السعودية والكيان الغاصب بين مركزية الاستباحة وهامشية التطبيع

السعودية والكيان الغاصب بين مركزية الاستباحة وهامشية التطبيع

ورقة تحليلية│8 فبراير 2026

في العقدين الثالث والرابع من “تاريخ” كيان العدو الإسرائيلي تضخم لديه إدراك مخاطر ما قد يواجهه إذا بقيت حدود سيطرته داخل الأراضي الفلسطينية وبعض الدول العربية، حتى مع توسعه بعد حرب 67، ويمكن حصر هذه المخاطر في ثلاثة مهددات:

الأول: المساحة المحدودة للهجرة اليهودية المتواضعة:

بالنسبة لمشروع “إسرائيل” الكبرى، بالإضافة إلى العدد المتواضع لليهود الذين انتقلوا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، كانت جغرافية فلسطين المحتلة والعدد المحدود للمستطونين اليهود لا تخدم الأهداف المرسومة للاحتلال، بما في ذلك الخطط الغربية التي ستشارك كيان العدو الإسرائيلي مواجهة ذلك، ولا يزال هذا التهديد قائمًا، ويمثل تحديًا لكيان العدو الإسرائيلي، وسيجري الحديث عنه لاحقًا ضمن (مبدأ الاستيطان).

الثاني: الخنق المائي:

إمكانية تعرض المدن الاستيطانية لخنق مائي شديد، وهو تهديد كبير يقيد كيان العدو الإسرائيلي، وقد شرعت الدراسات والكتابات والاستشرافات التي أجرتها مراكز دراسات إسرائيلية وأوروبية بوضع هذا التهديد أمام الكيان.

تشمل منابع المياه إلى الأراضي الفلسطينية ثلاث دول عربية حدودية، الأردن وسوريا ولبنان، وقد حددت في أكثر من مصدر إسرائيلي، وكذلك من تصريحات قادة كيان العدو الإسرائيلي على غرار بن غوريون وحتى قادة الحركة الصهيونية. والغريب أن مسألة المياه بحثت قبل احتلال فلسطين وقبل النكبة العربية 1948.

يقول بن غوريون: ” علينا أن نتذكر أنه من أجل قدرة الدولة اليهودية على البقاء علينا أن نكون من جهة جيراننا لبنان المسيحي، ومن جهة أخرى يجب أن تكون أراضي النقب القاحلة، وكذلك مياه الأردن والليطاني مشمولة داخل حدودنا “.

لاحقًا ظهر ما أطلق عليه ” مشروع جونسون ” الذي دعمه الرئيس الأمريكي إيزنهاور، ويقوم على فكرة ” مفاوضة قاسية ” مع حكومات الأردن وسوريا ولبنان ومصر على تقاسم مياه وروافد نهر الأردن مع “إسرائيل”.

لقد وضعت الصهيونية مسألة توفير المياه وتجنب أية أزمات متعلقة به بالسيطرة على ثلاثة مصادر:

  • هضبة الجولان السوري المحتل وجبل الشيخ الاستراتيجي.
  • مياه نهر الأردن والضفة الغربية المحتلة.
  • السيطرة على مياه الليطاني اللبنانية.

الثالث: وجود مقاومة وسلاح تحيط بالأراضي الفلسطينية المحتلة:

ومثلما عرفنا أن أحد أهم مخرجات اتفاقيات رودس ولاحقًا اتفاقية كامب ديفيد يتعلق بعزل القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال على الفلسطينيين، وإخراج الدول العربية المحيطة بفلسطين عن الصراع – وقد تمكن كيان العدو الإسرائيلي من تحقيق ذلك بالحرب وحققها الحليف الأمريكي الأوروبي باتفاقيات ” التطبيع ” بالمدلول النفعي- فإن تطبيق هذه الاستراتيجية مع سوريا ولبنان تحديدًا لا تكفي أن تؤدي إلى تحقيق ” الأمن المطلق “.

إن هذه المهددات الثلاث لا يمكن معالجتها من منظور إسرائيلي إلا باجتياح سوريا ولبنان والأردن أو أجزاء محددة منها؛ لتحقيق الأمن المائي، ومن ثم التفاوض لتحقيق “التطبيع “، فالتطبيع لا قيمة له حين يبقي كيان العدو الإسرائيلي بعيدًا عن السيطرة والنفوذ.

لقد تمسك كيان العدو الإسرائيلي بهضبة الجولان السوري المحتلة، وكان يريد التوسع أكثر في سوريا، لكنه اصطدم بنتائج انتصار أكتوبر السوري المصري، ولا حقًا رفض دمشق والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أي تنازلات، ولذلك جاء اجتياح العدو الإسرائيلي للبنان في 1982.

تتقاطع في الغزو الإسرائيلي للمنطقة الحدودية للأراضي الفلسطينية أربعة أهداف رئيسة:

  • تأمين التدفق المائي كما أشرنا سابقًا، ولا يأتي ذلك دون السيطرة الفعلية على أجزاء من سوريا، وصولًا إلى جنوب لبنان حتى صور.
  • منع قيام أي مقاومة فلسطينية أو عربية في هذه الدول.
  • توسيع الاستيطان وإظهار التفوق الإسرائيلي للحصول على مزيد من الهجرات اليهودية وتوقف الهجرة المعاكسة.
  • المنظور الديني اليهودي الذي يرى في لبنان وسوريا والأردن وأجزاء من السعودية، وصولًا إلى العراق ” حق يهودي “.

خلال احتلال العدو الإسرائيلي جنوب لبنان ظهر ما أشير إليه ” بالتطبيع القهري”، وهي حالة احتلال مكتملة يجري خلالها التعامل مع كيان العدو الإسرائيلي تحت الإكراه، وكسر العزلة التي يعانيها باستخدام القوة.

إن تحقيق هذه الاستراتيجية فشلت فشلًا ذريعًا، لا باستخدام الحوار والتفاوض العربي مع كيان العدو الإسرائيلي، وإنما بالمقاومة المسلحة، ما حققته المقاومة اللبنانية حزب الله والمقاومات الفلسطينية في لبنان – فتح والجبهة الشعبية والجهاد وحماس وغيرها-  كان أكبر من مواجهة للعدو الإسرائيلي وهزيمته ودحره، ونجمل تلك المنجزات في الآتي:

  • إعادة الاعتبار للمقاومة المسلحة والسلاح والجهاد.
  • وحدة سلاح المقاوم الفلسطيني العربي وكسر عزل القضية الفلسطينية وعزل الدول العربية المحيطة.
  • تحرير الأرض وإعادة كيان العدو الإسرائيلي وعصاباته مهزومًا.
  • كسر الردع والتفوق الذي كان يستخدمه على أكثر من اتجاه.
  • منع التوسع الاستيطاني وإجهاض مشروع ” إسرائيل الكبرى”.

هذه النتائج التي حققتها المقاومة الفلسطينية واللبنانية بدعم من الجمهورية الإسلامية في إيران والنظام السوري في دمشق، مثلت زلزالًا كبيرًا لرعاة كيان الاحتلال الدوليين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وهو تحول كبير كان يمكن البناء عليه ومراكمته، فوجود الجمهورية الإسلامية في إيران بسقف عال في أشد الظروف قسوة على القضية الفلسطينية، أعاد التعويض عن مصر بعد كامب ديفيد، بل وربما عن الوطن العربي والإسلامي، وقد أدركت الأحزاب اليسارية والقومية أهمية ذلك؛ فعززت علاقتها بالجمهورية الإسلامية، ويمكن القول: إن الحرب الإيرانية العراقية شوشت بشكل كبير على التحالف مع إيران، ولم يكن ذلك منصفًا؛ إذ لا يمكن تبرير الحرب العراقية على إيران حتى بمزاعم تصدير الثورة الإسلامية.

ولأننا قد أشرنا إلى التموضع العربي من الصراع مع كيان العدو الإسرائيلي ضمن مدلولات التطبيع المختلفة، سنعود إلى التطبيقات التي يريدها العدو الإسرائيلي مع المحيط العربي سوريا ولبنان تحديدًا، وفي درجة ثالثة الأردن، ولكن هذه المرة بعد هزيمة العدو الإسرائيلي أمام المقاومة اللبنانية حزب الله وطرده من الجنوب اللبناني، فبعد أن كان يحاول فرض التطبيع القهري بدأ يقارب نتائج عقد ما قبل الألفين بطريقة لا تتجاهل المتغير المهم، مقاومة وسلاحًا وحاضنة وحضورًا وتأثيرًا عربيًا وإسلاميًا.

هل يعود مشروع التطبيع بمدلول آخر؟ لقد أراد ذلك في سوريا لفصلها عن المحور الذي تكُوَّن للتو، لكنه لم يجد ذلك ممكنًا، فضلًا عن امتداد نفوذ سوريا إلى لبنان والعلاقة السورية بالمقاومة اللبنانية. لقد تقرر لديه -بصورة أو بأخرى- أن التهديد لم يعد يعالج بالتطبيع، وإنما بالتغيير وإعادة تشكيل المنطقة بعيدًا عن نظام البعث السوري وحزب الله والمقاومة الفلسطينية حماس والفصائل الأخرى، هذه معركة لا يقدر عليها وهي موضوعة على التحالف الأمريكي الأوروبي وبعض العرب. سأعود لاحقًا إلى المقاربة الإسرائيلية لهذه المنطقة، ولنقرأ الآن كيف أدارت الولايات المتحدة الأمريكية معركة إسقاط المحور المقاوم لصالح كيان العدو الإسرائيلي.

 السعودية خارج “الصراع ” العربي الإسرائيلي

باستثناءات محدودة خلال العشرية الستينية ونصف السبعينية، كانت السعودية باردة تجاه الصراع مع كيان العدو الإسرائيلي كما لو أنها غير معنية، لكنها بالفعل لم تكن ضد القضية الفلسطينية والمقاومة، وهذا لا يكفي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، كان على واشنطن إيجاد معركة جديدة للسعودية بعد مشاركتها فيما يسمى مواجهة “التمدد الشيوعي” والاتحاد السوفيتي.

هذه المرة نحو إيران، المعركة الأكثر خطرًا على فلسطين والمنطقة حتى هذه اللحظة، وبمراجعة سريعة لتاريخ “المعركة المفتعلة” سنجد اندفاعة سعودية، وتطورت لاحقًا إلى أحزاب ومكونات إسلامية، اتسعت هذه الجبهة تدريجيًا، وكانت متعددة الأوجه، السياسية والفكرية والمذهبية والطائفية والعنصرية القومية.

كان ذلك وجه السعودية في التسعينيات، في المقابل احتضنت السعودية على المستوى الرسمي كل المسارات التي تشجع على “اتفاقيات” مع العدو الإسرائيلي. إذا أخذنا الأدلة الأقرب علينا العودة إلى سلسلة الحلقات التي سجلها الأمير السعودي بندر بن عبد العزيز -الذي شغل مناصب متعددة، بينها سفير المملكة في الولايات المتحدة الأمريكية- الحلقات سجلت وبثت في القناة السعودية العربية في العام ـ2018 شيطن خلالها القضية الفلسطينية وكل أجنحتها بما في ذلك السلطة الفلسطينية، وما نريده هو حديثه عن دور السعودية في “اتفاقية أوسلو” وإقناع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

مبادرة الملك عبد الله (بيروت 2002)

عندما حدثت الانتفاضة الفلسطينية في العام 2000 وبالتزامن مع طرد كيان العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان، كانت المملكة العربية السعودية على خلاف طويل مع الجزء الأكبر من الدول العربية والإسلامية.

  • أزمة وتوتر مع إيران.
  • أزمة وتوتر مع العراق (خلال حكم صدام).
  • أزمة وقطيعة مع سوريا وحزب الله.
  • شكوك ومخاوف مع التواصل التقليدي العابر مع المقاومة الفلسطينية.
  • خلاف مع النظام الليبي والرئيس العقيد معمر القذافي.
  • خلافات متعددة وتباين مع بعض الأنظمة في مجلس التعاون الخليجي.

وفي الوقت الذي كانت الجيوش الأمريكية الأوروبية تغزو أفغانستان “لإسقاط طالبان” واحتلال البلاد التي زعمت أنها قاتلت لتحريرها من الاتحاد السوفيتي، بدأ الغزو الأمريكي يستهدف كل المنطقة في معركة واشنطن، التي حددت مقاييسها وآدواتها تحت عنوان ” محاربة الإرهاب”، وفي حين سقطت المدن الأفغانية وغيرت أمريكا النظام في كابول وأقامت نظامًا بديلًا، أعلنت الاستعداد لغزو العراق وتغيير نظام صدام حسين، كان المبرر الذي أُشهر امتلاك أسلحة دمار شامل، وكذلك جرى الحديث خلال ذلك عن سوريا.

مع كل ما سبق، ووسط هذه الظروف أعلنت الرياض في القمة العربية المنعقدة بلبنان، ما عرف لاحقًا بمبادرة الملك عبد الله بيروت 2002، التي تنص على الاعتراف بكيان العدو الإسرائيلي بحدود 67. إن السعودية التي لديها كل تلك الخلافات مع المقاومة اللبنانية والمحور الذي تقوده الجمهورية الإسلامية، كانت غير قادرة أن تقول “ما البديل” ، إذا رفض كيان العدو الإسرائيلي المبادرة!

فوق ذلك كان ” التطبيع ” القهري بالمدلول الذي أشرنا إليه خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بدأ يعمل مع الدول العربية وبعض الإسلامية باجتياح سياسي ونفوذ أمريكي، الدول العربية والخليجية وبينها السعودية كانت قد بدأت تتعامل تجاريًا واقتصاديًا مع الشركات الإسرائيلية، ورؤوس الأموال الإسرائيلية، وسيظهر لاحقًا أن تركي الفيصل – الأمير السعودي المرموق ” والمفكر ” في العائلة السعودية- كان يقول للإعلام خلال لقاءات مع نظراء إسرائيليين في ندوات “لندنية”: إن السعودية تنظر إلى أن اجتماع المال السعودي والخليجي والعقل الإسرائيلي الاقتصادي يمكن أن يصنعان معًا نهضة كبيرة في الشرق الأوسط، ما بين 2014- 2020.

إنها الظروف والمقاربات التي لا يمكن أن تنسجم مع الحصول على أي تسوية مع كيان العدو الإسرائيلي على رغم تراجعه، ومن ثَمَّ لم يكن الكيان حريصًا على إيجاد تطبيع يتضمن تراجعًا داخل الأراضي الفلسطينية ووقف الاستيطان.

البارز في مبادرة بيروت 2002 أن الاعتراف بـ “إسرائيل” مشروط بقيام الدولة الفلسطينية بصيغة معينة يتم إعادتها منذ ذلك الوقت ” دولة من دون جيش وسيادة كاملة “، لن يتم تطبيقها ولكن الدول العربية بما في ذلك السعودية مارست أشكالًا متعددة من التواصل مع كيان العدو الإسرائيلي، فماذا يريد الاحتلال أكثر من

ويدرك المتابع المتواضع ببساطة شديدة أن مبادرة الرياض لن تكون مقبولة في ظروف مثل هذه، ليس لأن سقفها مرتفعًا، بل لأن العدو الإسرائيلي لا يرى أنه بحاجة لمثل هذه المبادرة، ولا يحتاج إلى مزيد من العلاقات ” والتطبيع ” مع دول خارج المنطقة المحيطة بالأراضي الفلسطينية حتى ” بوزن ” السعودية تطبيعًا مقابل تنازل في الأراضي الفلسطينية حتى لو كانت شكلية.

من هنا فإن ” للتطبيع ” مدلولًا آخر عند كيان العدو الإسرائيلي، عندما يتعلق الأمر بالدول العربية التي لم يسبق أن دخلت في حالة صراع معه، بل تعمل لصالحه في أكثر الظروف حساسية، وتنفذ ما يمكن أن يترتب بعد أي تبادلات دبلوماسية واعترافات متبادلة. لن أغرق في تفاصيل العلاقات الإسرائيلية السعودية فلها بحث مستقل، ما نركز عليه هنا يرتبط بمدلول التطبيع في الاستراتيجية الإسرائيلية.

تطبيع مقابل ” وعد ” بالدولة الفلسطينية  

بعد أكثر من 33 عامًا من اتفاقية “أوسلو” و21 عامًا من مبادرة الملك عبد الله في بيروت، وعلى رغم أن العدو الإسرائيلي تجاوز كل ذلك بالاستمرار في الاستيطان وتصفية القضية الفلسطينية، ووسط الإبادة الجماعية في غزة 2023- 2025 انتقلت السعودية إلى مسار يتناقض مع المبادرة التي تكررت الإشارة إليها: التطبيع مقابل الاعتراف الإسرائيلي بالدولة الفلسطينية، الانتقالة الجديدة تقوم على فكرة جديدة، التطبيع مقابل مسار يوصل إلى قيام الدولة الفلسطينية.

مصطلح بسيط وصغير جدًا، ويمر سريعًا (مسار) تطبيع مقابل وعد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما عملت عليه السعودية وفرنسا طوال عامين (خلال الابادة). يمكن فهم هذا المسار عندما يجري الدخول إليها من المقاربة الأوربية.

مقاربة سعودية أوروبية للقضية الفلسطينية

إن الدول الأوربية، ورأس القائمة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تليها مباشرة إيطاليا، ومن ثم دول شرق أوروبا، لا يمكنها أن تمضي دون مقاربة جديدة للتعامل مع “إسرائيل” ما بعد المذبحة في غزة التي يصعب تغطيتها مقابل الحفاظ عليها من السقوط.

ليس هناك مناورة تلبي هذا الهدف أفضل من نموذج ” مؤتمر حل الدولتين ” في نيويورك برعاية الأمم المتحدة بعد تمهيد وحملات دعائية، أخذت وقتًا طويلًا متعمدًا لقياس انعكاس ذلك “إيجابًا” في الشارع الأوروبي، وتاليًا منح كيان العدو الإسرائيلي وقتًا كافيًا للتعامل مع التغيير الرسمي الأوروبي الناعم وغير المضر.

لقد جرى إشعار “إسرائيل” منذ عدة أشهر أن مواصلة الحرب والحصار في غزة لا تؤدي النتائج التي تخدم التحالف الأوروبي الإسرائيلي، مع وجود صوت شعبي جماهيري لا يمكن التحكم به يفرض “اتخاذ موقف”.

ثانيا: ما ستقوم به الدول الأوروبية لن يكون له تأثير مباشر في ” الوجود الإسرائيلي ” كقطع إمداد السلاح والدعم السياسي، على أن ذلك لن يكون خافتًا بحيث لا يترك صدى واسعًا في الداخل الأوروبي، ومن ثَمَّ لا بد من الدفع نحو “حل الدولتين ” بإعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ثالثًا: يتضمن الاعتراف جميع الشروط والأهداف التي يسعى لها كيان العدو الإسرائيلي منذ عقود، وتبدأ من تجريم 7 أكتوبر، تجريم سلاح المقاومة وسحبه، تفكيك حماس والفصائل الفلسطينية.

رابعًا: الوقوف مع “إسرائيل” في خارطة الصراع الواسعة في المنطقة، ويكون ذلك في لبنان والعراق واليمن وإيران، وإذا احتاجت ذلك في سوريا وتركيا ومصر.

ترسم هذه الخارطة عمليًا رؤية مشتركة “إسرائيلية أوروبية وبعض عربية ” لليوم التالي ليس في غزة، بل أوسع من ذلك بكثير.

لقد خرج “مؤتمر نيويورك ” بنتيجتين:

الأولى: المطالبة بوقف استمرار الحرب والحصار في غزة “لإسقاط التبعات والتداعيات التي تعاني منها الحكومات الأوروبية أمام شعوبها “، وأيضًا ضرورة حدوث ذلك بعد الفشل الإسرائيلي العسكري، وهي مسألة يتفق معها الداخل “الإسرائيلي” نفسه: أحزاب المعارضة، تكتل المتضامنين مع عوائل الأسرى، المنشقون عن نتنياهو.

الثانية: الاعتراف ” بدولة ” فلسطينية منزوعة السيادة، ولا يمكن التحقق من قيام ذلك واقعيًا؛ إذ إنه اعتراف على الورق، مقابل التحشيد لتبني أهداف كيان العدو الإسرائيلي بالنسبة للمقاومة والمنطقة بشكل كامل، إنها أشبه بعملية إنقاذ كبيرة لكيان العدو الإسرائيلي من مسار معقد باعتراف “النخب الإسرائيلية “.

مع كل هذا التقرب، العدو الإسرائيلي اعتبره “عداء ” هل يحتاج التطبيع؟ لا، لقد كان سلوك العدو الإسرائيلي واضحًا، لا تطبيع مع السعودية بأي شرط أو صيغة بمدلول آخر، تطبيع قسري ستأتي إليه بوصفه أمرًا واقعًا، إن ذلك هو المنطق الإسرائيلي الآن، وقد دخلنا 2026.

لنعود إلى المقاربة الإسرائيلية لاستراتيجيتها في سوريا بعد سقوط النظام وصعود جماعة الجولاني، وكذلك لبنان (بعد تراجع حزب الله بحسب السردية والاعتقاد الإسرائيلي).

باختصار في جملة نقاط:

سوريا

  • التطبيع غير مطلوب إسرائيليا؛ إذ لم تعد سوريا تشكل تهديدًا عسكريًا.
  • السيطرة على الجنوب السوري وفصله عن سوريا بالقوة أو عن طريق الجماعة الدرزية (بعض الدروز) مسألة ثابتة، ويجري تكرار الحديث عنها لترسيخها.
  • اتفاقات منفصلة أمنية واقتصادية وزراعية وتعاونية، وقد حدث ذلك بما أطلق عليه البيان المشترك الأمريكي الإسرائيلي السوري، يتضمن اتفاقات لا تطبيعًا.
  • سوريا خالية من السلاح الثقيل إلى الأبد بالنسبة لكيان العدو الإسرائيلي.

لبنان

  • وجود إسرائيلي في المناطق الحدودية اللبنانية الفلسطينية.
  • نزع السلاح والوجود المقاوم في الجنوب اللبناني.
  • اتفاقات لا تطبيع.

الخلاصة أن الاستباحة مركزية بالنسبة لكيان العدو الإسرائيلي، وأن التطبيع في الهامش بما في ذلك مع السعودية.