها لإضعاف طهران من الداخل، فيما اكتسبت القيادة الإيرانية هامشًا أكبر لتعزيز خطاب الصمود والمواجهة.
كتل اللهب وعنصر الجغرافيا
وقد استطاعت طهران -وفق القراءة التحليلية التي قدمها المغلس- إدارة المواجهة بنَفَس طويل، مستندة إلى ركيزتين أساسيتين، الأولى: توظيف عنصر الجغرافيا عن طريق التلويح بورقة مضيق هرمز بوصفه نقطة ضغط ذات تأثير مباشر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، والثانية: تفعيل ما يُعرف بـ«وحدة الساحات»، في إشارة إلى أدوار دول محور المقاومة، وخصوصًا في جنوب لبنان.
ويجزم المغلس أن إيران نجحت -عن طريق هذين العاملين- في نقل المعركة من إطارها العسكري المباشر إلى فضاء إقليمي أوسع، ما أدى إلى فتح جبهات ضغط متعددة أربكت الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، ووضعت العمق الاستراتيجي للعدو أمام تهديدات غير متوقعة.
وبحسب هذا التقدير، أثبتت الحرب أن إيران ما تزال لاعبًا محوريًا يصعب عزله أو إخراجه من معادلة القوة والتوازنات الإقليمية، على رغم حجم الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها.
هرمز… قلب الصراع الجيوسياسي
وفي قراءته لمسار المواجهة، وضع المغلس مضيق هرمز في قلب الصراع الدائر، معتبرًا أن المعركة حوله تتجاوز مسألة حرية الملاحة أو حماية تدفقات النفط؛ لتلامس جوهر التنافس على شكل النظام الإقليمي المقبل وموازين القوة فيه.
وبحسب التحليل، فإن تمكّن إيران من فرض أي مستوى من السيادة أو النفوذ الفعلي على المضيق يعني عمليًا تكريسها قوة إقليمية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي ومسارات الطاقة الدولية، وهو ما تنظر إليه واشنطن وتل أبيب بوصفه تهديدًا مباشرًا للمشروع الإسرائيلي القائم على إعادة هندسة المنطقة تحت مظلة الهيمنة الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، تبدو معركة هرمز -وفق المغلس- أقرب إلى «معركة صفرية» بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى تكريس إسرائيل قوة مهيمنة في الشرق الأوسط، وآخر يقوم على تثبيت معادلات السيادة والاستقلال الإقليمي التي تمثلها إيران وحلفاؤها.
سيناريوهات التصعيد
وعلى رغم الحديث عن تهدئة ووقف لإطلاق النار، يرى المغلس أن المشهد لا يعكس نهاية فعلية للصراع، بقدر ما يشير إلى مرحلة مؤقتة من إعادة التموضع والاستعداد لجولات أكثر اتساعًا.
فوقف إطلاق النار القائم -بحسب تقديره- لا يستند إلى تسوية سياسية حقيقية أو تفاهمات مستقرة، وإنما جاء نتيجة تعقيدات الميدان وعجز أي طرف عن حسم المواجهة بصورة نهائية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل حاليًا على احتواء تداعيات الإخفاقات التي واجهتها خلال المرحلة الماضية، بالتوازي مع محاولات لإعادة بناء تحالفات إقليمية ودولية؛ تمهيدًا لجولة تصعيد جديدة، سواء عن طريق الحشد العسكري أم تكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية.
لكن واشنطن -وفق التحليل- تواجه معضلة حقيقية تتمثل في صعوبة حشد تحالف دولي واسع للحرب، في ظل إدراك القوى الكبرى، كروسيا والصين، وأن أي نتائج محتملة للمواجهة ستصب في نهاية المطاف في مصلحة مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، من دون أن تحقق لتلك القوى مكاسب استراتيجية مقابلة.
الدبلوماسية القسرية
وتطرقت المحاضرة إلى مفهوم «الدبلوماسية القسرية»، معتبرة أن الاعتماد على القوة العسكرية أداة رئيسة لفرض التسويات السياسية لا يؤدي إلى استقرار طويل الأمد، بل يفاقم الاستقطاب ويفتح المجال أمام مواجهات غير تقليدية.
كما أشار المغلس إلى أن التجارب التاريخية -في المنطقة والعالم- أثبتت محدودية الحلول المفروضة بالقوة، وأن الشعوب التي تمتلك إرادة الصمود قادرة على إعادة إنتاج أدوات المقاومة مهما بلغت الضغوط.
غزة كانت البداية
وفي السياق ذاته، ربط المغلس بين ما يجري مع إيران والحرب الإسرائيلية على غزة، معتبرًا أن العدوان على القطاع شكّل نقطة الانطلاق الفعلية للمشروع الإقليمي الجاري تنفيذه.
فالقوة التدميرية الهائلة التي استُخدمت ضد غزة -بحسب وصفه- لم تكن موجهة فقط ضد منطقة محاصرة أو ضد فصائل المقاومة الفلسطينية، بل حملت رسائل استراتيجية إلى المنطقة بأكملها.
لافتًا إلى أن ما جرى في غزة مثّل «بروفة تمهيدية» لمرحلة أكثر اتساعًا من الصراع؛ هدفها إعادة رسم خرائط القوة وإخضاع الإقليم لمعادلات جديدة تقوم على الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.
الورقة الأخطر في البحر
ومع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، يبرز اليمن بوصفه أحد أكثر الأطراف تأثيرًا في معادلات الصراع البحري والأمني، بعد أن نجحت صنعاء -خلال الحرب على غزة- في فرض حضورها على خطوط الملاحة الدولية عن طريق عمليات البحر الأحمر واستهداف السفن المرتبطة بالكيان الإسرائيلي، إضافة إلى تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف إسرائيلية.
هذا الدور -بحسب قراءة المغلس- نقل اليمن من موقع التأثير المحدود إلى موقع الفاعل الإقليمي القادر على التأثير المباشر في حركة التجارة العالمية وكلفة النقل البحري، ما جعل باب المندب جزءًا أساسيًا من معادلة الضغط المتبادلة في أي تصعيد مقبل.
وفي هذا السياق، حذّر من التحركات الإسرائيلية المتنامية في القرن الإفريقي، خصوصًا في إقليم «أرض الصومال»، داعيًا صنعاء إلى مراقبة هذه التحركات وتقييمها بصورة مستمرة، بوصفها جزءًا من محاولات تطويق الدور اليمني وخلق موطئ قدم استخباري وعسكري مقابل مضيق باب المندب.
وخلّص المغلس -في ختام محاضرته- إلى أن المنطقة تقف أمام لحظة تاريخية مفتوحة على احتمالات واسعة، مؤكدًا أن ما يجري لم يعد مجرد نزاع عسكري محدود، بل صراع يشمل مستقبل الشرق الأوسط، ويشمل من يمتلك القدرة على رسم خرائط القوة والسيادة والنفوذ في الإقليم خلال العقود المقبلة.