لماذا يسود الهدوء على جبهة الحوثيين؟

لماذا يسود الهدوء على جبهة الحوثيين؟

لماذا يسود الهدوء على جبهة الحوثيين

ترجمة (بتصرف) │غسان محمد

نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في 6 فبراير 2026 تقريرًا بعنوان: “لماذا يسود الهدوء على جبهة الحوثيين؟ كيف يمكن تفسير عدم رصد أي إطلاق صواريخ من اليمن باتجاه إسرائيل حتى الآن؟”، أعدّه الباحث آري هايستين، ويتناول فيه تفسير أسباب امتناع «جماعة الحوثي» حتى الآن عن الانخراط المباشر في «الحرب» الدائرة ضد إيران، رغم ارتباطها بمحور المقاومة وعلاقاتها الوثيقة بطهران. وفيما يلي ترجمة خاصة للمادة:


على عكس المتوقع، لا يبدو الحوثيون في عجلة من أمرهم للدفاع عن طهران. من المُحتمل أن تتطور الحرب ضد إيران والأحداث في الخليج بطريقة تزيد من دوافعهم للهجوم، ولكن حتى في هذه الحالة، من المرجح أنهم، انطلاقا من مصالحهم، سيتصرفون بحذر لتجنب رد فعل عنيف.

في هذه الأيام، حيث تواجه إيران وهي زعيمة”محور المقاومة” تهديدا من الحملة المشتركة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضده، من الطبيعي التساؤل عن سبب التزام نجم المحور الصاعد، الصمت من موقعه في اليمن. فالحوثيون يعلنون أنفسهم مقاتلين راديكاليين لا يخشون شيئا، مُستعدين لبدء مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم الإقليميين. لكن نظرة فاحصة تكشف الأسباب الأيديولوجية والاستراتيجية والعملية التي تجعل الحوثيين لا يتعجلون في الدفاع عن طهران. مع أن الأحداث قد تتطور بطريقة تزيد من حافزهم للهجوم، فمن المرجح، نظرا لمصالحهم، أن يفعلوا ذلك بضبط النفس لتقليل أثر أي ردٍّ فعل انتقامي ضدهم.

استلهم الحوثيون عقيدتهم الدينية من الثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٧٩، لكنهم ظلوا منفصلين عنها. ففي عام ٢٠٠٤، تحولوا إلى تنظيم مسلح، مستمدين معظم قوتهم من المظالم المحلية والتاريخ اليمني. يسود الاعتقاد بأن المصلحة المحلية تتفوق على المصلحة الدولية، وتتركز طموحات الحوثيين على قلب النظام الاجتماعي الذي أفرزته ثورة ١٩٦٢ في اليمن، والتي أدت إلى الإطاحة بالإمام البدر وتهميش الطبقة الهاشمية (أحفاد النبي محمد). ورغم أن الحوثيين يدّعون أنهم ورثة الجمهورية اليمنية التي تأسست عام ١٩٦٢، فإن رؤيتهم لحكم اليمن تستند إلى ألف عام من حكم الإمامية في شمال اليمن أكثر من استنادها إلى السنوات السبع والأربعين الأخيرة من الحكم الديني في إيران.

لا ينفي هذا حقيقة أن الحوثيين تأثروا بشدة بالإيرانيين وتلقوا منهم تسليحا جيدا. ففي بدايات تاريخ التنظيم، كان قادة بارزون فيه يترددون على إيران. وقد زارت العائلات المؤسسة، بما فيها آل الحوثي وآل الحمران وآل الحمزي، إيران قبل فترة طويلة من حملهم السلاح وتوجيهه ضد الحكومة اليمنية عام ٢٠٠٤. وساهم التيار الإيراني الراديكالي، الذي يتسم بأيديولوجية شيعية معادية للغرب، في تشكيل النظرة المتطرفة والريبة للعالم لدى مؤسس الحوثيين، حسين الحوثي، ولا تزال خطبه تشكل الأساس الأيديولوجي للتنظيم حتى اليوم. ومنذ وفاة حسين عام ٢٠٠٤، تعمّقت العلاقات مع إيران بشكل ملحوظ، وخلال العقد الماضي، زوّدت طهران حلفاءها الحوثيين بالتدريب والأسلحة المتطورة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والصواريخ المضادة للسفن والطائرات املبعيدة المدى.

لكن الحوثيين لم ينظروا قط إلى إيران بوصفها مركز ثقل أو مركز سيطرة لهم، أو كشريك في تحالف دفاعي مشترك. وبدلاً من ذلك، ينظر الحوثيون إلى الجمهورية الإسلامية كشريك أيديولوجي وعسكري هام لدعم المُكوّن اليمني المتميز ضمن “المقاومة” الإسلامية الشاملة. ولا تتضمن هذه العلاقة بالنسبة للحوثيين أي التزام من جانبهم بالمخاطرة ببقائهم من أجل دعمهم.

وحتى لو شعر الحوثيون بدافع أيديولوجي للتدخل، فإن الوقت الراهن غير مناسب لهم على الإطلاق لمواجهة التحالف القوي بقيادة الولايات المتحدة. فقد تضرر اقتصاد الحوثيين في شمال اليمن بشدة جراء سلسلة من الضغوط المتراكمة. ومن جميع الجهات، تتسم الأزمة الاقتصادية بجوانب ملموسة لا يمكن إخفاؤها أو التستر عليها بالأيديولوجيا. فقد ساهم تدمير موانئ الحوثيين جراء الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، وتراجع المساعدات الخارجية بسبب المخاوف من اختلاس الأموال، والعقوبات القاسية التي فرضتها واشنطن، ونقل المؤسسات المالية الرئيسية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة «الحكومة»، فضلاً عن استحالة استمرار نهب خزينة الدولة والبنوك والسكان إلى ما لا نهاية، في تفاقم أزمة إيرادات النظام، دون أي حلول تلوح في الأفق. ورغم أن الحوثيين تمكنوا لسنوات من إثراء النظام ودفع جزء ضئيل فقط من أجور موظفي القطاع العام، فإن هذا لا يدل على قدرة النظام على البقاء. فالأزمة المتفاقمة قد تدفع الشعب اليمني إلى حافة الانهيار، وتدفع مرتزقة النظام إلى التوقف عن القتال، وربما حتى الانشقاق، بل وتمنع التنظيم من تجديد مخزوناته من الأسلحة.

بما أن الحوثيين لم يبدأوا إعادة بناء الموانئ البحرية التي يعتمد عليها اقتصادهم، إلاّ مؤخرا، فمن المنطقي ألا يتسرعوا في شن جولة أخرى من الهجمات ويخاطروا بمزيد من الخسائر. ورغم سمعتهم كقوة عدائية، فإن للحوثيين تاريخا موثقا جيدا من التوقفات الاستراتيجية عندما يفقدون زخمهم أو يحتاجون إلى الراحة وإعادة التسلح قبل الجولة التالية. وفي الوقت الراهن، تتجه الحسابات الاستراتيجية للجماعة بشكل كبير نحو الاحتواء.

أيضًا، على الصعيد العملي البحت، من المرجح أن يكون الحوثيون قد غيّروا مسارهم بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية الناجحة في شتاء وصيف 2025 التي أسفرت عن مقتل كبار قادتهم العسكريين، ومؤخرًا، القيادة الإيرانية في إطار عملية “الغضب الملحمي”. وبينما أصبحت حركة الحوثيين أكثر تنظيما بمرور الوقت، إلاّ أنها لا تزال ذات طابع شخصي للغاية وتعتمد على الروابط العائلية والشخصية. إن هجوما من النوع الذي قضى على مستويات كاملة من القيادة العليا في حزب الله وإيران، من شأنه أن يُلحق ضررا بالغا ببنية السلطة لدى الحوثيين، في وقت تفتقر فيه المنظمة بالفعل إلى الموارد المالية التي تستخدمها لتجنيد خصومها في اليمن.

في الأيام الأخيرة، أصدر زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، بيانا غير مُلزم، زعم فيه أن التنظيم “على أهبة الاستعداد” وأنه سينضم إلى الحرب إذا اقتضت الظروف ذلك. إلاّ أن هذا البيان المُبهم لا يُقدم مؤشرا واضحا على نواياهم، وربما كان الهدف منه ردع الخصوم عن استغلال ضعف المحور، بدلا من الإشارة إلى نية حقيقية للانضمام إلى القتال.

وحتى بعد دخول حزب الله الحرب، يبدو أن الحوثيين يكتفون بالتعبير عن تضامنهم مع إيران من بعيد. ويُشير هذا الموقف الحوثي إلى فرق جوهري بين التنظيمين: فبالنسبة لحزب الله، الذي لا ينفصل عمليا وأيديولوجيا عن طهران، تُعد حرب الجمهورية الإسلامية حربا وجودية. أما بالنسبة للحوثيين، فإن مُجرّد التدخل قد يُهدد بقاء مشروعهم. وبينما نعى الحوثيون اغتيال خامنئي واحتفوا بإرثه، إلا أنهم ليسوا مُلتزمين به أو بالنظام الذي تركه.

لكن من الممكن أن تتغير اعتبارات الحوثيين. فعلى سبيل المثال، في لحظة يأس، قد يُقدّم الحرس الثوري الإيراني حوافز كبيرة للحوثيين للمشاركة في القتال، مُوفراً لهم شريان حياة يُساعدهم على تجنب أزمة اقتصادية. وبالمثل، قد تبدأ دول مجلس التعاون الخليجي بالانخراط بشكل مباشر في مهاجمة إيران. وفي مثل هذه الحالات، قد يُحاول الحوثيون تحقيق توازن بين النشاط وضبط النفس من خلال مهاجمة أهداف في الخليج (بدلاً من أهداف أمريكية أو إسرائيلية)، كي يكون رد الفعل ضدهم محدودًا.

لذا، لا ينبغي توقع ما سيحدث لاحقاً من سياسة الحوثيين الحالية، بل ينبغي مواصلة مراقبة التهديد عن كثب، إذ إن عنصر المفاجأة، كان أحد أهم المزايا التي استُغلت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول م2023


رابط المادة الأصلية : https://www.inss.org.il/he/publication/houthi-2026/