توطئة
يبرز جسر النور مشروعًا استراتيجيًا بإمكانية تحويلية هائلة لليمن إلى مركز اقتصادي يربط الجزيرة العربية بالقرن الإفريقي، ويعزز التكامل والتجارة الاقتصادية، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية.
يعود تاريخ المشروع إلى العام 2008 عندما اقترحته شركة الشرق الأوسط للتطوير لربط القارتين بجسر طوله 28.5، بتكلفة قدرت بنحو 20 مليار دولار مع إنشاء مدينتين تجاريتين على طرفي الجسر، وقد توقف المشروع قبل بدايته بسبب الفساد، والأوضاع التي مرت بها اليمن والمنطقة منذ 2009، إلا أن الحديث عنه تجدد خلال المدة الأخيرة عن طريق أصوات تنادي به مشروعًا يمكن أن يعيد الحياة للاقتصاد اليمني الذي أنهكته الحرب.
وعلى الرغم من الفرصة الاستراتيجية والاقتصادية التي يقدمها الجسر إلا أنه يحمل الكثير من التساؤلات، من بينها: ما سبب عودة الحديث عنه في الوقت الحالي بعد قرابة العقدين، في الوقت الذي تعاني اليمن من أوضاعًا داخلية صعبة واختلالات أمنية تعيق تحقيق الهدف المرجو منه، إضافة إلى تصاعد التوتر الإقليمي في القرن الإفريقي وباب المندب؟
ومع أن هناك مكاسب اقتصادية كبيرة للمشروع، إلا أن ثمة دوافع سياسية وراء فكرة ” جسر النور ” تقتضي البحث في أسبابها وتحليل أبعادها العلنية والمستترة.
خلفية تاريخية
تعود فكرة الجسر للعام 2008، حين اقترحت شركة الشرق الأوسط للتطوير مشروع تنفيذ جسر يربط بين اليمن وجيبوتي بتكلفة قدرت بـ 20 مليار دولار، وبتكلفة إجمالية للجسر والمدينتين بـ 200 مليار دولار، بطول كلي حوالي 28,5 كم، يربط البر اليمني بجزيرة ميون، وميون بجيبوتي بـ 6 مسارات عربات و4 سكك قطار وخطي أنابيب، مع إنشاء مدينتين صناعيتين على طرفي الجسر، وقد حظي باهتمام عدة جهات حينها، وقيل: إن الشركة استثمرت بالفعل مبالغ لم يفصح عنها ذلك الحين1.
ووقع الاختيار على شركة نور سيتي الأمريكية، تتولى تخطيط وإدارة الجسر، التي أعلنت بدورها أن الجسر سيكون بناؤه على مرحلتين، بما يخدم التبادل التجاري بين الجزيرة العربية ودول القرن الإفريقي واقتصادات دول المنطقة بشكل عام2، وصرح مديرها آنذاك ” طارق بن لادن” أن المشروع سيخدم الاقتصاد في كلا البلدين بشكل كبير.
بدأ التخطيط للمشروع باستقطاب سيولة قدرت حينها بـ 50 مليار دولار من بنوك ومستثمرين من المملكة والخليج وأوروبا والصين3، مع تأكيد الشركة الانتهاء من التخطيط المبدئي للمشروع، والمناقشات مع الشركة الدانمركية COWI حول جدوى المشروع والمدة الزمنية وجوانب المشروع المعقدة، وعمل الدراسات في قاع البحر ومناطق مدخل الجسر، إضافة إلى التصاميم الأولية4.
وعلى الرغم من الدراسات المبدئية والإعلان والتخطيط الأولي إلا أن المشروع اعتراه غياب ملحوظ بالنسبة للجانب اليمني، وذلك عكس جيبوتي التي جرى فيها توقيع الاتفاقية مع شركة النور للبدء في تنفيذ المشروع.
وقد واجه المشروع عدة تحديات منذ 2008 الذي صاحب الأزمة المالية العالمية، وانخفاض أسعار النفط 2014-2016، والأوضاع غير المستقرة التي شهدتها اليمن منذ 2011، وكذا جائحة كوفيد19، كلها عوامل جعلت الحصول على تمويل غاية في الصعوبة، وعلى الرغم من دخول المشروع مرحلة طويلة من التجميد، إلا أن هناك مؤشرات على إحيائه من جديد.
التوقف والعودة: 2009-2024
شهد المشروع توقفًا طويلًا منذ 2009، وعلى الرغم من التوقعات الاقتصادية الكبيرة للمشروع إلا أن هناك عدة عوامل سياسية واقتصادية وأمنية أدت إلى تجميده، منها:
- اتساع مدى الأزمة السياسية منذ عام 2011، وتفاقمها منذ التدخل الخارجي في مارس 2015 بقيادة السعودية، وبتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية، وكان للتدخل السعودي الاماراتي أثره الكبير في تدمير البنية التحتية، وتقسيم البلاد، وتعطيل المشاريع التنموية5.
- أدت الحرب على اليمن منذ العام 2015 إلى تضرر البنية التحتية والموانئ بشكل كبير مع عدم القدرة على تجديدها في ظل الأوضاع الحالية6.
- الأزمات الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط عالميا صعوبات حالت دون تنفيذ المشروع، الذي كان يحتاج إلى 200 مليار دولار7.
- خلال هذه المدة نجمت مخاطر أمنية أسهمت في إعاقة المشروع، وأدت إلى تجميده، ومنها القرصنة والجريمة البحرية، والمخاوف من أن يوفر الجسر تسهيلات لانتقال الإرهابيين8.
- من أهم المخاوف من المشروع ارتباطه بإسرائيل ومصالحها في المنطقة.
الأهمية الاقتصادية للمشروع
لا تشمل المكاسب الاقتصادية المتوقعة للمشروع في ربط بلدين، بل بين قارتين أيضًا، فهو ينطوي على فرصة لإعادة تشكيل خطوط الإمداد والتجارة، وتقليل الاعتماد على الطرق البحرية، وتعزيز التبادل التجاري بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، ومن المكاسب المحتملة التي يمكن الإشارة إليها:
- فتح طرق تجارية جديدة وتخفيض تكاليف النقل9.
- توفير فرص عمل لمليون مواطن يمني و500 ألف جيبوتي بما يحفز النمو الاقتصادي10.
- تعزيز الموقع الاستراتيجي لليمن وجيبوتي مركزين محوريين في التجارة العالمية.
- إنشاء مدينتين ذات أهمية في المجال المالي والتجاري والأعمال على مستوى العالم.
- استقطاب المؤسسات والشركات الرائدة من أرجاء العالم.
- توفير إيرادات مستدامة للبلدين من رسوم العبور والخدمات اللوجستية.
كما يشتمل المشروع على مكاسب أخرى مضافة؛ لأنه قد يشكل فرصة لاستقطاب دعم دولي بما يعزز الاقتصاد اليمني واستقراره، والحد من الازدحام السكاني في المدينتين، وتعزيز الحركة على ضفتي البحر الأحمر، فوق ذلك يمنح المشروع اليمن فرصة المزيد من التحكم في باب المندب، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وما يمثله من تعزيز للأمن الإقليمي في منطقة تتمتع بأهمية جيوسياسية كبرى.
علاقة ” إسرائيل ” بجسر النور
انطلاقًا من مخاوف استمرار وجودها الاستعماري تحاول إسرائيل صناعة وكلاء لها في المنطقة وعملاء يقومون بخدمتها، وتعمل في سبيل ذلك على دراسة التحركات في المنطقة، والعمل على خلق مجالات للتعاون الأمني والاقتصادي مع بعض دول الخليج مثل (الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والبحرين)11، وفي نفس الاتجاه تبنت إسرائيل مسارات للتطبيع مع الدول المجاورة مستندة في ذلك على المصالح الاقتصادية، ومدعومة بالنفوذ الأمريكي، ومستغلة الخلافات والصراعات بين دول المنطقة.
وقد كان لإسرائيل مصلحة واضحة في أن يكون لتحالف الحرب على اليمن اليد العليا، بزعم مواجهة النفوذ الإيراني، الذي يُهدد المصالح الإسرائيلية، وتحت مخاوف خنق الملاحة البحرية من وإلى إسرائيل، بحكم علاقة أنصار الله بحركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.
وفيما يتعلق بمشروع جسر النور كشفت تقارير عن زيارة سرية إلى إسرائيل قام بها ولي العهد السعودي في 2017 مع وفد أمنى يضم أنور عشقي، وقد صرح الأخير فيما بعد بقوله: “لا يمكن أن تستقر المنطقة وتتطور، ولا يمكن لجسر النور أن ينفذ إلا بشروط، منها إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتأمين خط الملاحة البحري بالتحديد باب المندب12.
والمرجح أن إسرائيل تخشي أن يرى المشروع النور في ظل دولة يمنية قوية وموحدة؛ ما قد يعطي اليمن مزيدًا من السيطرة على باب المندب، ويشكل تهديدًا كبيرًا لإسرائيل، لكن في حال قيام كيان انفصالي جنوبي اليمن، سيكون المجال متاحًا لإسرائيل للسيطرة غير المباشرة على المشروع، وقد يكون اعترافها بإقليم أرض الصومال خطوة على طريق إحياء مشروع جسر النور وتوظيفه لصالح مخططاتها السياسية والاقتصادية، وتوسيع مدارات التحكم الأمني والعسكري في القرن الإفريقي.
التحديات والمخاطر المستقبلية
تبرز عقبات وتحديات كبيرة أمام المشروع وتنفيذه مستقبلًا، فهناك تحديات سياسية وأمنية وأخرى اقتصادية، أهمها حالة الحرب وعدم الاستقرار التي تعيشها اليمن، وما يرافقها من انقسام سياسي، ومن التحديات الاقتصادية: الجانب التمويلي الضخم وما يستلزمه من حشد استثمارات كبيرة، مع تعقيدات التمويل الدولية.
ويواجه المشروع عدة تحديات طبيعية، بينها:
- عدم انتظام التيارات المائية في باب المندب وتعقيدها13.
- المرور المتواصل للسفن في منطقة المشروع14.
- رصد نشاط زلزالي مكثف في موقع الجسر مصحوب بتحرك الصفائح التكتونية وتغير جذري في قاع البحر نتيجة تدفقات الحمم البركانية15.
وإذا تجاوزت اليمن وجيبوتي كل هذه التحديات فإن الأجندة الخارجية تبقى حاضرة بقوة، لاسيما في ظل الأوضاع الحالية؛ إذ تتطلع إسرائيل وتعمل على ” شرق أوسط جديد “، عن طريق التطبيع السياسي والشراكات الاقتصادية المباشرة منها وغير المباشرة (بواسطة أذرعها في المنطقة مثل الإمارات).
ومن المخاوف المتوقعة أن يكون إنشاء الجسر مدخلًا لتدويل باب المندب، وذريعة للسيطرة عليه من الدول المهيمنة بذريعة حماية الملاحة وضمان حق المرور البريء.
خاتمة
يعد جسر النور مشروعًا استراتيجيًا في موقع استراتيجي، يحمل معه فرصة كبيرة لنهوض اليمن اقتصاديًا، وهو ما يبرر عودة الحديث عن المشروع على رغم الأوضاع غير المستقرة.
غير أن المضي في المشروع يتطلب تجاوز الكثير من التحديات التي تناولتها هذه الورقة، والحذر من الدور الإسرائيلي في توجيه المشروع لصالح أجندتها المعلنة، وعليه يوصي الباحث بضرورة بناء تحالفات إقليمية ودولية متوازنة تصب في خانة حماية المصالح اليمنية من تغول إسرائيل وأذرعها، التي كشفت عن أطماعها في موانئ اليمن وموقعه الجيوستراتيجي، ولن يكون ذلك متاحًا إلا بعودة الاستقرار السياسي والأمني في كل أنحاء اليمن.
وفي نفس السياق، على اليمن تطوير العلاقات بإفريقيا، تحديدًا مع دول القرن الإفريقي؛ لما تحمله من بعد استراتيجي، ومصالح مشتركة لدول المنطقة، وبما يساعد على تعزيز الأمن الإقليمي في البحر الأحمر، والحد من التدخلات الخارجية.
المصادر:
- Arab News, “Al-Noor cities — ‘bridge of the horns’”, July 31, 2008, https://www.arabnews.com/node/314239. ↩︎
- صحيفة الاقتصادية، “شركة أمريكية تفوز بعقد الجسر البري بين اليمن وجيبوتي بـ 20 مليار دولار”، 1 مايو 2009، https://www.aleqt.com/2009/05/01/article_94220.html. ↩︎
- أرقام، “طارق بن لادن لـ ‘الوطن’: تنافس على تنفيذ المطار والميناء والجسر بين اليمن وجيبوتي،”، 29 يوليو 2008، https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/672421. ↩︎
- MEED Editorial, ““Bridge of Horns” Crossing Project Seeks Funding for Detailed Design Phase,” MEED, September 4, 2008, https://www.meed.com/bridge-of-horns-crossing-project-seeks-funding-for-detailed-design-phase.
↩︎ - Marcus Montgomery, “A Timeline of the Yemen Crisis, from the 1990s to the Present”, Arab Center Washington DC, February 19, 2021, https://arabcenterdc.org/resource/a-timeline-of-the-yemen-crisis-from-the-1990s-to-the-presen ↩︎
- FEWS NET, “Conflict and its impacts on the economy are resulting in Emergency outcomes”, October 2025, https://fews.net/middle-east-and-asia/yemen/food-security-outlook/october-2025. ↩︎
- صحيفة عكاظ “جسر القارتين يشغّل مليونا ونصف المليون عامل ويدشن مدينتين في اليمن وجيبوتي”. 22 أغسطس 2008: https://www.okaz.com.sa/article/207460 ↩︎
- Chris Heffelfinger & Olivier Guitta, “Proposed Yemen-Djibouti Bridge Threatens AFRICOM Security”, Jamestown Foundation, October 24, 2008, https://jamestown.org/proposed-yemen-djibouti-bridge-threatens-africom-security/. ↩︎
- Bruno Teles, ” The $125 billion suspension bridge: Construction that will connect Africa and Asia over 32 km over the Red Sea”, Click Petroleoe Gas, December 21, 2024, https://en.clickpetroleoegas.com.br/a-ponte-suspensa-de-us-125-bilhoes-construcao-que-vai-conectar-africa-e-asia-em-32-km-sobre-o-mar-vermelho/. ↩︎
- أرقام، مرجع سابق. ↩︎
- Danny Citrinowicz ، “Symposium: Iran’s Involvement in the African Continent—Regional and Global Contexts and Implications for Israel”, The Institute for National Security Studies (INSS، (January 2026 ، https://www.inss.org.il/he/strategic_assessment/africa-iran/. ↩︎
- المساء برس، “اليمن وإفشال مشروع جسر النور ولجوء السعودية لإنشاء قناة سلمان”، 1 نوفمبر 2017، https://shorturl.at/xbmTG ↩︎
- أرقام، مرجع سابق. ↩︎
- طاهر حزام، “جسر اليمن وجيبوتي يطيح بمشروع جسر السعودية بمصر وكاتب مصري يتهم اليمن بالسرقة”، صنعاء نيوز، 12 فبراير 2013، https://sanaanews.net/news-19245.htm ↩︎
- ABC News, “Bin Laden’s Brother Plans Bridge over Red Sea”, April 28, 2008, https://www.abc.net.au/news/2008-04-28/bin-ladens-brother-plans-bridge-over-red-sea/2418050 ↩︎