ميناء عصب ومستقبل النزاع الأثيوبي الإريتري

احمد حميد عمر

كاتب وباحث سياسي متخصص في الشؤون الأفريقية

يشكل النزاع الإريتري–الإثيوبي أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في القرن الإفريقي، وتكمن خطورته لارتباطه المباشر بمضيق باب المندب الذي يُمثل أحد أهم الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ويُعد ميناء عصب على ساحل البحر الأحمر واحدًا من أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيدًا في القرن الأفريقي ويمثل للمصالح الإثيوبية منفذًا بحريًا حيويًا كمسألة أمن قومي وسعيها الدؤوب لتعزيز التوازن الاستراتيجي إقليميا، وفي مسار تعظيم مكانتها الإقليمية المنطلقة من تاريخ وأطماع إمبراطورية، بينما يجسد لإريتريا رمزًا للسيادة الكاملة بعد استقلالها وتحررها من الهيمنة الإثيوبية.

الخلفية التاريخية للصراع البحري:

النزاع الإثيوبي الإرِيتري كان أحد أهم النزاعات في القرن العشرين، حيث نشأت التوترات بين إريتريا وأثيوبيا حول حقوق الحكم والسيادة بعد الحرب العالمية الثانية وتحديداً في عام 1952 عندما دمجت إرتيريا مع أثيوبيا في اتحاد فيدرالي، لكن أثيوبيا ضمت إليها إريتريا في 15 نوفمبر  1962 بدفع دولي وغربي، فأصبحت الأخيرة جزءاً من الإمبراطورية الأثيوبية، وهو الذي أتاح لها منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر عبر مينائي عصب ومصوع، ومنذ ذلك الوقت اعتبرت أثيوبيا هذا البحر امتدادًا طبيعياً لحدودها، غير أن استعادة إريتريا لاستقلالها عام 1993 أفقدها هذه الميزة، فعادت إلى وضعها التاريخي والطبيعي دولة حبيسة بلا سواحل.

بعد استقلال إريتريا عام 1993ووفقاً لتفاهمات بين قيادة البلدين وبرعاية أمريكية وبريطانية، واصلت أثيوبيا استخدام الموانئ الإريترية حتى اندلاع الحرب بين البلدين (1998-2000)، حين اضطرت إلى تحويل حركة صادراتها ووارداتها إلى الموانئ السودانية، ثم إلى موانئ جيبوتي بعد فشلها في الحصول على منفذ سيادي في الساحل السوداني.

ورغم توقيع اتفاق سلام بين أديس أبابا وأسمره بوساطة جزائرية نهاية عام 2000، فإن العلاقات بين الطرفين ظلت متوترة، إلى أن جاء اتفاق آبي أحمد وأسياس أفورقي عام 2018 ليفتح أفقاً جديداً في العلاقات، وقد بادرت أسمره بدعم أديس أبابا عسكرياً، بل تحالفت معها في حرب التيغراي (2020-2022)، لكن هذا التحالف تلاشى بسرعة مع تعقد المشهد الإقليمي والدولي، ليعود ملف الموانئ للصدارة مجدداً، ويتحول ميناء عصب إلى محور نزاع جديد.

الإطار القانوني الدولي: المادة (125) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار:

تُعد المادة (125) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) مرجعية قانونية أساسية في حالة إثيوبيا، إذ تنص على حق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر ومنه لأغراض الملاحة والتجارة عبر أراضي الدول الساحلية، وبالاتفاق المتبادل مع احترام كامل لسيادة الدولة العابرة. وبناءً على ذلك، فإن إثيوبيا تملك من منظور القانون الدولي حق الوصول إلى البحر الأحمر، لكنها لا تملك أي حق قانوني في السيادة أو التملك أو السيطرة على ميناء عصب. ويقتصر هذا الحق على الترانزيت والاستخدام التجاري المنظم باتفاقات ثنائية أو إقليمية.

إن الخلط بين حق الوصول وحق السيطرة، كما يظهر أحيانًا في الخطاب السياسي، يمثل إساءة لتفسير المادة (125)، ويقوّض الأساس القانوني لأي تسوية سلمية. في المقابل، توفر هذه المادة أرضية صلبة لتعزيز خيار التفاوض، وتُضعف في الوقت ذاته أي مبرر قانوني للجوء إلى القوة.

الأهمية الجيوسياسية لميناء عصب:

لا تنبع الأهمية الجيوسياسية لميناء عصب فقط من موقعه على البحر الأحمر، بل من كونه يقع على أحد الممرات البحرية الأكثر نشاطًا عالميًا، حيث تمر ما بين 10% إلى 14% من التجارة البحرية العالمية، وحوالي 30% من تجارة الحاويات العالمية عبر مضيق باب المندب شمالًا وخليج عدن جنوبًا. يمثل هذا الممر الحيوي شريانًا رئيسًا لنقل النفط الخليجي إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكذلك للتجارة الصينية والهندية نحو أفريقيا. وبالتالي، فإن السيطرة على ميناء عصب تعني امتلاك ورقة ضغط إستراتيجية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

فأثيوبيا ترى أنه وقع ظلم كبير عليها منذ ما يقارب ثلاثين عاماً عندما تخلت الحكومات السابقة عن ميناء عصب بعد استقلال إريتريا وهو الميناء الأقرب لأثيوبيا، إذ يبعد عن الحدود الأثيوبية بحوالي 60 كم، وكان شريانا حيوياً هاما لها لأن أغلب صادراتها وواردتها تمر عبر مينائي عصب ومصوع، غير أنها أصبحت دولة حبيسة، الأمر الذي انعكس وبشكل مباشر على الوضع الاقتصادي، فارتفعت تكاليف النقل والتجارة الخارجية وأصبحت تعتمد على ميناء جيبوتي بنسبة 90% من تجارتها البحرية.

أثيوبيا لا تنكر استقلال وسيادة إريتريا، لكنها تسعى لتصحيح خطأ تاريخيًا يتعلق بميناء عصب، استنادًا إلى وثائق تاريخية ومراسلات تؤكد أن الميناء كان تحت سيطرة السيادة الأثيوبية لعقود طويلة. وأن هناك محاولات لوساطة أمريكية وبريطانية سابقًا أكدت حق أثيوبيا في استعادة الميناء عبر المفاوضات، لكنها لم تُستغل بالكامل نتيجة التحالفات السياسية والاعتبارات الداخلية.

لذلك فإنه من وجهة نظر الأثيوبيين أن السيطرة على ميناء عصب سلماً أم حرباً سيحل المعضلة الجغرافية هو ما أكده رئيس الوزراء الأثيوبي في تصريحاته الأخيرة أمام البرلمان الأثيوبي أن استعادة ميناء عصب قضية وجودية ([1]).

أما بالنسبة لإريتريا، فالميناء يُمثل جزءًا من سيادتها الوطنية التي تحققت بعد حرب طويلة ضد أثيوبيا، لهذا جاء رد الرئيس أسياس أفورقي على تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قاسيًا، معتبرًا أن هذه المطالب ليست إلا “مؤامرة خارجية” هدفها زعزعة استقرار بلاده،  كذلك قال وزير الإعلام الإرتيري ردا على التصريحات الإثيوبية، بأنها “تهور وعودة إلى دق طبول الحرب” ([2]).

الأسباب التاريخية لفقدان إثيوبيا ميناء عصب:

هناك ثلاثة عوامل رئيسة جعلت إثيوبيا دولة حبيسة:

  • القوى الاستعمارية الغربية: خلال القرنين التاسع عشر والعشرين قسّمت القوى الاستعمارية (بريطانيا وإيطاليا وفرنسا) شرق أفريقيا والمناطق التي كانت تابعة للإمبراطورية الحبشية، ما أدى إلى انفصال إريتريا، وجعلت أثيوبيا دولة حبيسة، وبلا منفذ بحري مباشر.
  • الضغوط الإقليمية: بعض القوى الإقليمية رأت في تقليص نفوذ أثيوبيا ضرورة لموازنة القوة في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبالتالي ساهمت في منع أثيوبيا من الحفاظ على سيطرتها البحرية.
  • الأخطاء الداخلية للحكومات الأثيوبية المتعاقبة: أبرزها الاعتراف باستقلال إريتريا خلال فترة حكم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، دون أن تحصل أثيوبيا على تعويض بإعادة ميناء عصب، هذا التنازل، لم يكن شرعيًا وفق القانون الدولي، حيث اتخذته حكومة انتقالية لم تكن مخولة بالقرار الاستراتيجي.

فالجبهتين الشعبية لتحرير إريتريا بزعامة سياس أفورقي والشعبية لتحرير التيغراي بزعامة ميلس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل التقت في مؤتمر عقد بلندن عام 1987، نسق له (وليام كوهين) مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية بهدف إسقاط نظام (مانجستو هيلي مريم). واتفقت الأطراف المشاركة على أن تعترف أثيوبيا بحق تقرير المصير للشعب الإريتري، الذي له الحق في أن يختار بين الانفصال أو الوحدة، بالإضافة إلى:

  1. أن يلتزم (أفورقي) بدعم (ميلس زيناوي) في سعيه للتغلب على مناوئيه العسكريين والسياسيين، وتولي (زيناوي) السلطة في إثيوبيا بعد انهيار نظام مانجستو هايلي مريم.
  2. أن تسمح إريتريا بعد الاستقلال باستخدام إثيوبيا مينائي عصب ومصوع  للأغراض التجارية.

وفي28 مايو 1991نجح الطرفان في إسقاط مانجستو مريم ، وتولى (زيناوي) حكم أثيوبيا بعد انتخابه رئيساً للوزراء من قبل البرلمان الأثيوبي في 21 سبتمبر 1991.

أما إريتريا فتشكلت فيها حكومة مؤقتة أجرت استفتاء عاماً على الاستقلال تحت إشراف الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية والجامعة العربية، وجاءت نتيجته 99% لصالح الاستقلال. فأصبحت إريتريا دولة مستقلة ذات سيادة في 23 من مايو 1993، ثم انتخب (أسياس أفورقي) رئيساً لإرتيريا فور إعلان استقلالها.

الأسباب البنيوية والمباشرة للنزاع حول ميناء عصب

يمثل النزاع الأثيوبي–الإريتري حول ميناء عصب تعبيرًا مكثفًا عن تداخل الجغرافيا بالتاريخ والسياسة، حيث تتجاوز أسبابه الخلاف الحدودي التقليدي لتلامس بنية الدولة، وطبيعة النظام الإقليمي في القرن الإفريقي، وإرث الدولة الإمبراطورية في الوعي السياسي الأثيوبي.

  • الأسباب البنيوية (الهيكلية)

تُعد المعضلة الجغرافية الأثيوبية حجر الأساس في هذا النزاع، فأثيوبيا، التي يبلغ عدد سكانها ما يزيد عن 137 مليون نسمة، تحولت منذ عام 1993 إلى دولة حبيسة بلا منفذ بحري مباشر، وهو وضع استثنائي من منظور الجيوبوليتيك، جعل مسألة الوصول إلى البحر الأحمر قضية وجودية تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة إلى اعتبارات الأمن القومي وبقاء الدولة. ويزداد هذا الإحساس بالاختناق الجغرافي في ظل اعتماد أثيوبيا شبه الكامل على ميناء جيبوتي، وما يترتب على ذلك من كلفة اقتصادية وضغوط سياسية.

إلى جانب العامل الجغرافي، يبرز الإرث الإمبراطوري للدولة الحبشية، حيث لا تزال قطاعات من النخبة السياسية والعسكرية الأثيوبية تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه مجالًا حيويًا تاريخيًا اقتُطع بفعل ترتيبات استعمارية ودولية، لا باعتباره حدًا نهائيًا لدولة قومية حديثة. هذا التصور يتعارض جوهريًا مع مبدأ السيادة الإقليمية الذي تقوم عليه الدولة الإريترية منذ استقلالها.

كما ساهم غياب نظام إقليمي فعّال في القرن الإفريقي، وضعف قدرة المنظمات الإقليمية على فرض تسويات ملزمة للنزاعات الحدودية والملاحية، في إبقاء ملف عصب مفتوحًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.

  • الأسباب السياسية المباشرة

سياسيًا، جرى توظيف ملف ميناء عصب داخل إثيوبيا كأداة تعبئة قومية، خاصة في ظل الأزمات الداخلية المتراكمة، من صراعات إثنية ونزعات انفصالية وضغوط اقتصادية متزايدة. ويُقدَّم الميناء في الخطاب الرسمي بوصفه رمزًا لاستعادة الكرامة الوطنية وتصحيح لـ “خطأ تاريخي”، بما يتيح للحكومة حشد الدعم الشعبي وصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية.

في المقابل، يتسم الموقف الإريتري بحساسية مفرطة تجاه أي نقاش حول السيادة، إذ ينظر النظام في أسمره إلى ميناء عصب باعتباره أحد أعمدة الدولة الوطنية التي قامت بعد حرب استقلال طويلة ومكلفة. وعليه، فإن أي مطلب أثيوبي يتجاوز الاستخدام التجاري يُفسَّر باعتباره تهديدًا وجوديًا للدولة الإريترية، لا مجرد خلاف اقتصادي قابل للتفاوض.

أما المصالحة التي أُعلنت عام 2018، فعلى الرغم من أهميتها الرمزية، فإنها افتقرت إلى ترتيبات قانونية ومؤسسية واضحة تنظم استخدام الموانئ، مما جعلها رهينة لتقلبات المزاج السياسي والتحالفات الظرفية، خاصة بعد تعقّد المشهد عقب حرب تيغراي.

  • الأسباب الاقتصادية

اقتصاديًا، أدى فقدان إثيوبيا لميناء عصب إلى ارتفاع كبير في كلفة تجارتها الخارجية، نتيجة الاعتماد شبه الكامل على ممر واحد عبر جيبوتي، وهو ما يُعد نقطة ضعف استراتيجية لدولة بحجم إثيوبيا. في المقابل، لم تتمكن إريتريا من تعويض خسارة العوائد الناتجة عن استخدام الميناء إثيوبيًا، ما أسهم في تعميق عزلتها الاقتصادية والإقليمية، ودفعها إلى التشدد في ملف السيادة بوصفه أحد مصادر القوة القليلة المتبقية لديها.

مراحل الصراع حول عصب:

السنة

المرحلة

الأحداث

1993-1997

المرحلة الأولى

التعاون ما بعد الاستقلال

1-      سمحت إريتريا لإثيوبيا باستخدام مينائي عصب ومصوع دون رسوم جمركية بناء على اتفاق رعته بريطانيا.

2-      استخدمت إثيوبيا ميناء عصب كمنفذها البحري الرئيسي.

3-      ظهرت خلافات حول التعريفة الجمركية والعملة.

2000-1998

المرحلة الثانية

تصاعد التوترات والحرب

1-      اندلعت الحرب الحدودية في مايو 1998 بسبب النزاع على بلدة بادمي.

2-      الخلافات الاقتصادية حول ميناء عصب كانت أحد الأسباب الجذرية.

3-      استمرت الحرب حتى يونيو 2000 وأسفرت عن مقتل 70-100 ألف شخص.

2002-2000

اتفاق الجزائر وتداعياته

1-      توقيع اتفاقية السلام في ديسمبر 2000 بالجزائر.

2-      إنشاء لجنة حدودية دولية (EEBC) لترسيم الحدود.

3-      حكمت اللجنة عام 2002 بمنح بادمي لإريتريا، ورفضت إثيوبيا التنفيذ الكامل.

2001-2018

المرحلة الثالثة

الجمود والعداء

1-      حالة “لا حرب ولا سلام” استمرت 18 عاماً.

2-      إغلاق الحدود وتجميد العلاقات.

3-      تحول تجارة إثيوبيا لموانئ جيبوتي وبورسودان.

4-      فرض عقوبات على إريتريا من قبل الأمم المتحدة.

2018

المرحلة الرابعة

المصالحة المفاجئة

1-      تولي آبي أحمد رئاسة وزراء إثيوبيا في أبريل 2018.

2-      اتفاقية السلام التاريخية في جدة يوليو 2018.

3-      فتح الحدود واستئناف العلاقات الدبلوماسية.

4-      الاتفاق على استخدام إثيوبيا لموانئ إريتيرية.

2025-2019

المرحلة الخامسة

التطورات الأخيرة

1-      تجدد التوترات مع اندلاع حرب تيغراي في إثيوبيا (2020).

2-      تدخل إريتريا في الحرب إلى جانب الحكومة الأثيوبية.

3-      عدم استقرار في تنفيذ اتفاقيات استخدام الموانئ.

التوازنات الإقليمية

لم يعد مستقبل النزاع الأثيوبي–الإريتري حول ميناء عصب شأناً ثنائياً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية معقدة تتقاطع فيها الطموحات الجيوسياسية والمصالح الأمنية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فأثيوبيا تسعى إلى كسر وضعها كدولة حبيسة عبر إعادة فتح ملف عصب أو عبر بدائل بحرية، كما عكس ذلك توقيع مذكرة التفاهم مع أرض الصومال في يناير 2024، وهي خطوة تعززت دلالاتها السياسية في ضوء الاعتراف الإسرائيلي الأخير بأرض الصومال، بما يمنح هذه الترتيبات غطاءً سياسياً غير مباشر ويفتح المجال لتدويل ملف الموانئ في المنطقة.

وتتقاطع هذه التحولات مع مصالح قوى إقليمية ودولية فاعلة؛ إذ تنظر الإمارات إلى موانئ القرن الإفريقي بوصفها امتداداً لمصالحها التجارية والأمنية، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها في البحر الأحمر عبر أدوات اقتصادية وأمنية، في حين تتعامل إيران مع المنطقة كمساحة ضغط غير مباشر على خصومها الإقليميين. وعلى المستوى الدولي، تركز الولايات المتحدة على أمن الملاحة واحتواء النفوذ الصيني، فيما تعمل الصين على حماية استثماراتها ضمن مبادرة الحزام والطريق، بينما تسعى روسيا إلى تثبيت موطئ قدم استراتيجي في الموانئ المطلة على البحر الأحمر.

في المقابل، يثير كل ذلك محاذير مصرية واضحة مرتبطة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وتتقاطع معها المخاوف السعودية الساعية إلى الحفاظ على استقرار الممرات البحرية ومنع عسكرة السواحل، كما ينعكس أي اختلال في موازين القوة في الضفة الإفريقية مباشرة على أمن باب المندب والدور اليمني المستقبلي في معادلات الأمن البحري.

وعليه، فإن ميناء عصب بات عنصراً محورياً في شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية، يتجاوز فيها النزاع الإثيوبي–الإريتري حدوده الثنائية ليصبح جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر، بما يجعل مستقبل هذا النزاع مرهوناً بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على احتواء تنافسهم ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

التداعيات المحتملة وأفق الأزمة ومستقبل النزاع

1:  التداعيات المحتملة للنزاع حول ميناء عصب:

يترتب على استمرار أو تصاعد النزاع الإثيوبي–الإريتري حول ميناء عصب جملة من التداعيات العميقة التي تتجاوز حدود الدولتين، لتطال الإقليم برمته والنظام الدولي المرتبط بأمن الملاحة في البحر الأحمر. وتتمثل هذه التداعيات في أبعاد متداخلة أمنية وسياسية واقتصادية.

على المستوى الإقليمي، يُنذر النزاع بإعادة عسكرة الساحل الجنوبي للبحر الأحمر، وزيادة احتمالات الاحتكاك العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. كما أن أي تصعيد قد يدفع باتجاه إعادة تشكيل التحالفات في القرن الإفريقي على أسس صدامية، بما يعمّق حالة الاستقطاب ويقوض فرص التعاون الإقليمي. وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على الأمن القومي اليمني، في ظل الترابط الجغرافي والأمني بين الساحل الإريتري ومضيق باب المندب، بما قد يؤدي إلى مزيد من تدويل البحر الأحمر وربط أزماته بصراعات متشابكة.

أما على الصعيد الدولي، فإن تهديد أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية يضع القوى الكبرى أمام معادلة التدخل لحماية المصالح التجارية وخطوط الطاقة. ويُحتمل أن يؤدي ذلك إلى زيادة الحضور الدولي العسكري والسياسي في المنطقة، بما يفاقم تعقيد المشهد ويقلّص من قدرة الفاعلين الإقليميين على إدارة أزماتهم بصورة مستقلة.

داخليًا، ينطوي النزاع على تداعيات خطيرة على استقرار الدولتين؛ ففي أثيوبيا قد يؤدي التصعيد الخارجي إلى تفجير التناقضات الداخلية وتسريع النزعات الانفصالية، في ظل هشاشة البنية السياسية والإثنية. وفي المقابل، قد تفضي المواجهة في إريتريا إلى استنزاف مواردها المحدودة وتعميق عزلتها الدولية، بما يضعف قدرتها على الصمود طويل الأمد.

2: أفق الأزمة ومستقبل النزاع:

يدخل النزاع الأثيوبي–الإريتري حول ميناء عصب مرحلة دقيقة تتسم بارتفاع منسوب الخطاب التصعيدي والتحركات العسكرية، ما يفتح الباب أمام مسارات مستقبلية متعددة تتراوح بين الاحتواء والتصعيد. ويمكن استشراف مستقبل الأزمة من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسة.

يتمثل السيناريو الأول في الحرب المحدودة، حيث قد تشهد المنطقة مواجهات عسكرية موضعية أو عمليات نوعية تهدف إلى فرض أمر واقع، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ورغم محدودية هذا السيناريو من حيث النطاق، إلا أن تداعياته قد تكون واسعة، نظرًا لحساسية الموقع الجغرافي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.

أما السيناريو الثاني، وهو الحرب الشاملة، فيُعد الأخطر، إذ يعيد إلى الأذهان حرب الأعوام 1998–2000 وما خلفته من خسائر بشرية ومادية جسيمة. ويُحتمل في حال تحقق هذا السيناريو أن تمتد آثار الصراع إلى داخل إثيوبيا نفسها، بما يهدد تماسك الدولة، ويُدخل الإقليم بأسره في حالة من عدم الاستقرار طويل الأمد. وعلى الرغم من خطورته، يظل هذا السيناريو غير مرجّح في المدى القريب، نظرًا لكلفته الباهظة على جميع الأطراف.

في المقابل، يبرز سيناريو التسوية السياسية بوصفه الخيار الأكثر عقلانية، لكنه يظل مشروطًا بتدخل إقليمي أو دولي استباقي قادر على نزع فتيل الأزمة. وتواجه هذا السيناريو تحديات عدة، من أبرزها تضارب المصالح الإقليمية والدولية، وإصرار إثيوبيا على تجاوز منطق الوصول التجاري إلى البحر نحو مطالب ذات طابع سيادي، مقابل تشبث إريتريا بمفهوم السيادة المطلقة.

وبين هذه السيناريوهات، يبدو المشهد الراهن أقرب إلى مناورة سياسية عالية المخاطر، تستخدم فيها لغة التهديد لتحقيق مكاسب داخلية، في ظل إدراك عام بأن الانزلاق إلى حرب مفتوحة سيشكّل مدخلًا لفوضى إقليمية يصعب احتواؤها.

3: آفاق التسوية والحلول الممكنة

تُظهر المعطيات أن الحل التفاوضي–الاقتصادي هو الخيار الأكثر واقعية واستدامة، من خلال إبرام اتفاق طويل الأمد يتيح لإثيوبيا استخدام ميناء عصب لأغراض تجارية ولوجستية، مقابل عوائد اقتصادية وضمانات سيادية لإريتريا، وبإشراف إقليمي أو دولي يحدّ من انعدام الثقة.

كما يمكن إدماج ملف الموانئ ضمن إطار إقليمي أوسع للتكامل في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يحوّل الميناء من بؤرة صراع إلى أداة تعاون اقتصادي. ويظل اللجوء إلى الآليات القانونية الدولية، كالمحاكم أو التحكيم، خيارًا داعمًا للتسوية، وإن كان محدود الفاعلية دون إرادة سياسية حقيقية.

في المقابل، يبقى خيار فرض السيطرة بالقوة السيناريو الأخطر، لما ينطوي عليه من انتهاك صريح للقانون الدولي، وتهديد مباشر لأمن البحر الأحمر، وفتح الباب أمام فوضى إقليمية يصعب احتواؤها.

وبذلك، فإن ميناء عصب لا يمثل مجرد منشأة بحرية، بل يعكس صراعًا أعمق بين منطق الجغرافيا ومبدأ السيادة، وبين الطموح الإقليمي وقيود القانون الدولي، وهو ما يجعل تسويته اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإقليم على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة.

[1]– موقع القاهرة الإخبارية، 2 نوفمبر 2025

https://alqaheranews.net/news/146577

[2]–  وزير الإعلام الإريتري: إثيوبيا تسعى لإشعال حرب ضدنا، الجزيرة نت 15 نوفمبر 2025

https://www.aljazeera.net/news/2025/11/15

 

كاتب