سيسجل تاريخ العالم أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران من الحروب النادرة في التاريخ، التي ستغير من توازنات القوى والقوة، التي ارتسمت على نتائج الحرب العالمية الثانية، وستعمل على رسم خرائط جيوسياسية جديدة للعالم.
هذا التأثير الجيوسياسي الاستثنائي لهذه الحرب جاء بسبب توقيتها، في ذروة مسار في تاريخ الحضارة البشرية، يشهد تبدلًا دراماتيكيًا، في توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، حيث المنظومة الرأسمالية الغربية بقيادتها الأمريكية ومحركها الصهيوني تتداعى…، والمنظومة الأوراسية برأسيها الصيني – الروسي تصعد، وهي (على وشك) إنهاء أكثر من منظومة جيوسياسية دفعة واحدة:
- إنهاء سيطرة الحضارة الأوروبية على البشرية، الممتدة منذ الإمبراطورية الرومانية إلى اليوم.
- إنهاء مرحلة القطب الأمريكي الواحد، التي بدأت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
- انتقال مركز الثقل العالمي، من ضفتي الأطلسي إلى آسيا.
- انتقال قيادة السياسات والاقتصاديات العالمية، من أمريكا إلى الصين.
هذه التحديات التي تواجه العالم الرأسمالي الغربي وقيادته الأمريكية، جعل أمريكا والدولة العميقة- التي تسيطر عليها الصهيونية العالمية- تسخر كل قوتها لمحاصرة الصين، وقطع شرايين الحياة عنها وعن اقتصادها، في محاولة لوقف مسار بكين، الذي سيقصيها عن قيادة العالم، سياسيًا واقتصاديًا، أو على الأقل تأخير هذا التحول قدر الإمكان، بانتظار إيجاد ظروف أفضل تكبح الاندفاعة الصينية.
سبقت العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران مقدمات أمريكية ناجحة، بدأت في سورية، التي تُعد -بما تمتلكه من موقع جيوسياسي- مفتاح منطقة غرب آسيا وشرق المتوسط، وانتهى الأمر بتغيير دراماتيكي، نقل سورية من ضفة محور المقاومة إلى الضفة الأخرى، مع ما رافق ذلك من تبدلات جيوسياسية عميقة في كل المنطقة، وهو ما شكل خطوة كبيرة وناجحة للمحور الأمريكي في مخططاته للهيمنة على كامل منطقة غرب آسيا، التي تعد المؤشر على صعود وانهيار الإمبراطوريات والدول العظمى على مدى التاريخ.
وحرب أوكرانيا، التي أرادتها أمريكا ومنظومتها الأوروبية، بوابة لضرب عوامل قوة روسيا، وصولًا إلى تقسيمها والسيطرة على ثرواتها الهائلة، وفي مقدمتها النفط والغاز، وقطعه عن الصين؛ إذ تعد روسيا أحد المزودين الرئيسين الثلاث للصين، بالنفط والغاز إلى جانب فنزويلا وإيران.
ثم العملية الأمريكية في فنزويلا، التي انتهت باعتقال الرئيس مادورو، ونقله إلى الداخل الأمريكي، وتنصيب حكومة تعمل تحت الهيمنة الأمريكية، مما أدى إلى قطع أحد الشرايين الرئيسة للاقتصاد الصيني؛ إذ كان يذهب 85% من النفط الفنزويلي إلى الصين.
مع هذه اللحظة التاريخية، أرادت الولايات المتحدة الأمريكية استكمال مخططاتها؛ لمحاصرة الصين، بالسيطرة على إيران وثرواتها من النفط والغاز بشكل خاص، وإسقاط قيادتها المعادية للمنظومة الأمريكية الصهيونية؛ لتستكمل بذلك السيطرة على كامل منطقة غرب آسيا، وخنق الصين، وإنهاء مشروعها (الحزام والطريق) الذي يمر من إيران، وينتهي على السواحل السورية؛ ليتم لاحقًا، حسم الوضع في أوكرانيا لصالحها، مما كان سيسفح المجال أمام الولايات المتحدة الأمريكية للتفرغ للصين، وتوجيه ضربة قاصمة لها ولاقتصادها، ووقف تهديدها للقيادة الأمريكية للعالم.
الآن وبعد دخول العدوان شهره الثاني، بدأت تتضح الصورة أكثر فأكثر، لتظهر أن حسابات الحقل الأمريكي الإسرائيلي لم تتوافق مع حسابات البيدر الإيراني؛ إذ صمدت إيران بشكل لم يكن يتوقعه تحالف العدوان، وبدأت ملامح خسارة أمريكا وإسرائيل للحرب تظهر.
كما ظهر العجز الأمريكي الإسرائيلي في استجداء المساعدة من الحلفاء، الذين رفضوا الدخول في هذه الحرب، مما أدى إلى مواقف متشنجة من ترامب، وحتى دول الخليج- التي تتعرض لضربات مؤلمة خلال استهداف إيران، للمواقع الأمريكية فيها- رفضت دخول الحرب بشكل رسمي، واكتفت بمحاولة التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية.
آراء المحللين والخبراء الاستراتيجيين- حتى داخل أمريكا وإسرائيل- تؤكد بمعظمها أن هذه الحرب عبثية، ولن تحقق أهدافها، وكان لافتًا تصريح رئيسَي الأركان الأمريكي والإسرائيلي بمخاطر الحرب، وقول رئيس الأركان الإسرائيلي: إن جيشه مهدد بالانهيار.
الخسائر الأمريكية الإسرائيلية الكبرى، لن تكون في الأرواح والمعدات والأسلحة، وإنما في النتائج، والتداعيات الجيوسياسية الهائلة، ومنها:
- إذا كانت أمريكا عاجزة عن مواجهة دولة إقليمية مثل إيران، فكيف ستواجه دولة عظمى وقوية مثل الصين، لا سيما في حال وجدت الصين أن الفرصة باتت مناسبة لضم تايوان؟
- ستصبح أمريكا والدول الأوروبية عاجزة عن الاستمرار في دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، وهذا سيجعل روسيا تحقق أهدافها في أوكرانيا بأكثر مما كانت تحلم به قبل الحرب على إيران، وسيؤدي إلى تفكك الناتو، وانتهاء المكانة الجيوسياسية لأوروبا، مما سيسرِّع في إنهاء المنظومة الغربية الرأسمالية، وهيمنتها على العالم.
- ماذا سيكون مصير الحلم الإسرائيلي في “تغيير خريطة الشرق الأوسط” التي تبجح بها نتنياهو كثيرًا، ووصل الأمر معه إلى حد رفع خريطة إسرائيل الكبرى في الأمم المتحدة؟
- وماذا سيكون مصير الاتفاقيات الإبراهيمية؟
- كيف ستكون مواقف دول الخليج وعلاقتها مع أمريكا، وهي تكتشف أن القواعد الأمريكية، ومحطات الاستطلاع، والدفاع الجوي الموجودة فيها، التي أقيمت بتمويل باهظ منها؛ بداعي حمايتها، لم تحمهم وإنما هي بحاجة لحمايتهم، وأن هذه القواعد أقيمت لهدف واحد، وهو حماية إسرائيل فقط، وأن إيران تمكنت من تدمير معظمها، وما زالت تواصل هذه المهمة، وهذا التساؤل عن جدوى القواعد الأمريكية، سيصل إلى كل الدول، التي تتواجد فيها قواعد أمريكية، مثل كوريا الجنوبية، واليابان، والدول الأوروبية.
- كيف سيكون وضع اقتصاديات دول الخليج ومناطق النمو فيها، مثل دبي، التي قامت على أساس الاستقرار الأمني والسياسي.
بعد كل هذه التطورات، يمكن القول: إن النتائج الجيوسياسية، التي ستنتج عنها ستتحقق، حتى لو جرى الإعلان عن قف الحرب الآن، وقد تكون هذه الحرب، بالنسبة لأمريكا، كحرب السويس عام 1956بالنسبة لبريطانيا، التي كانت إعلان نهاية بريطانية إمبراطورية عظمى، وانتقال هذه المكانة إلى الإمبراطورية الأمريكية، لكن التداعيات الجيوسياسية في حال تأكد الفشل الأمريكي الإسرائيلي، سيكون أخطر وأبعد بكثير من تداعيات حرب السويس؛ لأن خريطة التوازنات الإقليمية والعالمية والخريطة الجيوسياسية للمنطقة والعالم ستتغير بشكل جذري، وستؤدي إلى نهاية الهيمنة الأمريكية على السياسات والاقتصاديات العالمية، ويتم الانتقال إلى العالم المتعدد الأقطاب، وانتقال مركز الثقل العالمي- لأول مرة- من العالم الأنغلو سكسوني، ومن ضفتي الأطلسي إلى آسيا.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دخلت مرحلة “كسر الإرادات”، وبدأ الشد في العض على الأصابع، ومن سيصرخ أولًا سيدفع كل الثمن، ومن سينتصر في هذه الحرب ستكون له اليد العليا في رسم الخرائط الجيوسياسية في العالم الجديد الذي يتشكل، وفي حال تمكنت إيران من الصمود في هذه الأيام – كما هو متوقع – سيكتب التاريخ أن العالم الجديد رُسِم من ميدانها، وعلى ذلك سيبنى الكثير الكثير… فلننتظر.