جيوسياسية ما بعد الحرب على إيران… تكتلات جديدة في عالم متعدد الأقطاب

جيوسياسية ما بعد الحرب على إيران... تكتلات جديدة في عالم متعدد الأقطاب

جيوسياسية ما بعد الحرب على إيران… تكتلات جديدة في عالم متعدد الأقطاب

جيوسياسية ما بعد الحرب على إيران... تكتلات جديدة في عالم متعدد الأقطاب
Picture of عبدالله مصلح

عبدالله مصلح

كاتب وباحث سياسي

إن مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقطة تحول مفصلية في بنية النظام الدولي؛ فقد عادت صياغة التحالفات التي حرصت واشنطن على تشكيلها وبقائها منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.

فبينما اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية – على مدى عقود من الزمن – أن تقود تحالفات مستقرة وقائمة على سياسة الاحتواء والقوة الناعمة، جاء الرئيس دونالد ترامب – في نسخته الثانية – بفلسفة براغماتية، أو بالأصح بعقيدة سياسية جديدة مفادها: تعزيز المصالح الأمريكية بشكل أحادي وفق مبدأ “أمريكا أولًا”.

إذ كشفت الحرب الـ 40 يومًا على إيران حجم الغطرسة والعنجهية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه القوى الإقليمية والدولية، إلى درجة إقدامها على اتخاذ قرارات أحادية كبرى، مثل إشعال حرب إقليمية واسعة، والتسبب بتهديد أمن الطاقة العالمي، دون التنسيق مع حلفائها الأوروبيين، ودون أدنى اعتبار لمصالح حلفائها الخليجيين.

وبدلًا من أن تعزز هذه الحرب موقع الولايات المتحدة الأمريكية، قوة متسيدة على العالم، فقد أظهرت الحرب مدى انكشاف الهيبة الأمريكية، وانهيار مفهوم الردع، وكشفت عن مكامن قصور في الحسابات الأمريكية، وفتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات حقيقية حول قدرة واشنطن على فرض إرادتها الأحادية على الجميع بالقوة العسكرية دون الحاجة إلى الحلفاء.

وهذا ما دفع دولًا أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا إلى إعلان موقفها الصريح والرافض لهذه المغامرة الترامبية المجنونة.

وبعد الاهتزاز الكبير الذي أصاب عمق “المظلة الأمريكية” التي لم تعد تتسع سوى لحماية الكيان الإسرائيلي، فقد اتجهت عدد من دول العالم للبحث عن خيارات بديلة أكثر أمانًا وأقل خطرًا.

فقررت دول أوروبية وآسيوية النأي عن البوصلة الغربية، والاتجاه شرقًا نحو الصين وروسيا، وبعضها اتجهت جنوبًا أو ما يسمى “الجنوب التقدمي”، وتشكيل تحالف جديد يقوم على عدم الانحياز لأي طرف سواء لأمريكا أم لروسيا أم للصين.

كما أثبتت هذه الحرب لدول الخليج أن التحالف مع أمريكا لم يعد ” ملاذًا آمنًا”، بل بات خيارًا محفوفًا بالمخاطر.

ودفعت هذه الحرب عددًا من الدول العربية إلى إعادة تقييم حساباتها ومراجعة رهاناتها، وانتهاج سياسة الشراكات المتنوعة، بعد أن تأكد لها عجز القوات والقواعد العسكرية الأمريكية عن حمايتها، بل تحولت تلك القواعد إلى مصدر للهجمات الإيرانية على أراضيها.

خريطة التكتلات الجديدة:

1- التكتل الأوراسي بقيادة الصين وروسيا

يضم هذا التكتل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران ودول آسيا الوسطى، وتتقارب مع هذا المحور دول أوروبية، مثل بيلاروسيا وهنغاريا وصربيا، ودول في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، ودول إفريقية مثل جنوب إفريقيا، إضافة إلى تقارب دول عربية وإسلامية مثل باكستان وتركيا والسعودية ومصر وقطر.

وأصبح هذا المحور ملاذًا مفضلًا للعدد من الدول التي تبحث عن خيارات بديلة ومتنوعة توفر لها الأمن الاستراتيجي، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.

ويتفرد هذا المحور عن غيره بالمرونة ومنح الاستقلالية للآخر؛ إذ إن التحالف مع الصين أو روسيا لا يعني بالضرورة التخلي الكامل عن أمريكا.

وهو ما يشجع الدول الأخرى على التوجه نحوهما من باب “تنويع الشركاء” وعدم الاعتماد على دولة واحدة، حتى لو كانت دولة عظمى، فقد تكون مخاطرة باهظة الثمن.

وفيما تقدم الصين نفسها بديلًا اقتصاديًا استراتيجيًا يقوم على عدم التدخل، وتقديم المشاريع الاقتصادية والتنموية، تعزز روسيا حضورها حليفًا سياسيًا وعسكريًا أكثر وفاء وثباتًا.

ولم يعد المحور الصيني الروسي مقتصرًا على التعاون الاقتصادي ومكتفيًا بمجموعة الـ “بريكس” فحسب، بل تجاوز ذلك إلى التعاون الأمني الاستراتيجي، عن طريق “منظمة شنغهاي للتعاون” التي تهتم بالتعاون الأمني والعسكري، والتنسيق الاستخباراتي والمعلوماتي والتكنولوجي، وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة، وعقد لقاءات دورية لوزراء الدفاع ولوزراء الداخلية في الدول الأعضاء، حتى أن بعضهم يصف منظمة شنغهاي بأنها نواة لـ”ناتو شرقي” غير معلن؛ لمواجهة النفوذ الغربي الأمريكي.

وفي أواخر أبريل الفائت انعقد مؤتمر وزراء الدفاع في دول منظمة شنغهاي للتعاون في دولة قيرغيزستان، وجاء ذلك بالتزامن مع التوترات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وتفاقم أزمة الطاقة العالمية نتيجة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وفي نهاية أغسطس الماضي انعقد مؤتمر قمة منظمة شنغهاي للتعاون، في مدينة تيانجين الصينية، بمشاركة أكثر من 20 دولة، أبرزها الصين وروسيا والهند وباكستان وتركيا وإيران وكوريا الشمالية وبيلاروسيا.

2- تكتل أمريكي صهيوني

في الحرب الأخيرة على إيران وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها – أول مرة – وحيدة من الحلفاء إلا من ربيبتها إسرائيل، التي نجحت في توريط واشنطن وجرها إلى مستنقع الحرب على إيران، وخلق أزمة الطاقة العالمية.

وتعد العلاقة بين أمريكا والكيان الصهيوني علاقة معقدة ومتداخلة ومتغيرة، فتارة تبدو “تل أبيب” هي من تصيغ وتصنع القرار في البيت الأبيض، وتارة تظهر واشنطن بأنها من تتحكم بالقرار الإسرائيلي وتتعامل مع “تل أبيب” بوصفها ولاية أمريكية رقم 51، التي تمثل أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط”، أو كما يصفها بعضهم “حاملة طائرات أمريكية غير قابلة للغرق”؛ إذ جرى ربط الأمن الإسرائيلي بالأمن القومي الأمريكي.

وتشكلت هذه العلاقة بين واشنطن وتل أبيب على مدى عقود من الروابط السياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية، بل وصلت إلى حد التماثل وكأنهما كيان عضوي واحد، وهذا ما اتضح جليًا في عهد الرئيس ترامب، بخلاف الرؤساء السابقين الذين كانوا يتظاهرون بأنهم مجرد “وسطاء سلام” بين الكيان الإسرائيلي وبين العرب وفلسطين المحتلة.

وعلى رغم هذه العلاقة الوثيقة التي بلغت ذروتها في عهد ترامب، إلا أنها تنذر ببدء العد التنازلي لهذه العلاقة التي أضرت كثيرًا بتاريخ وصورة الولايات المتحدة أمام العالم، من وجهة نظر أمريكية، لا سيما بعد وقوع جرائم الإبادة بحق أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني، إضافة إلى 178 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، التي اقترفها التحالف الصهيوأمريكي بأسلحة أمريكية بعضها محرم دوليًا، مما تسبب بفرض عزلة دولية على الكيان الإسرائيلي الذي بات منبوذًا من معظم دول العالم، وألحق أضرارًا كبيرة بسمعة ومكانة ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وأسقط أقنعتها الإنسانية والحقوقية، وكشف زيف ادعاءاتها بحماية القانون الدولي.

3- تكتل الدول التقدمية “الجنوب العالمي”

وبين الاتجاه غربًا نحو الولايات المتحدة الأمريكية، والاتجاه شرقًا نحو الصين وروسيا، ثمة طريق ثالث بدأ في التشكل، ويتمثل في مؤتمر الدول التقدمية أو ما يسمى “الجنوب العالمي” الذي انعقد في برشلونة 17-18 أبريل الماضي، بمشاركة عدد من دول العالم، أبرزها إسبانيا والبرازيل والبرتغال والسويد، والمكسيك وكولومبيا وتشيلي وأورجواي، وجنوب إفريقيا.

ويركز هذا المحور على تجميع الدول والقوى اليسارية التقدمية لمواجهة تنامي القوى اليمينية الشعبوية المتطرفة، لا سيما في الدول الغربية.

ويرفض هذا المحور الاصطفاف إلى المحور الأمريكي الغربي أو إلى المحور الصيني الروسي، لكنه يتفق مع الصين وروسيا في رفض الهيمنة الأمريكية والدعوة لعالم متعدد الأقطاب، ودعم القوى والتيارات اليسارية التقدمية لمواجهة تيار اليمين الشعبوي، مثل حركة “ماغا” (MAGA) الأمريكية الداعمة لترامب.

4- تكتل أوروبي مستقل عن واشنطن

أول مرة في تاريخها تتفق جميع دول أوروبا حول عدم الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة الأمريكية في المجال العسكري والأمني.

فمنذ تأسيسه عام 1993م ظل الاتحاد الأوروبي تحت كنف الحماية العسكرية الأمريكية، حتى جاء الرئيس ترامب ليقرر التخلص من أعباء حماية الآخرين وتكاليف العلاقات الخارجية الباهظة الثمن، والتركيز على الشأن الداخلي الأمريكي وفق عقيدة “أمريكا أولًا”، أو كما يصفها خصومه الديمقراطيين بـ “ترامب أولًا”.

وعلى رغم استمرار الارتباط الأوروبي بحلف الناتو، إلا أن عددًا من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، تدعو إلى ضرورة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وبناء قدرات دفاعية مستقلة عن واشنطن التي تخلت عن مسؤوليتها في الدفاع عن أوروبا ضمن ما كان يعرف بـ”الردع المتقدم” لمواجهة تمدد روسيا التي لم تعد “خطرًا عسكريًا يهدد أمريكا، بحسب وثيقة استراتيجية الدفاع الأمريكية الصادرة عن وزارة الحرب أواخر يناير الماضي.

ولهذا تتجه أوروبا إلى الاعتماد على نفسها في حماية أمنها، عن طريق بناء قوة عسكرية واستئناف تصنيع الأسلحة، لا سيما أن لديها اقتصادًا ضخمًا وقاعدة صناعية وتكنولوجية متطورة، تؤهلها لبناء قوة عسكرية متقدمة، وقد تغدو أوروبا منافسة بقوة للولايات المتحدة في بيع وتصدير الأسلحة التي تعد أحد أبرز روافع الاقتصاد الأمريكي.

5- تعاون عربي إسلامي

لقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن أمن الدول العربية والإسلامية منظومة متكاملة ومترابطة، وأن أي صراع عسكري لا يعود بالضرر على الدول المتصارعة فحسب، وإنما يتوزع الضرر على جميع دول المنطقة، وإن بنسب متفاوتة.

كما أكدت هذه الحرب أن الثروة النفطية لا توفر ضمانة كافية للاستقرار الداخلي، بل قد تتحول إلى وقود لصراع مزمن، وأن الحماية الخارجية لم تعد مجدية، وأن الحليف الأمريكي يتعامل مع المنطقة وفق مصالحه الاستراتيجية حتى لو كانت على حساب مصالح حلفائه.

 وهذا كله يدفع دول العالم العربي والإسلامي إلى عدم الارتهان الكامل للولايات المتحدة، وانفتاحها على قوى دولية متعددة، وتجاوز مرحلة الانقسامات والخلافات البينية، وإنهاء التوترات مع الجوار، لا سيما مع إيران، وإنشاء شراكات دفاعية وصناعية مشتركة، وصولًا إلى تشكيل تكتل عربي إسلامي، لا سيما بعد نجاح التقارب الرباعي بين أهم دولتين عربيتين (السعودية ومصر) وأهم دولتين إسلاميتين (وباكستان وتركيا)، وإحراز تقدم ملموس في عدد من القضايا والملفات، لا سيما فيما يتعلق بقطاع غزة وسوريا والسودان وليبيا، ومؤخرًا فيما يخص الحرب على إيران وأمن الطاقة العالمي والممرات المائية.

خاتمة

على رغم التداعيات السلبية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلا أنها لا تخلو من إيجابيات في مجمل نتائجها، وأبرزها خلق جبهة معارضة عالمية واسعة للسياسات الأمريكية الإسرائيلية وتأطيرها ضمن “عزلة ما بعد الحرب”، وتحويل منصب الرئيس الأمريكي من قائد لما يسمى بالنظام العالمي إلى مجرد سمسار تفاوضي يترقب أفضل صفقة.

كما يحسب لهذه الحرب تسريع إجراءات الطلاق الاستراتيجي بين أوروبا والولايات المتحدة، ووضع آخر مسمار في نعش “الناتو”، وتهيئة العوامل الدافعة لتوطيد عرى التعاون الاستراتيجي العربي الإسلامي المشترك.

إضافة إلى إمكانية نشوء تحالفات وظيفية ثنائية مرتبطة بملفات محددة، مثل أمن الطاقة، وتأمين الملاحة البحرية، والتعاون الأمني والدفاع المشترك.

كما أنه ليس بالضرورة الانخراط في تكتلات جديدة، أو الانسحاب الكلي من تحالفات قديمة، وقد تكتفي بعض الدول بفتح قنوات جديدة مع خصومها السابقين وإعادة ربط العلاقات وتقليص مساحة الفجوات، وهذا خيار أقل خطرًا وكلفة من الانضواء في تحالفات متصارعة.