يُعدُّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران من المعارك القليلة والفاصلة في التاريخ، التي تبدو فيها تداعياتها الجيوسياسية أهم بكثير من نتائجها العسكرية والميدانية، على رغم أن كل نتائجها مبنية على الفشل الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق الهدف الأول من العدوان، وهو إسقاط النظام الإيراني، وإيجاد نظام خاضع لهيمنتها.
ثمة ملاحظة جوهرية لا بد منها؛ للوصول إلى رؤية صحيحة للوضع، وهي أن وسائل الإعلام المملوكة بمعظمها من المنظومة الصهيونية – الغربية لا تنقل الحقيقة، وتحاول فرض صورة نمطية خادعة، تحاول تمرير صورة النجاحات الأمريكية والإسرائيلية، فيما الواقع يقول غير ذلك.
هذه الأهمية جاءت من عدة أسباب، أهمها:
قدرة إيران على التحكم بمضيق هرمز، بعكس ما تدعيه تبجحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد فشل مفاوضات إسلام آباد، بأنه سيحاصر إيران، ويفتح المضيق، وغير مهتم بعودة المفاوضات، لكنه لم تمض ساعات قليلة على مواقفه هذه حتى تناقلت وسائل الإعلام أخبارًا عن اتصالات تجري لتحديد موعد جديد لاستئناف المفاوضات، ولو كان الأمريكيون قادرين على تحقيق ما قاله ترامب، وتحمل تبعات استئناف القتال، لما ترددوا لحظة بذلك، ولما قبلوا مجرد الحديث عن استئناف المفاوضات.
تحكم مضيق هرمز بحوالي ثلث صادرات النفط والغاز إلى العالم، ومعظم هذه الكمية تذهب إلى حلفاء أمريكا في أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان، أما خصوم أمريكا التقليديين فتأثرهم به قليل، حيث روسيا دولة مصدرة للمادتين، والصين لم تتوقف شحنات النفط إليها من إيران، ولا تجرؤ أمريكا على منعها في هذه الظروف.
تمر ثلث حاجة العالم من الأسمدة من مضيق هرمز، وهذا لا يجري الحديث عنه كثيرًا.
وقوع المنطقة على طريق سلاسل التوريد العالمية، لا سيما في مجال الإمدادات الغذائية.
مرور عدد كبير من خطوط الاتصالات والإنترنت من المنطقة، وتعطلها يوقع العالم وحركة البنوك والطيران والاتصالات في أزمة غير مسبوقة.
قطع طريق الهند – الخليج – شواطئ فلسطين المحتلة – أوروبا، الذي أرادته الولايات المتحدة بديلًا عن مشروع “الحزام والطريق” الصيني؛ بهدف خنق الصين وحصارها.
قدرة الإيرانيين على تدمير اقتصاديات دول الخليج وأسس حياتها، مثل مصافي النفط، ومحطات الطاقة وتحلية المياه، والاستثمار، وقطاع الخدمات، مما يؤدي إلى انهيار بعض دولها، وفي مقدمتها الإمارات.
وتزداد خطورة الوضع في حال تطورت المواجهة إلى اتخاذ اليمنيين قرارًا بإغلاق مضيق باب المندب، وعندها سيكون العالم أمام خطر تسارع انهيارات الاقتصاديات العالمية، وأزمة وقود وغذاء خانقة، لا تستطيع أمريكا تحمل تبعاتها.
هذه النتيجة لم تأت من فراغ، وإنما جاءت بعدما تمكنت إيران من ضرب العقيدة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في الحرب، التي تقوم على أساس الصدمة، والقوة الجوية الساحقة، والضربات الدقيقة، التي تدمر دفاعات وإمكانات العدو في الموجة الأولى من الضربات، كما حدث في العراق ويوغسلافيا، لكن إيران أفشلت هذه العقيدة بعدما قرأتها جيدًا على مدى أكثر من عشرين عامًا، وتمكنت من تفكيكها وبناء قوتها واستراتيجيتها، على نقاط الضعف في الاستراتيجية الأمريكية، فوزعت قواتها وقواعدها، وبنتها في جبال محصنة، وصنعت أجيالًا من الطائرات المسيرة، والصواريخ البالستية والفرط صوتية، التي لا تمتلكها أمريكا وإسرائيل، وهو ما وفر لها القدرة على تلقي الصدمة الأولى للضربات العنيفة، وتوفير مقومات الصمود، ثم توجيه ضربات مؤلمة ومؤثرة للعدو بشكل استراتيجي.
وعلى عكس ذلك، كانت حاملات الطائرات الأمريكية- التي تعد عماد القوة الأمريكية- أهدافًا سهلة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، مما سهل علبهم استهدافها، وتمكنوا من إصابتها إصابات خطيرة، اضطرتها للانسحاب والابتعاد عن مرمى القوات الإيرانية، مما جعلها أقل فائدة وشبه معطلة.
هذه التغيرات الاستراتيجية والجيوسياسية، ستؤدي كلها إلى انهيارات تسلسلية لمكانة أمريكيا، وعوامل قوتها وهيمنتها على العالم، وفي عدة مسارات:
- سيجعل إيران قوة إقليمية عظمى، وعلى أبواب التحول إلى قطب عالمي، وستصبح دول الخليج مضطرة للقبول بترتيبات معها؛ لضمان أمن المنطقة.
- انهيار معادلة البترودولار مع توقف دول الخليج عن بيع النفط بالدولار، وهي الآلية التي تبقي هيمنة الدولار، وتبقي الاقتصاد الأمريكي على قيد الحياة، مع عودة دورة أسعار النفط؛ لتصب في الاقتصاد الأمريكي عن طريق شراء السندات، والاستثمار في أسواق المال، وتمويل الدين الأمريكي الهائل (39 تريليون دولار).
- سيكون لدى الدول التي تستضيف قواعد أمريكية على أراضيها- وفي مقدمتها كوريا الجنوبية واليابان- تساؤل مهم: كيف ستحمينا أمريكا المنهكة من الصين وكوريا الشمالية، وهي العاجزة عن الاحتفاظ بقواتها وحماية حلفائها في أهم منطقة جيوسياسية في العالم؟ وهو ما سيجعلها مضطرة لوقف الاعتماد على الحماية الأمريكية، وزيادة الانفاق العسكري لحماية نفسها، والتوقف عن شراء الأسلحة الأمريكية، التي تشكل أحد أهم الموارد للاقتصاد الأمريكي المأزوم أساسًا.
- بدورها تراقب أوروبا -التي تمول الجزء الأكبر من الحرب الأوكرانية واللاجئين- بقلق ما يجري في الشرق الأوسط؛ لأن الانسحاب الأمريكي سيجعلها تخسر الحرب في أوكرانيا، وستكون مضطرة لصنع السلام مع روسيا، ورفع العقوبات عنها، وهذا سيضعها تحت النفوذ الروسي، وسيفكك الناتو، وحتى الاتحاد الأوروبي، وستفقد أمريكا هيمنتها على أوروبا، المستمرة من الحرب العالمية الثانية.
- التساؤل الأهم، وهو: كيف سيكون تأثير ذلك في الكيان الصهيوني الشريك في الإخفاق الأمريكي، لا سيما بعد توقف الحرب وفتح المطارات؟ إذ تزعزعت الأركان التي يقوم عليها الكيان الصهيوني، وهي الأمن والاقتصاد، كما سقطت العقيدة العسكرية في خوض حروب سريعة على أرض العدو، وفرض شروطها لوقف الحرب، وهو ما سيزيد من حالات الهروب الجماعي للمستوطنين، وهروب الشركات والمستثمرين ورؤوس الأموال، وهو ما سيضعه أمام خطر الانهيار الحقيقي من الداخل.
وسط هذا الانسداد في الأفق الأمريكي قد يكون الحل الوحيد العقلاني والمنطقي والمتوقع، هو التراجع الأمريكي بضع خطوات، وقبول معظم الشروط الإيرانية، مع قبول إيران بشروط تحفظ ماء وجه أمريكا وترامب، لكنها لا تمس موقفها وموقعها الجيوسياسي.
هذا يعني، أن على أمريكا التخلي عن عقيدة الهيمنة والسيطرة، والتوقف عن استعمال الدولار، سلاحًا في الحروب الاقتصادية والعقوبات ضد الدول الأخرى، والتخلي عن معظم قواعدها في العالم، وعليها الاعتراف بأن العالم القديم وعالم القطب الأمريكي الواحد انتهى دون رجعة، والجلوس مع الجميع، وفي المقدمة الصين وروسيا وإيران، والعمل على بناء عالم جديد، متعدد الأقطاب، لا تكون فيه أمريكا مهيمنة، وإنما شريكة مع القوى الأخرى، التي لها مصلحة في الاستقرار، وإنقاذ الاقتصاد العالمي، وتركه يعمل بطريقة تعود بالنفع على الجميع، وغير ذلك، قد يكون الخيار الوحيد المتاح هو الكارثة الأكبر والأخطر، وهو استخدام السلاح النووي، وعندها سيكون هناك كلام آخر، وحسابات أخرى، لن تكون أقل صعوبة للولايات المتحدة الأمريكية.