بين تصنيف المقاومة بالإرهاب والتراجع… أزمة صنع القرار في العراق

بين تصنيف المقاومة بالإرهاب والتراجع… أزمة صنع القرار في العراق

منذر المقطري

كاتب وباحث سياسي

 

أثار قرار الحكومة العراقية تصنيف حركة أنصار الله وحزب الله اللبناني “منظمتين إرهابيتين” وتجميد أموالهم، ومن ثم التراجع السريع عنها، تساؤلات حول آلية صنع القرار في العراق التي تتعرض لتأثيرات داخلية وخارجية. وفي مسألتنا الراهنة تتمثل هذه التأثيرات في ضغوط وزارة الخزانة الأمريكية والضغوط الداخلية لفصائل المقاومة وحاضنتها الشعبية، كما تحاول الحكومة العراقية الموازنة بين علاقاتها مع واشنطن وطهران.

يأتي هذا القرار ضمن مسعى أمريكي للتضييق على قوى المقاومة بوصف ذلك جزءا من الضغوط على إيران، ويتسق ذلك مع المساعي الصهيونية للضغط على قوى المقاومة حتى لا تعيد بناء قدراتها العسكرية بعد معركة طوفان الأقصى.

وقد جاء رد فعل جمهور المقاومة في العراق سريعا، مما أثار قلق الحكومة من انعكاسات القرار على المستقبل السياسي لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ما جعل الحكومة تخرج برواية “الخطأ الإداري” و”القائمة غير المنقَّحة”، مع توجيهات بفتح تحقيق عاجل والتعهد بمحاسبة المقصّرين، في محاولة لاحتواء رد الفعل الداخلي، وحفظ ماء الوجه أمام الخارج في الوقت نفسه.

السياق القانوني والمؤسسي للقرار

إذا ما أردنا معرفة كيف صيغ القرار وما إطاره القانوني نجد أن التشريعات التي يستند إليها صيغت بعد احتلال العراق عام 2003، ضمن مفاهيم غسيل الأموال و”مكافحة الإرهاب”، وهكذا فرض على العراق إنشاء آليات محلية لتجميد أصول الأفراد والكيانات المصنفة إرهابية من قبل الغرب.

تشكلت هذه اللجنة تحت إشراف الأمانة العامة لمجلس الوزراء والبنك المركزي، بمشاركة ممثلين عن وزارات الداخلية والعدل والمالية والخارجية والاتصالات، أعطيت هذه اللجنة صلاحيات إصدار قرارات ملزمة تقضي بتجميد أموال وودائع واستثمارات كل من يَرِد اسمه في قوائم الإرهاب التي غالبا ما تنشئها القوى الغربية وتستغل التشريعات الدولية لتجعلها ملزمة دوليًا.

بناء على ذلك أصدرت اللجنة قرارا بتجميد أصول 24 جهة مرتبطة بتنظيمي” داعش” والقاعدة المصنفة إرهابية، وكان ضمن القائمة أيضا حزب الله اللبناني وحركة أنصار الله، وقد نُشر القرار في جريدة الوقائع العراقية (الخاصة بنشر القوانين) في عددها (4848) بتاريخ 17 نوفمبر 2025، علما أن القرارات والقوانين التي تنشر في هذه الجريدة تكون نافذة وليست مجرد مشاريع قرارات، في وقت لاحق تراجعت الحكومة مبررة أن  إدراج حزب الله وحركة أنصار الله وقع عن “طريق الخطأ” ضمن “قائمة غير منقَّحة”، وأن التصحيح سينشر في عدد لاحق من الجريدة.

خلفيات إصدار القرار

ماليًا واقتصاديًا: يهيمن البنك الفيدرالي الأمريكي على النظام المالي العراقي منذ احتلال العراق عام 2003؛ فقد جرى تأسيس النظام المالي العراقي بآلية تتيح للبنك الفيدرالي الأمريكي التحكم بعائدات مبيعات النفط العراقية، والتحكم بسعر صرف الدينار وغيرها من الإجراءات التي تمكّن الولايات المتحدة الأمريكية من المحافظة على نفوذها المالي على العراق.

بناء على ذلك وجدت الحكومة العراقية نفسها مضطرة للامتثال للمعايير الأمريكية حول “مكافحة الإرهاب”؛ من أجل تجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات.

سياسيًا: على الصعيد السياسي جاء القرار عقب دعوة صريحة من مساعد وزير الخارجية الأميركي مايكل ريغاس لبغداد للعمل على ما وصفه بـ”تقوّيض الميليشيات الإيرانية”؛ ليتضح أن القرار جاء تنفيذًا للتوجيهات الأمريكية.

مواقف القوى المحلية

على الصعيد المحلي لم يظهر تيار سياسي يتبنّى القرار علنًا، ويدافع عنه بوصفه موقفًا رسميًا تجاه حركات المقاومة، إلا أن هناك اتجاهين يتعاطيان القرار من منظور براغماتي.

الاتجاه الأول: يعبر عنه التكنوقراط المالي والقانوني الذي ينظر إلى القرار من زاوية الامتثال للمعايير الدولية، ويتجاهل حساسية الملف سياسيًا، ومن منظور هؤلاء يعد حماية النظام المالي العراقي أولوية، والحيلولة دون فرض عقوبات جديدة على البنك المركزي والمصارف المحلية، من هذا المنظور البراغماتي الذي لا يراعي التوازنات الداخلية يصبح التجاوب مع القرارات الأمريكية أمرًا لا مفرّ منه.

هناك اتجاه آخر يفترض أن الحضور الإيراني في العراق وحضور محور المقاومة عموما يجعل البلد عرضة للاستقطاب الدولي ويؤثر في استقرارها الداخلي.

هذه القوى لا تريد صداما مباشرا بين الدولة وفصائل المقاومة، وتحبذ أن يمر الأمر عن طريق الأطر القانونية بدون صدام مباشر مع الشارع.

فيما الرد الواضح على القرار جاء من فصائل المقاومة العراقية، وفي مقدمتها القوى المرتبطة بكتائب حزب الله العراقية وحركة النجباء، الذين اعتبروا أنّ القرار مقدمة لاستهدافهم مستقبلا.

وجد هذا الخطاب صدى لدى جزء واسع من الشارع المؤيّد للمقاومة، الذي ينظر إلى حزب الله وأنصار الله حركتين تقفان على خط المواجهة ضد الكيان الصهيوني والهيمنة الأميركية.

على الصعيد الشعبي ينظر إلى القرار أنه انحياز إلى “إسرائيل” في حربها العدوانية على غزة ولبنان واليمن؛ لذلك اعتبروا القرار “خيانة للمبادئ” و”طعنة في ظهر المقاومة”.

دلالات التراجع عن القرار

يُظهر التراجع السريع عن القرار أن الحكومة العراقية فاقدة للاستقلالية فيما يتعلق بقرارات من هذا النوع وعرضة للتأثيرات الدولية الأمريكية – الإيرانية، وكذلك معرضة لضغط الرأي العام العراقي الداعم للمقاومة في معظمه، ما يجعلها تسعى للموازنة بين مختلف هذه الأطراف، ويجعل هامش المناورة لديها في هذا النوع من الملفات ضيق للغاية.

بالإضافة إلى أن هناك بعدًا ذاتيًا متعلقًا بالسوداني، الذي يخشى على مستقبله السياسي، وعلى الرغم مما تعرضت له إيران من تحديات فإن التراجع عن القرار يشير إلى أنها ما زالت تمتلك حضورا مؤثرا في السياسة العراقية. لذا من المتوقع أن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية مجددًا طرح القضية، وتمارس ضغوطات على الحكومة العراقية.

كاتب