من خصومة هادئة إلى المنافسة العلنية: العلاقات السعودية الإماراتية

من خصومة هادئة إلى المنافسة العلنية: العلاقات السعودية الإماراتية

مركز آفاق اليمن: ترجمة (بتصرف) │غسان محمد

نشر معهد دراسات الأمن القومي (INSS) مادة تحليلية بقلم الباحث يوئيل غوزانسكي بعنوان من المنافسة الهادئة إلى الخصومة العلنية: العلاقات السعودية–الإماراتية، وذلك ضمن سلسلة INSS Insight  بتاريخ 11 فبراير/شباط 2026. وتتناول المادة كيف يتجلى التنافس المتصاعد بين الرياض وأبوظبي، وكيف يؤثر هذا التنافس على آفاق التطبيع بين “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية …؟ وفيما يلي ترجمة خاصة للمادة:

انتقلت العلاقات بين السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة، من شراكة وثيقة إلى منافسة علنية على الزعامة والمكانة والنفوذ الإقليمي. ويكمن وراء واجهة “وحدة الدول الخليجية، شرخ عميق، نابع من اختلاف وجهات النظر حول التهديدات والصراع على الريادة الاقتصادية والسياسية.

يصطدم تعزيز مكانة محمد بن سلمان وتطلعات السعودية لقيادة العالم العربي بسياسة أبوظبي الخارجية المستقلة والمؤثرة، التي سعت إلى التحرر من الهيمنة السعودية وترسيخ مكانة رائدة لنفسها. ويتجلى هذا التنافس في مختلف ساحات الصراع، فضلاً عن المجال الاقتصادي، حيث تتحدى السعودية الهيمنة الإماراتية. واليوم، في ظل القوة الاقتصادية والسياسية للبلدين، تتجاوز تداعيات هذا التنافس حدود شبه الجزيرة العربية. هذا لا يُعدّ نزاعًا تكتيكيًا عابرًا، بل تحوّلًا استراتيجيًا مستمرًا يؤثر على التماسك في الخليج، وأنماط التحالفات الإقليمية، وقدرة الجهات الفاعلة الخارجية، بما فيها إسرائيل، على الاعتماد على “المحور” السعودي الإماراتي كأساس للسياسة الإقليمية.

ترى الرياض أن إسرائيل قد اختارت جانبًا في الصراع – الجانب الإماراتي – مما قد يُبعد المملكة عن إسرائيل ويجعل التطبيع معها في المستقبل أكثر صعوبة. ونظرًا للخصائص المشتركة بين دول الخليج – كونها ممالك سنّية تعتمد على إنتاج النفط – هناك ميل واسع النطاق، حتى في الخطاب الأكاديمي، إلى التعامل معها ككيان واحد. إلا أن هذا التصوّر لا يتوافق مع الواقع. ففي الواقع، تختلف دول الخليج فيما بينها في حجم مواردها الطبيعية، وبنيتها الديموغرافية والطائفية، وحتى في تصوراتها للتهديد. وقد تُترجم هذه الفجوات، في أكثر من مناسبة، إلى سياسات خارجية مختلفة وتنافس بينها. وينطبق هذا أيضًا على السعودية والإمارات العربية المتحدة – القوتين الاقتصاديتين والسياسيتين الرئيسيتين في الخليج. ففي العقد الذي تلا “الربيع العربي”، نُظر إلى تعاونهما كمحورٍ مركزيٍّ شكّل سلسلةً من التحركات الإقليمية، من شمال أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية. فقد عملتا بتنسيقٍ تام، بهدف إعادة تشكيل الفضاء العربي بما يتوافق مع مصالحهما وكبح جماح العمليات التي اعتبراها تهديدًا للنظام السياسي القائم. وفي بعض الأحيان، لعبا دور قوةٍ مُغيّرة، ساعيةً إلى تغيير موازين القوى الإقليمية، وفي أحيانٍ أخرى كحاميتين للوضع الراهن.

لعبت الإمارات العربية المتحدة دورًا محوريًا في الضغط على السعودية لفرض مقاطعةٍ على قطر عام 2017؛ وفي اليمن، قاتل البلدان جنبًا إلى جنب ضد [الحوثيين] في بداية الحملة، وفي ليبيا وسوريا، دعما، كلٌّ على طريقته ولكن بتنسيقٍ مُتبادل، فصائل مُتشابهة. وفي مصر، عملا معا أيضا لترسيخ حكم عبد الفتاح السيسي، وفيما يتعلق بتركيا وإيران – حتى عام 2019 – كان هناك قدرٌ كبيرٌ من الإجماع بينهما.

مع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في التوترات بين البلدين، ولم تعد هذه التوترات مقتصرة على اختلافات في الرأي أو اختلافات سياسية دقيقة، بل باتت تعكس تنافساً صريحاً على مراكز القوة والنفوذ والمكانة الإقليمية. وهذا التنافس ليس بظاهرة جديدة، فمنذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أثّرت العلاقات بينهما سلباً على تماسك مجلس التعاون الخليجي، وعرقلت مبادرات التكامل، كمبادرة العملة الموحدة، كما لم يُكتب النجاح لإنشاء البنك المركزي لدول الخليج – الذي كان من المقرر أن يكون مقره في أبوظبي – ويعود ذلك جزئياً إلى معارضة المملكة العربية السعودية التي رأت في هذه الخطوة تهديداً لمكانتها الاقتصادية والسياسية الرائدة.

يتسم جزء من هذا العداء بين البلدين بطابع شخصي، إذ كان الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، البالغ من العمر 64 عاماً، بمثابة مرشد لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، البالغ من العمر 40 عاماً. لكن تعزز مكانة بن سلمان، ولا سيما استقرار موقعه الدولي بعد السنوات الصعبة التي شهدت حرب اليمن ومقتل الصحفي جمال خاشقجي، جعله لاعباً ذا طموحات عالمية واضحة. وتدهورت علاقته مع بن زايد مع سعي بن سلمان إلى بسط نفوذه الإقليمي، لا كحليف، بل كقائد بارز، ليس فقط للمملكة، بل للمنطقة العربية بأسرها. وقد عبّر بن سلمان عن الخلاف بين الزعيمين بتصريحات حادة، حتى أنه وصف بن زايد بـ”الخائن” وهدد بأن “ما حدث لقطر في الفترة 2017-2021 لن يكون شيئاً” مقارنة بما ينتظر الإمارات.

تعود جذور الخلافات بين الرياض وأبوظبي إلى قضايا عميقة: نزاعات حدودية قديمة، فضلاً عن مسألة استقلال الإمارات في العمل وتطلعها إلى رسم سياسة خارجية واقتصاد مستقلين. وينبع جزء من هذا العداء من اختلاف الأهداف السياسية والنهج المتبعة في المنطقة، بما في ذلك تجاه الإسلام السياسي. فالسعودية لا تدعم الحركات السياسية الإسلامية – فهي تُشكل تهديدًا للنظام الملكي ومحظورة في المملكة – لكنها أبدت استعدادا للتعاون معها عندما لا يكون هناك بديل عملي، كما هو الحال في اليمن وسوريا. ويُقابل هذا النهج العملي بسياسة عدم تسامح من جانب الإمارات العربية المتحدة تجاه حركة الإخوان المسلمين.

لسنوات، اقتصر التنافس على شبه الجزيرة العربية، لكن اليوم، ونظرا للقوة الاقتصادية والسياسية لكلا البلدين، بات له تداعيات عالمية. التوتر بين أبوظبي والرياض يؤثر على الاقتصاد الإقليمي، وديناميكيات سوق الطاقة العالمية، بل وحتى على الاعتبارات والمصالح الاستراتيجية للجهات الفاعلة الخارجية – بما في ذلك إسرائيل.

ساحات النزاع:

اليمن: في بداية الحرب في اليمن عام ٢٠١٥، عملت السعودية والإمارات العربية المتحدة ضمن تحالف مشترك ضد [الحوثيين]، لكن مع مرور الوقت تغيرت أولوياتهما: تسعى السعودية إلى تحقيق الوحدة اليمنية وإرساء سيطرة مركزية مستقرة لدرء النفوذ الإيراني، بينما تدعم الإمارات القوات المحلية في الجنوب، بقيادة “المجلس الانتقالي الجنوبي”، بهدف ضمان السيطرة على الموانئ الاستراتيجية وكبح نفوذ جماعة الإخوان المسلمين.

السودان: تدعم السعودية والإمارات أطرافًا متنازعة في النزاع المسلح، مما يُعقّد الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية في البلاد، ويحول دون تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين السودان وإسرائيل في إطار “اتفاقيات أبراهام”. تدعم السعودية عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، للحفاظ على نفوذها في بلد مهم على حدودها، ولتعزيز هيمنتها في منطقة البحر الأحمر. من جانبها، تدعم الإمارات العربية المتحدة محمد حمدان دقلو (“الحميدي”)، قائد ميليشيا “قوات الدعم السريع”.

قطر: في عام 2021، قادت المملكة العربية السعودية جهود إنهاء الأزمة بين قطر وجيرانها في الخليج، وذلك في إطار استراتيجية بن سلمان لخفض التوترات ودعم “رؤية 2030”. في المقابل، أبدت الإمارات، التي كانت من أبرز الداعمين للمقاطعة المفروضة على قطر عام 2017، حذرها من التقارب السريع، وخشيتها من تأخير الخطوات التي قد تعزز مكانة قطر الإقليمية على حساب مصالحها.

أرض الصومال: تدير الإمارات العربية المتحدة معظم الموانئ الرئيسية في أرض الصومال، بما في ذلك ميناء بربرة، الذي يُعدّ منفذاً تصديرياً هاماً للجمهورية. كما يُمثّل الميناء وجهةً رئيسيةً لصادرات أرض الصومال، ويلعب دوراً محورياً في تطوير البنية التحتية التجارية والأمنية. ورغم امتناع الإمارات عن الاعتراف الرسمي باستقلال أرض الصومال، إلا أنها تُحافظ على علاقات وثيقة مع الحكومة المحلية. وقد أدّى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال إلى تفاقم التوترات بين الرياض والإمارات، إذ ترى السعودية تعاونا بين إسرائيل والإمارات في هذا المجال أيضاً.

ويُبرز التنافس بين الرياض وأبوظبي في هذه الساحات مدى تحوّل العلاقات بينهما إلى منافسة استراتيجية مفتوحة. وقد ساهمت محاولات الوساطة والدبلوماسية الهادئة بين دول الخليج في احتواء الصراع، إلا أن الخلاف بنيوي وليس خاصاً، ولا ينبع فقط من تنافس شخصي بين قادة البلدين النافذين، بل هو جزء أساسي من البنية الإقليمية الجديدة، ونتيجة لها في الوقت نفسه. فالرسالة التي تأتي من اليمن والسودان والبحر الأحمر وغيرها من الساحات واضحة: لم يعد التعاون الخليجي أمراً مفروغاً منه. ومحاولة الرياض إظهار جبهة موحدة، تهدف بالدرجة الأولى إلى منع تدهور الأوضاع العامة، لكنها تتجاهل حقيقة أن التحالف القديم يشهد تحولاً جذرياً.

وراء الابتسامات وتصريحات الاستقرار، يتشكل واقع جديد من الفجوات وتضارب المصالح والتنافس على تشكيل النظام الإقليمي. وفي السياق الاقتصادي والتجاري، يبرز التنافس بين السعودية والإمارات العربية المتحدة بشكل أكبر. فقد اشترطت السعودية على الشركات الدولية الراغبة في ممارسة أعمالها على أراضيها أن تتخذ من الرياض مقراً إقليمياً لها، في خطوة تستهدف دبي، المركز التجاري المُهيمن في الخليج. وتُطلق السعودية شركات طيران جديدة، وتُطوّر وجهات سياحية كثيفة الاستثمار، وتُنفّذ إصلاحات اقتصادية واسعة النطاق، ما يضعها في منافسة مباشرة مع جارتها.

كانت الإمارات العربية المتحدة القوة الاقتصادية التي لا جدال فيها في منطقة الخليج، بما في ذلك التميّز في مجالات الطب والفضاء والسياحة والطيران والطاقة النووية المدنية – لدرجة أنه يُزعم أنها متقدمة بنحو 20 عاما عن التنمية الاقتصادية للمملكة العربية السعودية، التي تسعى الآن إلى تضييق الفجوة.

التداعيات على إسرائيل:

تتشابه الرياض وأبوظبي في كثير من الجوانب. فكلتاهما تستثمران موارد ضخمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط كمحرك للفرص الاقتصادية ومركز عالمي للذكاء الاصطناعي، والشحن والطيران، والسياحة، والتمويل، وغيرها. وتسعى كلتاهما إلى تقليل اعتمادهما على النفط، وتعزيز شراكتهما الأمنية مع الولايات المتحدة لمواجهة تهديداتهما الرئيسية، وعلى رأسها إيران. كما تؤمن كلتاهما بضرورة أن تكون إسرائيل جزءًا لا يتجزأ من المنطقة، على الرغم من اختلاف جداولهما الزمنية وشروطهما لتطوير هذه العلاقات اختلافًا جوهريا. وتوجد بينهما إمكانية كبيرة للتعاون، ولكن هذه التشابهات هي التي تُهيئ الأرضية للعداء الذي نشهده اليوم.

بالتوازي مع ابتعاد الرياض عن أبوظبي، يبدو أنها تقترب من تركيا وقطر، وهي خطوة وصفها صحفيون إسرائيليون بأنها ليست سوى تحالف مع السياسة التركية وانضمام السعودية إلى محور الإخوان المسلمين. بل إن مُعلقين إسرائيليين دعوا إسرائيل إلى اختيار جانب، وهو جانب الإمارات العربية المتحدة. قد تُشير هذه التصريحات والتعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة إلى أن إسرائيل قد اختارت بالفعل جانبا في الصراع، وأنها تقف “في المعسكر الإماراتي”، وهذا على الأقل ما يفهمه السعوديون.

أعرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن قلقه إزاء ما يُزعم من تحوّل في السياسة السعودية، قائلاً: نحن نتبع النهج السعودي تجاه قطر وتركيا، ونتوقع من الراغبين في التطبيع معنا ألا يُؤيدوا أيديولوجية تسعى إلى عكس السلام. وتُولي المملكة اهتماما بالغا لهذا الخطاب الإسرائيلي، وقد نفت هذه الادعاءات بشدة.

يعيد اللاعبون الرئيسيون في العالم العربي تنظيم صفوفهم في ظل تغيرات موازين القوى الإقليمية خلال العامين الماضيين، لا سيما ضعف إيران ووكلائها، والقوة النسبية لتركيا وإسرائيل على حسابها. ويُعتقد أن التغييرات في السياسة الخارجية السعودية مرتبطة بهذه التغيرات في موازين القوى الإقليمية، وبالأخص بمخاوف السعودية من تعزيز إسرائيل لنفوذها. فمن وجهة نظر الرياض، ترتبط تعديلات سياستها أكثر بضرورة التحوّط، وتسترشد بمبدأ الحفاظ على أقصى قدر من المرونة في ظل تغيرات كبيرة وحالة من عدم اليقين.

لا يخدم الخلاف بين الرياض وأبوظبي، إسرائيل، إذ تسعى الأخيرة إلى تشكيل جبهة موحدة قدر الإمكان بين الدول العربية التي تنظر إليها نظرة براغماتية نسبياً، وتشاركها مخاوفها بشأن إيران. كما أن التقارب بين الرياض والدوحة وأنقرة لا يصب في مصلحة إسرائيل، وإن لم يكن ذلك مسألة هوية أيديولوجية، بل مصالح جيوسياسية قابلة للتأثير.

علاوة على ذلك، فإن تراجع القدرة على وضع استراتيجيات إقليمية على أساس “محور” سعودي-إماراتي قد يُصعّب جهود التطبيع مع السعودية. لذا، ستكون إسرائيل مُخطئة إذا انحازت، ولو ضمنيًا، إلى جانب السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، أو إلى أبوظبي، التي تربطها بها علاقات تعاون اقتصادي وأمني مثمرة. أمام إسرائيل خياراتٌ للعمل في هذا الشأن، منها التواصل مع السعودية مباشرةً أو عبر الإدارة الأمريكية لطلب توضيحات بشأن التعديلات الأخيرة في سياسة الرياض. كما أن تبني إسرائيل خطابا إيجابيا بشأن تسوية سياسية مستقبلية مع الفلسطينيين سيكون ذا أهمية بالغة للسعودية، وقد يُخفف من حدة التوتر بين القدس والرياض.

رابط المادة الأصلية:https://www.inss.org.il/publication/saudi-arabia-uae-2026/