ملخص الدراسة
تركز هذه الدراسة على منطقة القرن الإفريقي، بوصفها من المناطق الاستراتيجية في إفريقيا والعالم بسبب موقعها الجغرافي الحيوي، المسيطرة على مدخل البحر الأحمر الجنوبي في مضيق باب المندب، والمؤثرة –أيضًا- في مدخله الشمالي، ممثلا في قناة السويس، والبحر الأحمر هو الشريان الواصل بين أرجاء العالم، والحامل لحركة البشر والغذاء والنفط والسلاح العالمي، وهو صمام الأمان لأمن الدول العربية والإفريقية المتشاطئة للبحر، وهو ذو أهمية خاصة لمصر أمنيًا واستراتيجيًا واقتصاديًا، وكذلك لمصر بحكم أن قناة السويس أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، فضلًا عن الآمال المستقبلية للمنطقة الاقتصادية الواعدة في إقليم قناة السويس.
وتحلل هذه الدراسة التحديات التي تحيط ببيئة الأمن في القرن الإفريقي، لاسيما أنَّ الإقليم يفتقد إلى منظومة جماعية أو حتى فرعية لضمان الأمن فيه؛ فمنظومة الأمن الجماعي تقوم على تأمين الدول داخليًا، وتدفع التهديد عنها خارجيًا، بما يكفل لها الأمن والاستقرار، بشرط توافق مصالح وغايات وأهداف أطرافها، وكان من الممكن في وقت مبكر قيام منظومة عربية – إفريقية جماعية لحماية الأمن في البحر الأحمر عامة، والقرن الإفريقي خاصة، لكن الوضع الآن أصبح معقدا لوجود أطراف إقليمية ودولية ذات أهداف مختلفة، ومصالح متباينة، لكن الأمر ليس مستحيلا؛ لأن الهدف الرئيس لأي منظومة أمنية يمكن أن تتشكل لاسيما في إطار الدول المعنية بأمن البحر الأحمر من الدول المشاطئة له.
وتبرز هذه الدراسة العوامل التي قادت إلى انهيار النظام الإقليمي العربي عامة، وتراجع دور مصر في إفريقيا؛ إذ ازداد تغلغل الكيان الصهيوني في إفريقيا وعلاقة ذلك بمياه نهر النيل، خصوصًا أن هذا التوغل الصهيوني في إفريقيا كان يجري على حساب مصر، ويستهدف تجفيف المياه التي تصل إلى مصر، فكانت خطط الكيان الصهيوني تتعامل على هذا الأساس عن طريق تعزيز علاقاته مع دول حوض النيل، ولاسيما إثيوبيا، عن طريق إقامة التحالف الإسرائيلي -الإثيوبي لتطويق مصر.
ولم يكشف بناء سد النهضة الإثيوبي وما صاحبه من مواقف سياسية للقادة الإثيوبيين –فقط- ضعف السياسة المصرية وغياب الرؤية الاستراتيجية للتعامل مع واحدة من أهم القضايا الحيوية في مصر، وإنما تخاذل الموقف المصري على رغم الوضوح الإثيوبي في إيذاء مصر وشعبها وارتكاب جريمة الإبادة ضده بحجب حقه في المياه وفق مختلف القوانين الدولية.
مقدمة
مع بداية الألفية الجديدة اتجهت بعض مراكز الدراسات الغربية والعربية لتقديم دراسات موثقة حول أهمية منطقة القرن الإفريقي، بوصفها من أهم المناطق الحيوية على مستوى العالم، لاعتبارات جيوبوليتيكية واستراتيجية؛ الأمر الذي جعلها ساحة للتنافس بين عدد من القوى الإقليمية والدولية الطامحة للحصول على منافعها الاقتصادية والاستفادة من مكانتها الجيوستراتيجية، وكذا توسيع منافذ الوجود العسكري في المنطقة، باستعمال أساليب ضغط سواء سياسية أم اقتصادية أم عسكرية.
وبما أن منطقة القرن الإفريقي تعد المعبر والشريان الرئيس للتجارة الدولية نتيجة امتداد معابرها المائية من باب المندب وصولًا إلى البحر الأحمر، كما تعد البوابة المركزية لناقلات النفط الخليجية، وممرًا للتحركات العسكرية لبعض القوى الكبرى المتجهة لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، فقد أسهم كل ذلك في اشتداد التنافس الدولي والإقليمي؛ للحصول على موقع نفوذ بالمنطقة، وما يعقد المشهد العام في العقود الأخيرة هو إسهامات التحولات الجيواستراتيجية بالعالم في ترقية منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة لإعادة ترتيب ميزان القوة بين هذه القوى؛ لتعزيز النفوذ وتثبيت وجودها بآليات عسكرية واقتصادية.
وهناك مجموعة من الأسباب جعلت منطقة القرن الإفريقي مركز اهتمام الدول الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وثكنتها الاستراتيجية في المنطقة (الكيان الصهيوني)، والاتحاد السوفياتي (سابقًا)، وفرنسا- زمن الحرب الباردة- والصين، والقوى الإقليمية مثل إيران، وتركيا، مع بداية الألفية الجديدة.
- تشمل منطقة القرن الإفريقي البحر الأحمر، الذي يُعَدُّ واحدًا من أهم الطرق البحرية في العالم؛ إذ يوفر للقوى الإقليمية والدولية إمكانات الوصول إلى البحر المتوسط والمحيطات المفتوحة، ومنه يجري نقل نسبة كبيرة من التجارة العالمية من النفط، مما منح موضوع أمن البحر الأحمر أولوية في الفكر الاستراتيجي العالمي، وفي اهتمام الدول الكبرى في الحقب التاريخية المختلفة، وقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية بجد مع نهاية الحرب الباردة في 1991/1992 على إيجاد قواعد مستقرة للأمن في المنطقة العربية تتقبلها القوى الرئيسة فيه، وذلك بحسبانها الضامن لهذه القواعد، مما أوجد حالة من الاستقرار النسبي لأمن البحر الأحمر، كأن قضية البحر الأحمر عادت أخيرًا لأولويات أجندة عمل عدد من القوى الدولية والإقليمية، مما طرح عددًا من التساؤلات حول أسباب تصاعد الاهتمام بهذا الأمن، وأهم الاقترابات التي اقترحت لتحقيق هذا الأمن من قبل أطراف مختلفة1.
- استشراف مستقبل الخريطة الجيواستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي أصبح يعتمد بدوره على جملة من العوامل المؤثرة في بيئة الصراعات التي تموج بها، ومنها التنافس الإقليمي والدولي على الثروة والنفوذ في هذه المنطقة، مما يسهم في إضفاء مزيد من التعقيد والتشابك على مجمل الصراعات هناك، ولا يمكن أيضًا إغفال انعكاسات ظهور النفط في كثير من دول القرن الإفريقي، وما يعنيه ذلك من إضافة بُعد جديد لطبيعة التوترات القائمة.
- ما زالت منطقة القرن الإفريقي تعاني صراعات ونزاعات حدودية متعددة بين دولها المختلفة، على رغم مرور عقود طويلة على رحيل الاستعمار الأوروبي عنها؛ إذ إن نظرة سريعة إلى الخارطة تكشف حجمًا هائلًا من المشكلات المعقدة التي خلفها الاستعمار وراءه، وفيما تبدو الحالة الطبيعية بين أي دولتين جارتين في هذا العالم في شكل علاقات قوية وتبادل للمصالح يحكمها مبدأ حسن الجوار، لكن في منطقة القرن الإفريقي يختلف الحال فيها، فبعد أن رحل الاستعمار حضرت أزمات الحدود بين الجيران؛ ليستمر الحصاد المرُّ بين شعوب هذه القارة إلى يومنًا هذا، وتسببت صراعات الحدود القائمة بين بعض دول منطقة القرن الإفريقي (إريتريا – إثيوبيا، إريتريا، جيبوتي، الصومال)، التي تثار بسبب الخلافات السياسية وتضارب المصالح، أو بسبب التقسيم الحدودي غير الملائم؛ إذ إن الاستعمار في تقسيمه للحدود الإفريقية عامة لم يراع الامتدادات الإقليمية الطبيعية للقبائل الإفريقية، في تفجير حروب بين هذه الدول، مما أسهم في تعميق حالة عدم الاستقرار السائدة في منطقة القرن الإفريقي، وإزهاق أرواح مئات الآلاف، فضلًا عن كلفتها الاقتصادية الهائلة في بقعة جغرافية تعاني من الفقر والمرض على رغم غناها بالثروات الثمينة، لا سيما النفط والمعادن بأنواعها المختلفة.
- تتوافر في منطقة القرن الإفريقي مؤهلات جيوستراتيجية واقتصادية ضخمة تجعلها من بين أهم المجالات الحيوية على مستوى العالم.
- التنافس الدولي سواء على المستوى العسكري أم الاقتصادي حول المنطقة الذي يمثل عاملًا مساعدًا في تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية بالقرن الإفريقي؛ نتيجة إحكام قوى دولية سيطرتها على الممرات البحرية، وكذا المواقع الاستراتيجية بالمنطقة.
- تحظى منطقة القرن الإفريقي باهتمام مجموعة من القوى الدولية كالولايات المتحدة والصين، وكذا قوى إقليمية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني؛ لما تمثله من عمق استراتيجي ومنبع ثرواتي ضخم يجعلها أحد أبرز المناطق أهمية على مستوى العالم.
وقد تفرعت عن الإشكالية الرئيسة مجموعة من التساؤلات الفرعية من أهمها:
- ما الأهمية الجيواستراتيجية التي تحظى بها منطقة القرن الإفريقي؟
- ما الأسباب الداخلية والخارجية التي أدت إلى احتدام التنافس الدولي حول منطقة القرن الإفريقي؟
- ما الاستراتيجيات التي تنهجها بعض القوى الدولية والإقليمية لتوسيع رقعة نفوذها داخل المنطقة؟
- ما دوافع الاهتمام بالمنطقة من قبل فواعل دولية وإقليمية وتداعيات ذلك على أمن المنطقة واستقرارها؟
أولًا: تعريف القرن الإفريقي جغرافيًا وتسميته
في ويكيبيديا (الموسوعة الحرة) يُعرف القرن الإفريقي بشبه الجزيرة الصومالية، وهي شبه جزيرة تقع في شرق إفريقيا في المنطقة الواقعة على رأس مضيق باب المندب من الساحل الإفريقي، وهي التي يحدها المحيط الهندي جنوبًا، والبحر الأحمر شمالًا، وتقع بها حاليًا: جيبوتي، والصومال وإريتريا وإثيوبيا.
وترى الموسوعة التاريخية الجغرافية أن القرن الإفريقي يتكون من الصومال، جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا؛ إذ تشغل الصومال معظم مناطق القرن الساحلية التي تقع على المحيط الهندي وخليج عدن، وتشمل جيبوتي وإريتريا بقية مناطق القرن الساحلية التي تقع على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، أما إثيوبيا فقد حرمت من هذا المنفذ الساحلي الاستراتيجي بعد استقلال إريتريا في العام 1993.
في حين ذكر عبد الله أنس الإرياني أنَّ القرن الإفريقي سمي بهذا الاسم بسبب شكله كقرن على المحيط الهندي وخليج عدن، ومن رأيه أن القرن الإفريقي يتكون من الصومال، إثيوبيا، جيبوتي، إريتريا، إضافة لكل من السودان وكينيا؛ بسبب التداخل الحدودي والقبلي، بل يُعد اليمن دولة من دول القرن الإفريقي، بحكم التقارب الجغرافي والتواصل السكاني والتأثير والتأثر؛ فهي في رأيه مرتبطة ارتباطًا جذريًا بالقرن الإفريقي.
وكان من رأي السفير محمد عبد الله الوزير أنَّ تعبير “القرن الإفريقي” لمنطقة شاسعة من شرق إفريقيا له مدلول غير واضح المعالم جغرافيًا، سياسيًا، اقتصاديًا، تاريخيًا؛ نظرًا لانعدام الملامح الضرورية لوضع المنطقة في إطار مفهوم جغرافي وعرقي متناسق، ولذلك فهو يرى أن هذه التسمية تُعد فرضية جيوبوليتكية، يمتد مفهومها الجغرافي في مسيرة التفاعلات الدولية المتسارعة، وانطلاقًا من ذلك اعتبر أن منظمة القرن الإفريقي تضم كلًا من إثيوبيا، إريتريا، جيبوتي، الصومال، كينيا، التي تغطي مساحة قدرها 2,362,000 كم2.
أما الدكتور محمد عبد الغني سعودي فقد اقتصر في كتابه “إفريقيا في شخصية القارة شخصية الأقاليم” على أن دول القرن الإفريقي تتكون من إثيوبيا، إريتريا، جيبوتي، بينما السودان جعلها من حوض النيل، ولم يصنفها من دول القرن الإفريقي، وأما كينيا وأوغندا وتنزانيا، بالإضافة إلى راوندا وبوروندي فقد صنفها على أنها دول شرق إفريقيا.
استخرج الدكتور السيد فليفل وثيقة بريطانية وردت في وثائق الأرشيف السوداني بدار المحفوظات البريطانية، وهي عبارة عن خطاب موجه من المفوض البريطاني في أديس أبابا “ويلغرد تسيجر” إلى حاكم عام السودان في ظل الحكم الثنائي المصري-البريطاني للسودان (مؤرخ في 11 أكتوبر 1917)، وقد عرضت الوثيقة تصورًا شاملًا لمنطقة القرن الإفريقي والسودان وكينيا.
واستنادًا على هذه الوثيقة كان من رأي الدكتور فليفل أن القرن الإفريقي هو ذلك البروز المثلث الشكل، الواقع بين الشرق الإفريقي الذي يشرف على المحيط الهندي، خليج عدن، ويمتد شمالًا على ساحل البحر الأحمر لمسافة 600 ميل، ويمتد إلى داخل القارة الإفريقية ليشمل كلًا من الصومال، جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا، كينيا والسودان، وبالنسبة للأخيرتين فقد يجري إدخالها ضمن دول القرن الإفريقي؛ بسبب التداخل العرقي واللغوي بينهما وبين دول القرن الإفريقي2 .
لقد تعددت التعريفات التي أطلقت على القرن الإفريقي، فقد سمى بذلك نظرًا إلى امتداده داخل المياه بشكل يشبه القرن، وكأنه يشق الماء إلى شطرين، الشطر الشمالي هو البحر الأحمر، والجنوبي هو المحيط الهندي، ويقع في أراضي الصومال، ولكن المفهوم ينصرف ليشمل كل دول الجوار الجنوبية، وهي جيبوتي، وإريتريا، في حين ضمت بعض الدوائر الجغرافية إثيوبيا، ويضيف آخرون كينيا والسودان للإقليم.
كما تبنت الولايات المتحدة- في ضوء استراتيجيتها في شرق ووسط إفريقيا- مصطلح” القرن الإفريقي الكبير ليشمل الإقليم عشر دول، هي الصومال، جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا، السودان، كينيا، رواندا، بوروندي، تنزانيا، أوغندا، كما أضافت بعض الدوائر الغربية اليمن للإقليم، في ضوء المتغيرات الأمنية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، أي: أن مفهوم القرن الإفريقي يتسع ويضيق طبقًا لسياسات الدول ومصالحها3 .
وتتحكم منطقة القرن الإفريقي في المواصلات البحرية بين الشرق والغرب، عن طريق مضيق باب المندب، وتعد الطرف الشرقي للقارة، والمؤثر في أي صراع بحري مستقبلي في المحيط الهندي، ويفصل منطقة القرن الإفريقي عن آسيا البحر الأحمر بمتوسط عرض (200 كم) تقريبًا، وتقترب منها عند مضيق باب المندب بفاصل (30 كم)، ثم تتلاقى معها عند قناة السويس بطول (170 كم) تقريبًا، وتتميز بإطلالة شاسعة على المحيط الهندي شرقًا، وتمتد سواحلها الشمالية الشرقية على الساحل الغربي لكل من خليج عدن، والبحر الأحمر، وخليج السويس.
وتنقسم منطقة القرن الإفريقي جغرافيًا إلى أربع دول، هي: الصومال، جيبوتي، إثيوبيا، إريتريا، وكانت هذه الدول تتحكم في مضيق باب المندب والبحر الأحمر؛ الأمر الذي جعل لمنطقة القرن الإفريقي مقومات جغرافية بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية، فهي تتحكم في طرق التجارة الإقليمية والدولية، وكذلك الملاحة البحرية المدنية والعسكرية، وتشير الدراسات إلى أن النجاح في السيطرة على الملاحة في البحر الأحمر تأتي عن طريق السيطرة على مضيق باب المندب، مما قد يزيد من أهمية دول القرن الإفريقي بعد التنافس الشديد بين القوى الدولية على تعزيز وجودها في الدول المطلة على ساحل البحر الأحمر، سواء الاتفاقيات أم التسهيلات الأمنية أم إنشاء القواعد العسكرية.
وتزداد الأهمية الاستراتيجية لدول القرن الإفريقي بوجود 168 جزيرة داخل البحر الأحمر، هذه الجزر ما هي إلا قواعد متقدمة لسواحل الدول، مثل إريتريا وجيبوتي داخل المياه للمراقبة عن كثب، والاستطلاع البحري، مما يجعلها مطمعًا للدول الكبرى؛ ذلك لأن احتلالها أو مجرد فرض السيطرة عليها يعمل على تأمين المجرى الملاحي بالكامل، وإحكام السيطرة على المرور منه، وإذا قارنا إجمالي عدد الجزر، ومساحة البحر الأحمر، فسنجد أنَّ الكثافة الجزرية للبحر الأحمر تبلغ نحو 2.1 جزيرة في كل ميل مربع من المسطح المائي، وهي كثافة مرتفعة تؤدي- بلا شك- إلى تعقيد المجرى الملاحي، وتزيد من إحكام سيطرة اليابس على الماء، بحسبان أن هذه البقع الجزرية ما هي إلا قواعد متقدمة للساحل داخل المياه4 .
التداخلات الإثنية بين دول القرن الأفريقي
إن دول القرن الإفريقي مترابطة ثقافيًا كما تربطهم الرابطة الجغرافية، وكذلك نجد أن عاداتهم في الزراعة والحياة متقاربة إلى حد كبير، أما التركيبة الإثنية فهي عابرة للحدود في منطقة القرن الإفريقي، وهي ظاهرة موجودة في عدد من الدول الإفريقية، فكما هو معلوم كانت مخططات الاستعمار الأوروبي لهذه المنطقة تتمثل في تقسيم المستعمرات من دون مراعاة لأوضاع الجماعات الإثنية؛ إذ تداخلت الإثنيات وتعددت بين الدول وداخلها، فعندما وضع الاستعمار الغربي وخطط للحدود السياسية في المنطقة، عمل وحرص على تشتيت وتوزيع الجماعات الإثنية المختلفة في المنطقة بين دولتين وأكثر؛ خدمة لمصالحه المختلفة، فتوزعت الجماعات الإثنية والقبائل المختلفة، وعزلت عن مراعيها وأسواقها وأقاربها وأماكن عبادتها، وهو ما أوجد بيئة مناسبة لتوتر العلاقات وتفجر النزاعات بين دول القرن الإفريقي.
وعند خروج الاستعمار من المنطقة فشلت الدول المستقلة في التعامل مع الظاهرة الإثنية، ولم يُتمكن من السيطرة عليها داخل أنظمتها السياسية، وزاد من الظاهرة أن تبنت هذه الدول سياسات فاشلة للاندماج الوطني الواحد، ارتكزت على قيام النظم الحاكمة التي تنتمي في أغلبها إلى جماعات قومية وإثنية، واستبعاد الإثنيات الأخرى في سياساتها المبنية على منطق التعصب المركزي المستند إلى توجيه الاستثمارات الحكومية والإنفاق الحكومي نحو خدمة هذه الجماعات الإثنية دون غيرها من الجماعات الأخرى5 .
وأسهم عدم الاندماج الوطني في خلق تناقضً وتصارع بين الانتماءات الفرعية داخل الدولة الواحدة، ترتب عليها ولاءات ضيقة ومحدودة لا تعترف بالولاء الوطني أو للجماعة الوطنية الشاملة، فالأغلبية المسيطرة عمدت إلى اضطهاد الأقلية أو الأقليات الإثنية الأخرى، وهو ما دفع تلك الأقليات عندما سمحت الفرصة لها إلى استخدام العنف والتمرد على النظام السياسي، الذي واجه الأمر باستخدام القوة المسلحة؛ الأمر الذي أدى إلى تفجر الصراعات والحروب الأهلية في معظم دول القرن الإفريقي6 .
جيبوتي:
سيطرت في جيبوتي قبائل العفر والعيسى، وتتكون الجماعة الوطنية في جيبوتي من قبيلتين، هما الصوماليون، وأغلبهم من قبائل العيسى والعفريون أو الدناكل؛ إذ يشكل الصوماليون الأغلبية، ويتوزعون على أربع قبائل هي العيسى والدارود والأباك والغارايورسي، أما العفريون فيتوزعون على قبيلتين هما الأدوباسرة ولا سايمرة، وتوجد إلى جانب هاتين المجموعتين مجموعات أخرى، أهمها المهاجرون من الجزيرة العربية ولاسيما من اليمن، ومن الصعوبة بمكان معرفة العدد الحقيقي لكل مجموعة من المجموعتين الرئيستين، غير أن هناك من يرى أن الصوماليين يشكلون ثلثي السكان، في حين يشكل العفريون الثلث الآخر، مع العلم أن الصوماليين في جيبوتي هم امتداد للصوماليين في دولة الصومال، أما العفريون فهم امتداد للأقلية العفرية الموجودة في دولتي إثيوبيا وإرتيريا.
إريتريا: التجر، التيجرية، والسامو، والنارا، والحضارب، والرشايدة العربية الأصل، والبلين والكوناسا:
كانت إرتيريا بحكم موقعها الجغرافي معبرًا لأجناس وشعوب مختلفة، منها السامية والحامية والزنجية، نتج عنه مجتمع متعدد القوميات شكل المجتمع الإرتيري الحديث، وهذا باعتراف كل من جبهة التحرير الإرتيرية والجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا، بل إنَّ الأخيرة -وهي الجبهة الحاكمة- ترى أنَّ المجتمع الإرتيري يتكون من تسع قوميات مختلفة، ومتفاوتة فيما بينها، وعلى رغم أنَّ تجربة النضال الوطني الإرتيري قد طورت شعورًا وطنيًا بانتماء لدى الشعب الإرتيري، وأسست لديه هوية وطنية ( إقليمية) متميزة7 ، إلا أنَّ الأمر لا يخلو من مطالب وانتقادات بقايا الفصائل الإرتيرية الأخرى التي لم تشارك في الحكم، التي قد تسبب مشاكل وصراعات داخلية، لا سيما أنَّ تاريخ القومية الإرتيرية مفعم بالصراع الداخلي القائم على الانقسامات العرقية والطائفية، وهذا ما اتضح خلال الحرب الأهلية التي نشبت بين الحركات الإريترية (جبهة التحرير الإريترية والجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا)، فقد كانت العوامل العرقية والطائفية والإقليمية مشتركة في هذا الصراع، ولذلك فالشعب الإرتيري مثله مثل بقية شعوب المنطقة متعدد القوميات، ويتكون من تسع إثنيات مختلفة، من حيث الحجم والثقافة واللغة والديانة.
إثيوبيا: عفر، بني شنقول، قماز، التيجراي:
إثيوبيا دولة تتسم بتعدد الجماعات الإثنية، فموسوعة العالم الثالث ترى أن إثيوبيا تُعَدُّ متحفًا للجماعات الإثنية، فهي تحتوي على أكثر من70 جماعة إثنية من أصول وديانات ولغات مختلفة ومتباينة، والجماعات الإثيوبية تختلف في حجمها وثقافتها ولغتها ولهجاتها وانتشارها الجغرافي، وتختلف أيضًا في مكانتها التاريخية، ومن ثم علاقتها بالجماعات الأخرى ووزنها السياسي في الدولة.
ويمكن تناول هذه الجماعات من حيث أهميتها ونسبتها إلى السكان على النحو الآتي:
الأرومو (الجالا): هي أكبر إثنية إثيوبية، وتشكل حوالي40% من نسبة السكان في إثيوبيا، تليها الأمهرة بنسبة 35%، والتجرين6% والسيدامو6% والشانكيلا6% والصوماليون6%والعفر4% والكوراج بنسبة2%، علاوة على وجود أقليات ضئيلة من حيث العدد مثل: القبائل النيلية على امتداد الحدود مع السودان والبجة في المنطقة الشمالية، ولاجو في وسط الهضبة واليهود الفلاشا.
والجدير بالذكر أن القومية الحاكمة هي الإثنية التجرينية، وهي أقلية؛ إذ سيطرت على السلطة بعد سقوط النظام العسكري في أوائل التسعينيات، علما أن الأمهرا كانت المسيطرة على السلطة خلال مددت سابقة.
الصومال: دارود، أوجدين، ماجرتين:
يشكل الصوماليون وحدة سلالية واحدة مثلها مثل جميع دول القارة الإفريقية، فالصوماليون شعب حامي شرقيًا، اختلفت آراء العلماء حول أصل تسميتهم، ويمثلون قومية واحدة من أكبر القوميات المتماسكة في إفريقيا، فهم متجانسون إلى حد كبير ومتميزون عمن حولهم، سواء من ناحية اللغة أم الدين أم العادات والتقاليد؛ إذ تصل نسبة التجانس الإثني إلى حوالي92%.
وعلى رغم وحدة السلالة في الصومال فإن ذلك لم يمنع من انقسام الشعب الصومالي إلى عدة قبائل، تتفرع إلى عشائر وبطون يمكن تقسيما إلى مجموعتين كبيرتين هما الصومال والساب، ويشكل الصوماليون أغلب الشعب الصومالي، ويستعار اسمها ليشمل مجموعة الساب، وينقسم الصوماليون إلى أربعة أقسام: الدير والإسحاق والهاوية والدارود، وكلهم من الرعاة المتنقلين، أما الساب فينقسمون إلى الديجل والروحاليين، ويقيمون بين نهري جوبا وشيلي8 .
وعلى رغم هذا التجانس الحاصل في الصومال إلا أنه يفتقر للوحدة الوطنية بين الطبقات الاجتماعية، مما أدى -على مدى التاريخ- إلى تفكك الدولة الصومالية.
وهو بهذا التعريف يظل قرنًا إسلامي الهوية، للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه، التي تتشكل في أغلبها من قبائل الأرمو، والجالا في إثيوبيا، والصوماليين في الصومال، وأوجاديين بإثيوبيا، وإينفدي بكينيا، والعفر، والعيساويين، في جيبوتي، وإريتريا، والبجة الموزعين بين إريتريا، وشرق السودان، ومن عداهم من القبائل والمجموعات الإسلامية الأخرى، من العرقيات المختلفة هنا وهنالك، التي تضم نسبًا متفاوتة من المسلمين، كالأمهرا وغيرهم.
وتُعَدُّ منطقة القرن الإفريقي أنموذجًا للتداخل الإثني القبلي بين الدول، فكل جماعة إثنية أو قبلية في دولة من دوله لها عشيرة أو جزء من الجماعة في البلدان المجاورة، فالحدود السياسية قَسَمَّتْ القبيلة الواحدة أو الجماعة الإثنية إلى شطرين أو أكثر بين أكثر من دولة، وأهم تلك الجماعات العابرة للحدود في منطقة القرن الإفريقي القبائل العفرية والصومالية، فالجماعة العفرية تنتشر في منطقة تلتقي عندها حدود كل من إثيوبيا وإرتيريا وجيبوتي، وعلى الرغم من أن تلك الجماعة تعيش في رقعة جغرافية متصلة، فإنَّها لم تتمكن من تأسيس كيانٍ سياسيٍّ مستقلٍ بها، والعفر لم يتوزعوا في جيوب داخل أو بين الإثنيات الأخرى مثلهم مثل غيرهم من القوميات، بل إنَّ العفر ينتشرون في منطقة صحراوية تمتد من السواحل الجنوبية لإرتيريا جنوب مصوع إلى السواحل الشمالية لجيبوتي جنوب مدينة طاحورة من جهة الشرق، حتى الهضبة الإثيوبية من جهة الغرب، وتزداد هذه الصحراء اتساعًا باتجاه البحر الأحمر؛ مما يجعلها تظهر بشكل مثلث؛ لذلك كثيرًا ما يطلق عليها بالمثلث العفري، وانطلاقًا من الوحدة الإثنية والجغرافيا يسعى العفر إلى إقامة كيانٍ سياسيٍّ خاصٍ بهم، يقتطع أراضيه من أراضي الدول الثلاث: إثيوبيا وإرتيريا وجيبوتي، وهو الأمر الذي دفع الدول الثلاث إلى التعاون والتنسيق فيما بينها للوقوف أمام هذه الطموحات، وهذا المشروع وإجهاضه قبل أن يظهر إلى الواقع.
وعلى رغم هذا التوجه الاستراتيجي بين الدول الثلاث حول المسألة العفرية، فإنَّها في أوقات تأزم العلاقات فيما بينها تحيد عن هذا التوجه، وتلجأ الأنظمة السياسية فيها إلى استغلال المسألة العفرية في التأثير والتدخل في شؤون بعضهم بعض، لاسيما إثيوبيا وإرتيريا 9.
فإثيوبيا لجأت إلى هذا الخيار أكثر من مرَّة، واتضح ذلك عندما قدمت الدعم والتشجيع للتحركات العفرية في جيبوتي؛ للوقوف أمام الأهداف الصومالية الرامية لضم جيبوتي إلى كيانها السياسي، لاسيما أن التكوين الإثني في جيبوتي يحتوي على أغلبية صومالية كما ذكرنا سابقًا، وهو ما كان يقلق إثيوبيا، أيضًا عملت إثيوبيا على تكوين وحدات من رجال العصابات من القبائل العفرية لاستخدامهم للتحرك ضد الحكومة الجيبوتية في حال تعرض مصالحها للخطر، وفي الوقت نفسه فإنَّ إثيوبيا كانت تطمع أيضًا لضم جيبوتي، على اعتبار أنَّ قسمًا من سكانها العفر هم امتداد لجزء من سكانها من الأقلية العفرية، علاوة على ارتباط تجارتها الخارجية بميناء جيبوتي10 .
هذه القبائل ذاتها هي التي طوقت في العصور الوسطى الهضبة الحبشية، بما عرف في تاريخ المنطقة بممالك الطراز الإسلامي، وعزلتها تمامًا عن المنافذ البحرية، إلى حد أن الحيمي11 الذي زار الحبشة عام 1648م على رأس بعثة يمنية موفدة من إمام اليمن وقتها، وصف بلاد الحبشة ” بأنها البلاد الجبلية التي تبعد عن البحر الأحمر مسيرة شهر12 .
ثانيًا: تعريف القرن الإفريقي جيوبوليتيكيًا
لقد تعددت التعريفات التي أطلقت على القرن الإفريقي، فقد سمى كذلك نظرا إلى امتداده داخل المياه بشكل يشبه القرن، وكأنه يشق الماء إلى شطرين، الشطر الشمالي هو البحر الأحمر، والجنوبي هو المحيط الهندي، ويقع في أراضي الصومال، ولكن المفهوم ينصرف ليشمل كل دول الجوار الجنوبية، وهي جيبوتي وإريتريا، في حين ضمت بعض الدوائر الجغرافية الغربية إثيوبيا، ويضيف باحثون آخرون من مراكز أبحاث أمريكية كينيا والسودان للإقليم.
بيد أن هذا التعريف للقرن الإفريقي الآنف ذكره، يظل تعريفًا ضيقًا لأنه يقتصر على البعد الجغرافي فحسب، الذي يضم كل من الصومال وإثيوبيا وإرتيريا وجيبوتي؛ فالقرن الإفريقي في جوهره يعد مصطلحًا سياسيًا مرَّ بعدد من المراحل، وأن مرحلته الأخيرة لم تتضح بعد.
وهناك مفاهيم ورؤى سياسية وجغرافية وتاريخية وديموجرافية واقتصادية للقرن الإفريقي، ولكل باحث أو كاتب أو دولة أسبابها في تصنيف وتحديد أبعاد وحدود القرن الإفريقي، وفي ضوء سيطرة المصالح المطلقة لدول العالم، وسيادة البعد السياسي، فسيكون التركيز في تعريف منطقة القرن الإفريقي في هذه الدراسة على البعدين الجغرافي والسياسي أساسًا، أي: البعد الجيوبوليتيكي لتحديد ماهية منطقة دول القرن الإفريقي، التي بإمكاناتها وقدراتها لا يمكنها تحديد إطار هذا المسمى وحدوده؛ بسبب عدم استقرار حدودها السياسية حتى الآن، ولم يكتب لها الاستقرار؛ لذا فإن بعض الرؤى ترى أن مسمى القرن الإفريقي مفهوم غامض ومتغير بفعل قوى أخرى.
إذا انتقلنا من التعريف الجغرافي إلى المستوى الجيوبوليتيكي فإن تعريف منطقة القرن الإفريقي في منظور القوى الكبرى هو تعريف استراتيجي يرتبط بالمصالح، فحيثما امتدت مصالح القوى الكبرى امتدت حدود القرن الإفريقي، والحال هذه، فإن منطقة القرن الإفريقي في تعريفها الواسع تشمل أيضًا عددًا من الدول والقوى التي تتفاعل وتتبادل علاقات التأثر والتأثير فيما بينها، مما يجعل منطقة القرن الإفريقي جيوبوليتكيا تضم مساحة هائلة من الدول الواقعة في شرق إفريقيا، وهي: الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا، والسودان، وكينيا، ورواندا، وبوروندي، وتنزانيا، وأوغندا، كما أضافت بعض الدوائر الغربية اليمن للإقليم، في ضوء المتغيرات الأمنية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، أي: أن مفهوم القرن الإفريقي يتسع ويضيق طبقًا لسياسات الدول ومصالحها.
إذا كان القرن الإفريقي اكتسب أهمية حيوية من الناحية الجغرافية؛ نظرًا لأنَّ دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ناحية ثالثة: تتحكم في طريق التجارة العالمي، لا سيما تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوربا وأمريكا، فإنَّ منطقة القرن الإفريقي بمعناها الحديث والجيوبوليتيكي، لم تعد تقتصر أهميتها على اعتبارات الموقع الجغرافي التقليدي المعروف منذ القرن العشرين، بل إنَّها تُعَدُّ منذ حرب الخليج الثانية ممرًا مُهِّمًا لأي تحركات عسكرية قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقتنا العربية.
ازدادت أهمية منطقة القرن الإفريقي بعد اكتشاف الموارد الطبيعية فيها، لا سيما النفط الذي بدأ يظهر في بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين في السودان، وهو ما يُعَدُّ أحد الأسباب في سعي الإمبريالية الأمريكية تحديدًا، والكيان الصهيوني وأوغندا، إلى تقديم كل أشكال الدعم للحركة الشعبية لتحرير السودان لإيجاد حلِّ لقضية الجنوب، وهو ما قاد إلى ولادة دولة جنوب السودان في يوليو/تموز 2011، ولعلَّ أحد تفسيرات تدخّل واشنطن في الأزمة الصومالية بعد نشوبها عام 1990، هو بداية ظهور البترول في الأراضي الصومالية، لاسيما أنَّ أمريكا لم تتدخل منذ بداية الأزمة، وإنَّما تدخلت بعد عام ونصف من اندلاعها.
واكتسبت منطقة القرن الإفريقي أهمية ثالثة بعد بروز القوى الإسلامية في عدد من دول المنطقة، ومطالبتها بتطبيق الشريعة الإسلامية، سواء أكان ذلك في السودان أم الصومال، أم حتى في إقليم الأوجادين الصومالي المحتل من قبل إثيوبيا، وازداد الاهتمام بالمنطقة بعدما تردد أنَّ هذه القوى الإسلامية الداخلية لها اتصالات ببعض القوى الإسلامية الجهادية والإرهابية، مثل تنظيم “القاعدة”، وبدأ الحديث –مثلًا- عن علاقة الاتحاد الإسلامي الصومالي بتنظيم “القاعدة”، وأنَّ الأخير هو السبب في تفجير سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998.
ثالثًا: غياب الفكر الاستراتيجي العربي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر
تعد منطقة القرن الإفريقي ذات أهمية بالغة للمنطقة العربية وتشكل عمقًا استراتيجيًا لها، وترتبط بها على أكثر من مستوى؛ نتيجة الجوار الجغرافي والتداخل البشري، وعلاقات القربى والتفاعل التاريخي والحضاري، فهذه المنطقة تشكل -قبل كل شيء- جزءًا مهمًا من الوطن العربي؛ لوجود ثلاث دول فيها تنتمي للوطن العربي، وهي السودان وجيبوتي والصومال.
وتحظى منطقة القرن الإفريقي بأهمية استراتيجية للوطن العربي، وفي قلبه دول الخليج؛ إذ تعد هذه المنطقة بمنزلة “جناح العالم العربي الإسلامي” في إفريقيا، فضلًا عن موقعها الجيواستراتيجي، فهي تشمل من الناحية الجغرافية كلًا من إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، ويوسع بعض الجغرافيين رقعة القرن الأفريقي لتضم أيضًا كينيا والسودان وأوغندا، ومع كل ذلك لا نلمس أنَ الدول العربية المعنية، لا سيما الدول الخليجية واليمن ومصر تمتلكان استراتيجية متكاملة في التعاطي مع المحاور الرئيسة لهذه المنطقة الحساسة من العالم: عروبة السودان والصومال وجيبوتي، والتحكم في منابع النيل، وتأمين الاحتياجات المالية لكل من مصر والسودان والصومال، وأمن البحر الأحمر؛ نظرا لارتباطها المباشر بالأمن القومي العربي بشكل عام، وتأثيرها في المصالح الحيوية لبعض الأطراف العربية على وجه الخصوص.
أ. مرحلة الحرب الباردة وصعود النظام الإقليمي العربي
على رغم أنَّ البحر الأحمر يقع ضمن النطاق على كل من المستوى العربي، والإفريقي، والدولي، فضلًا عن أنه ضمن الإطار الجيوبوليتيكي لمنطقة الخليج العربي، بوصفه أحد أهم الطرق البحرية في العالم؛ إذ يوفر للقوى الإقليمية والدولية إمكانات الوصول إلى البحر المتوسط والمحيطات المفتوحة، ويمر منه نفط الخليج العربي و إيران إلى الأسواق العالمية؛ إذ يجري منه نقل 25% من احتياجات نفط الولايات المتحدة الأمريكية، و60% من احتياجات أوروبا، مما منح موضوع أمن البحر الأحمر أولوية في الفكر الاستراتيجي العالمي، وفي اهتمام الدول الكبرى في الحقب التاريخية المختلفة، وعلى رغم كل ذلك لم تبلور الدول العربية المطلة على البحر الأحمر استراتيجية واضحة لأمن البحر الأحمر.
منذ تبلور الصراع العربي-الصهيوني في المنطقة العربية، ومع صعود الحركة القومية العربية الناصرية في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، اصطدم النظام الإقليمي العربي الذي كان يقوده الزعيم الراحل عبد الناصر في مرحلة صعوده بالاستراتيجية الإسرائيلية، لا سيما في زمن الحرب الباردة، وأصبح البحر الأحمر بؤرة صراع تنافسي بين الاستراتيجية العربية غير الموحدة، وبين الاستراتيجية الإسرائيلية المدعومة من الدول الغربية.
وبما أنَ كل استراتيجية ينظر إليها بعين العداء من جانب الطرف الآخر المعارض، فقد قُضى على تلك الاستراتيجيات أن تتصارع؛ لأنَّها امتداد جنوبي للاستراتيجيات العربية والإسرائيلية الشاملة في فلسطين. والأطراف المشاركة في هذه القضية هي الكيان الصهيوني من جهة، ومن جهة أخرى الأقطار العربية المطلة على البحر الأحمر، وهي: المملكة العربية السعودية، والأردن، واليمن، والصومال، وجيبوتي، والسودان، ومصر، تلك هي الأطراف الأساسية في الصراع، ويرجع هذا جزئيًا إلى موقعها على البحر الأحمر، أما الأقطار العربية الأخرى والقوتان الأعظم والدول الصديقة لطرفي الصراع، فهي أطراف غير مباشرة أو غير مركزية فيه13 .
طيلة زمن الحرب الباردة ظل البحر محورًا مهمًا للأمن القومي العربي، فمن أسباب الاهتمام المصري بأمن البحر الأحمر هو أنَّ قناة السويس التي تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط تشكل موردًا مهمًا للاقتصاد، بوصفه ممرًا استراتيجيًا للمواصلات البحرية الداخلية والخارجية، ولا سيما للقوى الإقليمية المهيمنة على البحر الأحمر الذي يضم دولًا عربية في معظمها.
ومرَّة أخرى أدت قناة السويس- التي كانت موضوع رهان الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة- دور الصاعق المفجِّر لأحداث اقتصادية بالغة الأهمية في تاريخ القرن العشرين، ففي عام 1956 عندما أممت مصر قناة السويس، تحول تأميمها إلى رمز معبأ للمدِّ الأول لحركة التحرر الاقتصادي للعالم الثالث، وستعود إلى تأدية دورها هذا في عام 1973، عندما ستقرر مصر المنهكة اقتصاديًا منذ حرب 1967 أن تحررها من الاحتلال الصهيوني، وأن تعيد فتحها للملاحة الدولية لتُربط من جديد بشبكة التجارة العالمية14 .
ولأنَّ العرب يدركون أنَّ أمن البحر الأحمر أمرٌ لازمٌ لأمن المنطقة العربية بأسرها، فثمة استراتيجية عربية أخذت تتبلور، بعد حرب أكتوبر 1973، وما نجم عنها من حدوث الأزمة النفطية العالمية عام 1974، وبالذات منذ العام 1977؛ بهدف جعل البحر بحيرة آمنة، بعيدة عن الصراعات الدولية ومتحررة من أي سيطرة أجنبية وإسرائيلية، بحيث تتأمن خطوط إمداده، ويتحرر من السيطرة والمناورات الدولية التي من شأنها أن تنعكس إيجابًا أو سلبًا على الدول العربية.
يدور مفهوم الاستراتيجية العربية في البحر حول شعار جعل البحر الأحمر “بحيرة عربية أو “منطقة سلم”، لا سيما أنَ العرب يبغون من هذه المصطلحات الاستراتيجية حماية المنطقة من التغلغل الصهيوني وهيمنة القوتين العظميين حينذاك، فكثيرًا ما كان يؤكد الزعماء العرب على الطابع العربي للبحر الأحمر، فقد قال الرئيس الراحل أنور السادات في كانون الأول/ديسمبر 1976:”إنَّ البحر الأحمر بحيرة عربية، هذا ما نتصوره”، وفي شباط/فبراير1977، قال الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد: “البحر الأحمر بحرٌ عربيٌ”.
حين كان المشروع القومي العربي متصادمًا مع المشروع الإمبريالي الأمريكي والمشروع الصهيوني، كانت معظم الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، على اختلاف مرجعيات أنظمتها السياسية والإيديولوجية، ملتزمة بحدودٍ متفاوتةٍ بالاستراتيجية العربية التقليدية في البحر الأحمر، التي تعد البحر الأحمر ممرًا مائيًا دوليًا، مع بقاء طابعه العربي، وأن الكيان الصهيوني يُعَدُّ دولة عدوانية توسعية قامت بصورة غير شرعية فوق أرض عربية (هي فلسطين)، وأنَّ استراتيجية إسرائيل ترمي في النهاية إلى السيطرة على البحر الأحمر بأهميته الحيوية، ولا سيما مدخله الجنوبي- باب المندب، الذي يُعَدُ شريانًا حاسمًا للاقتصاد العالمي؛ إذ تمر من هناك 52سفينة يوميًا، و4 ملايين برميل نفط من المضيق يوميًا، مما يجعله رابع أكثر الممرات المائية ازدحامًا في العالم.
من هنا كانت الاستراتيجية العربية تنظر إلى إسرائيل بوصفها كيانًا غاصبًا لفلسطين وللأراضي العربية المحتلة، ليس له حق مشروع في اتباع استراتيجية في البحر الأحمر باعتبار أنَّ وجوده أساسًا إنما جاء نتيجة غزو واحتلال غير مشروعة، تمت بالعنف العسكري في حروب 1948-1949،1956و1967.
بعد حرب أكتوبر 1973، واستخدام العرب سلاح الحظر النفطي على الغرب، وهو استخدام سياسي أكثر منه اقتصادي؛ إذ انتاب المملكة السعودية بقيادة الملك الراحل فيصل، ومصر بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات- وهما أكبر قوتين مواليتين للولايات المتحدة في المشرق العربي- شعور بالقلق العميق إزاء التطورات التي تقلب استراتيجيتهم السياسية رأسًا على عقب، فإثارة غضب الغرب سياسيًا جراء ذلك الحظر تغدو ضربًا من مجافاة المنطق، سيما أنَّه لم يكن حظرًا فعليًا، ولم يكن الهدف منه الإساءة إلى الغرب، بل طي صفحة الصراع العربي الصهيوني بإيجاد تسوية مقبولة، ومن ثم توفير قواعد صلبة لدمج المشرق العربي ومنطقة البحر الأحمر بالدائرة الثقافية والاقتصادية للغرب الرأسمالي15 .
وفيما أدَّى صعود الحركة القومية العربية بزعامة عبد الناصر في مرحلة الستينيات من القرن العشرين إلى تعميق الاتجاه نحو الراديكالية اليسارية في المنطقة العربية، أدّى أيضًا الطغيان النفطي في مرحلة السبعينيات إلى انعطاف المنطقة نحو الثورة الأصولية المحافظة، فتغير بذلك مفهوم الدور العربي الإقليمي بتغير المعطيات الاستراتيجية على ساحة المنطقة، ولم يعد يدور حول المقولات التقليدية للقيادة والزعامة، وإنَّما أصبح يرتبط بقدرة المنظومة الإقليمية على التعامل الإيجابي في المجالات السياسية والاقتصادية، بوتيرة منهجية وإيقاع متصاعد؛ لخلق نمط للعمل المشترك يقوم على أساس تنسيق المواقف وتراكم المصالح، وليس التركيز على الجانب الصراعي الذي كان يحكم المفهوم التقليدي، فمع صعود السياسية السعودية بسبب الطغيان النفطي، وتراجع دور مصر الناصرية، بات المعتقد أن القيام بدور الريادة للنظام الإقليمي العربي لم يعد من مهمة أو في قدرة دولة عربية واحدة، وإنما يتطلب أن تضطلع به مجموعة من الدول العربية الرئيسة والفاعلة التي تمتلك تصورًا سياسيًا مشتركًا لوظيفة المنطقة، ولدورها في ساحتها، بما يجعل من مهمتها أشبه ( بالقاطرة) التي تشد النظام الإقليمي العربي، وتوجه حركته، وتحدد بوصلته، وتمثل رأس حربته.
ب. سقوط الأدوار الإقليمية العربية
ثمة محصلة لأحداث تاريخية تراكمت طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، واستمرت مع العقدين الأولين للقرن الحادي والعشرين، أسهمت في سقوط مقومات النظام الإقليمي العربي إلى قاع البئر، ووضعت نهاية للأوهام العربية في تحقيق استراتيجية الأمن القومي العربي في منطقة الخليج، والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، لعل في مقدمتها هزيمة حرب حزيران/ يونيو 1967 وتداعياتها السلبية الخطيرة، والحرب العبثية الإيرانية العراقية 1988-1980 وما ترتب عليها من خسائر في الأرواح والممتلكات خصمت من عناصر قوة النظام العربي، ثم الغزو العسكري العراقي للكويت 1990 الذي وجه ضربة قاصمة لمفهوم الأمن القومي العربي ومصادر تهديده، وجرى البحث عن الغطاء الأمني لبعض دول المنطقة العربية من خارجها عبر الاحتماء بالمظلة الأمريكية؛ إذ شكلت حرب الخليج الثانية في بداية 1991أكبر تجسيدًا لهذه الحماية، ثم جاءت حرب احتلال العراق في آذار/مارس2003 التي لم تكتف بإسقاط النظام العراقي السابق بل تجاوزته إلى إسقاط كل مقومات الدولة العراقية نفسها، واكتفت أغلب الدول العربية بدور المتفرج، ثم حرب إسرائيل على لبنان تموز/ يوليو 2006، التي كانت في الواقع حربًا أمريكيةً بالوكالة، انطلقت من المنظور الأمريكي لفك وإعادة تركيب أوصال المنطقة العربية ضمن ما يسمى ب الشرق الأوسط الجديد، وأخيرًا انفصال جنوب السودان عن طريق تشكيل دولته الجديدة في يوليو/تموز2011، وتدخل التحالف العربي في الحرب على اليمن منذ سنة 2015.
ويصعب التقليل من تأثير هذه التطورات والأحداث الجسام في فاعلية النظام الإقليمي العربي، وتعميق مرحلة الجزر القومي، وبروز الأطروحات القطرية ودون الإقليمية، بل وتزايد وتيرة استخدام الساحات العربية مجالًا لتصفية حسابات السيطرة والنفوذ.
على رغم أنَّه من الأهمية بمكان وجود دور عربي إقليمي فاعل على ساحة المنطقة؛ ليفرض التواجد العربي عنصرًا مؤثرًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ولضبط حركة الأدوار الإقليمية غير العربية (الصهيونية، والإيرانية والتركية) على ساحتها، فإنَّه من الواضح أنَّ تحقيق هذا الدور بالشكل والمحتوى الجماعي المطلوب تحيط به عقبات سياسية وأمنية يمكن إيجازها فيما يلي:
- إنَّ الدول العربية المطلة على البحر الأحمر (مصر، المملكة العربية السعودية، السودان، اليمن، إريتريا، جيبوتي، الصومال) لا تمتلك مشروعًا سياسيًا استراتيجيًا يبلور رؤيتها لمنطقة القرن الإفريقي، ويحدِّدُ أهدافها ومصالحها الجماعية على ساحتها، ويضع إطارًا واضحًا لأمنها القومي، ويضبط علاقاتها الإقليمية والدولية، ويحكم حركتها الجماعية. بينما يتطلب الحديث عن دور إقليمي أكثر فاعلية للدول العربية عمومًا ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، أن تبدأ هذه الدول العربية والخليجية بإرساء استراتيجية سياسية مشتركة ركيزتها الأساسية ضرورة عدم التعامل مع قضايا الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية في القرن الإفريقي بشكل هامشي، وأن تكون هناك قناعة تامة تُترجم على أرض الواقع بأنَّ حلَّ هذه القضايا يرتبط بشكل مصيري بالأمن القومي العربي بسبب تدخل القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي أم الصين في هذه المنطقة.
- انقسام الآراء واختلاف المواقف التي تصل إلى حد التناقض أحيانًا بين السياسات العربية نتيجة تعدد التوجهات، وتنوع الأهداف وتضارب المصالح وتباين الاهتمامات، وهو ما يعد محصلة طبيعة لاختلاف ظروف الدول العربية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
- استهانة الدول العربية بمتطلبات المصالح العربية العليا، ومقتضيات الأمن القومي العربي، ورفضها القاطع للتنازل عن جزء من سيادتها؛ ثمنًا لمواقفها المشتركة دفاعًا عن أهدافها الجماعية الاستراتيجية، وذلك في الوقت نفسه الذي تقبل فيه سواء عن طيب خاطر أم كان إذعانًا لضغوط خارجية للقيام بهذه التضحية ودفع هذا الثمن إذا ما تعلق الأمر بسياسات قوى كبرى أو بمصالح استراتيجية غربية.
- اختلاف الرؤى بين السياسات العربية (المصرية، والسودانية، والسعودية واليمنية، والإماراتية، والصومالية، و الإريترية، و الجيبوتية) حول أولويات القضايا ومصادر التهديد الأمني لمنطقة القرن الإفريقي، وفي القلب منه أمن البحر الأحمر، واتجاه التحالفات الخارجية، وذلك اتصالًا باختلاف المواقع الجغرافية والتجارب التاريخية والمصالح الأمنية والاقتصادية لكل منها، ومن هنا كان تباين هذه السياسات في تقييم الأوضاع في منطقة البحر القرن الإفريقي والبحر الأحمر، واختلاف انعكاساتها على مواقفها في القضايا الاستراتيجية العربية حيث يهتم بعضهم بأمن الخليج لدواعٍ استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة والنشاط الإيراني وامتداداته في هذه المنطقة، كما يختلف تقدير هذه السياسات حول مصادر التهديد على أمنها بين إسرائيل وإيران، ويغلب على بعضها مشاعر الاطمئنان لمظلة الحماية الأمريكية بوصفها الضامن لاستقرارها واستمرارها، بينما يفضل بعضهم الآخر الارتكان على مجموعة الممانعة تقديرًا لقدرتها على تعطيل الفعل الأمريكي في المنطقة وسيلة لإثبات قوة التواجد وحفظ المصالح على ساحتها.
- رفض الدول العربية تباين مواقف السياسات العربية من فكرة الأدوار الإقليمية من أساسها؛ إذ لا يرتاح بعضها إلى مخاطر هذه الأدوار وأعبائها، ولا تمتلك أية طموحات للقيام بها أو إجراء أية مواجهات أو محدودة مع السياسة الأمريكية
- إنَّ السياسة الأمريكية في المنطقة -وإن كانت تشجع قيام بعض الدول العربية بأدوار (جزئية) وظيفية في الغالب، في قضايا محددة -تتم بشروطها وتخضع لمواصفاتها، وتنحصر في إطار الوساطة أو التهدئة أو المصالحة إلا أنَّها لا تبارك ظهور دورٍ إقليميٍ عربيٍّ جماعيٍّ فاعلٍ على الساحة العربية؛ لتقديرها أنَّ مثل هذا الدور يستهدف توحيد المواقف وتوجيه الحركة وفق سياسة عربية منسقة ومستقلة وذات منظور موحد، وهو أمر يتوجس منه الأمريكيون لاحتمال اتجاه وجهة لا تتفق مع أهدافهم في المنطقة أو تتلاءم مع تصورهم لدور “إسرائيل” فيها أو تتوافق مع تقييمهم لمعطيات توازن القوى مع “طهران” على ساحتها، ومن هنا كان اتجاه السياسة الأمريكية إلى تشجيع الدول العربية ( الصديقة) على اتخاذ مواقف مستقلة تخدم أهدافها الذاتية، وحثها على نبذ أي تعاون عربي وخليجي جماعي سياسي أو أمني، ودفعها للتعامل مع التطورات القائمة أو المستجدة في المنطقة في إطار الاستراتيجية الأمريكية للاستقطاب بين مجموعتي (الاعتدال) المستعدة للتطبيع مع الكيان الصهيوني ومجموعة (التشدُّدِ) المواجهة للمشاريع الامريكية والإسرائيلية في المنطقة.
من الواضح أنَّ العقبات التي تحول دون بلورة موقف عربي إقليمي فاعل في المنطقة لا تتعلق بوجود تناقضات جوهرية أو خلافات جذرية بين السياسات العربية بقدر ما تتصل بوجود هواجس ومخاوف لدى بعض هذه السياسات من الانخراط في أي عمل عربي مشترك في ضوء معاناتها من تجارب تاريخية سابقة، أو نتيجة اقتناعها بعدم فاعلية الجهود العربية في تسوية قضاياها أو تقديرها بأنَّ ارتباطها بتحالفات خارجية هي التي تضمن حماية أمنها والحفاظ على مصالحها؛ الأمر الذي يفسر تجاهل بعض هذه السياسات للروابط العربية كافة المشتركة والمفتقدة لدى التجمعات الإقليمية الأخرى، والتركيز على الانقسامات الصغيرة والاختلافات المفتعلة ذريعة للانعزال والابتعاد عن أية محاولات لبناء تضامن عربي على الساحة على رغم علمها أنَّ القوى الدولية النافذة لم تعد تحترم أو تتجاوب أو تتعامل بنِدِّيَةٍ إلا مع التجمعات السياسية والاقتصادية الإقليمية الكبيرة16 .
رابعًا: نحو دور عربي أكثر فاعلية في منطقة القرن الإفريقي
يؤكد العمق الاستراتيجي الذي تشكله منطقة القرن الإفريقي للأمن القومي للدول العربية عمومًا ودول الخليج خصوصًا، أنَّ ثمة جهودًا إضافية مطلوبة لوضع هذه المنطقة بشكل أكبر ضمن دائرة التفاعل والتأثير والاهتمام العربي، لاسيما أنها ساحة لمطامع العديد من القوى الإقليمية والدولية.
إنَّ الأمن الإقليمي لدول الخليج العربية في منطقة القرن الإفريقي وتأمين المجرى التجاري للنفط والبضائع، يبدأ من إرساء استراتيجية سياسة ركيزتها الأساسية ضرورة عدم التعامل مع قضايا الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر بشكل جدِّيٍّ، عن طريق معالجة الأزمات القائمة بطريقة عقلانية، وفي ارتباطها المصيري بالأمن القومي العربي؛ بسبب تدخل القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي أم الصين في هذه المنطقة، علاوة على التغلغل الإسرائيلي فيها؛ إذ تنظر هذه القوى إلى إفريقيا على أنَّها قارة تمثل فرصًا اقتصادية واستثمارية كبيرة، فضلًا عن احتدام التنافس الإقليمي والدولي على الثروة والنفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مما يسهم في إضفاء مزيدٍ من التعقيد والتشابك على مجمل الصراعات هناك.
إنَّ مفتاح الحديث عن دور إقليمي أكثر فاعلية للدول العربية عمومًا ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي، يبدأ بتدعيم الأمن القومي العربي، وإقامة شراكة اقتصادية وسياسية استراتيجية في العلاقات مع منطقة القرن الإفريقي، تقوم على المبادئ الآتية:
- تدشين آلية حوار استراتيجي عربي–إفريقي، هدفها تأسيس مرحلة جديدة قائمة على شراكة حقيقية، قوامها المصالح الاستراتيجية المشتركة والقضايا ذات الحساسية لكل من الدول العربية في منطقة حوض النيل والخليج ودول القرن الإفريقي، ومواجهة واقع التهميش والفقر الذي يعانيه الأفارقة، ووضع أساس التنمية المستدامة، مع التوسع في إقامة الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية المشتركة؛ لتحل محل أسلوب المنح والهبات المالية ذات الطابع التقليدي؛ إذ إن أثر هذه المشروعات أكبر في تعميق الصلة الحقيقية بين العرب والأفارقة.
- الاهتمام بمنظومة الأمن في البحر الأحمر على اعتبار أن تأمينه مهمة حصرية للدول المعنية فيه والمشاطئة له وفق ما تقتضيه المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية للدول ذاتها، لا وفق مصالح الدول الاستعمارية والإمبريالية وتحالفاتها الاقتصادية المشتركة. وفي هذا السياق طرح بعضهم فكرة مؤداها إقامة “دول مجلس التعاون في البحر الأحمر”، وهو بمنزلة تجمع للدول العربية المطلة على البحر الأحمر في مجلس تعاون على غرار مجلس التعاون الخليجي، وهذا التجمع سيؤدي إلى تقليص النفوذ غير العربي في البحر الأحمر، كما أنه سوف يشكل مدخلًا واسعًا لصادرات الخليج إلى الدول الإفريقية، ناهيك عن إسهاماته في قيام قوة عسكرية مشتركة تحمي مصالح دول البحر الأحمر.
- إنهاء الحرب الظالمة على اليمن، وتقديم الدعم اللازم لها في مواجهة ظاهرة اللجوء والهجرة غير الشرعية من دول القرن الإفريقي إليها، وإدراك مخاطر هذه الهجرة غير النظامية على اليمن ومنها الدول المحيطة، وتعزيز التعاون الإقليمي وجمع وتبادل المعلومات الخاصة بهؤلاء اللاجئين والمهاجرين.
في هذا السياق، نظّم مركز بروكنجز الدوحة ندوة في 26 فبراير 2020 حول الجيوسياسات المتغيّرة للبحر الأحمر17 قيّمت الفرص والمخاطر التي تشكّلها الدول الإقليمية الخصمة ومنافسات القوى العظمى في المنطقة.
وللإجابة عن الأسباب التي جعلت الخليج يزيد من انخراطه في القرن الإفريقي، حددت الندوة عددًا من الدوافع الأساسية، من بينها الرغبة في كسب النفوذ الخارجي والحرص على أمن النظام، وتعزيز مكافحة الإرهاب، ورسم معالم التجارة البحرية، وأشارت إلى أنّه جرى تصدير الأزمة الخليجية إلى القرن الإفريقي، وأدّى ذلك إلى تداعيات مزعزِعة كبيرة، وناقشت الندوة أيضًا المسائل التي على الأرجح سترسم معالم جيوسياسات البحر الأحمر من الآن فصاعدًا، من ضمنها الحرب في اليمن والانتخابات المقبلة في الصومال وعمليات الانتقال السياسي في السودان وإثيوبيا، وتوتّرات الدول الخليجية فيما بينها ومع إيران، ومفاوضات مياه نهر النيل، كذلك دعت الندوة إلى إقامة منتدى للبحر الأحمر يتمكّن بواسطته اللاعبون الإقليميون المعنيّون من التلاقي لمناقشة التحديات.
وتطرقت الندوة إلى إنّ الدول الخليجية تستثمر في القرن الإفريقي بشكل جزئي لتتنافس فيما بينها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وألقت الضوء الكثير من الوقائع الجيوسياسية في الخليج التي تنبع من الوعي حيال مستقبل ما بعد النفط؛ إذ تريد هذه الدول الاستفادة من الأموال التي بحوزتها الآن للاستثمار استراتيجيًا في القرن الإفريقي.
المراجع:
- د. نورة الحفيان وأحمد صلحي، القرن الإفريقي في ظل التنافس الدولي والإقليمي: رؤية للواقع والمستقبل. المعهد المصري للدراسات، تاريخ 10يونيو/حزيران 2020. ↩︎
- القرن الإفريقي –المعرفة، انظر الرابط: القرن_ الإفريقي/ www.marefa.org ↩︎
- أبو بكر الدسوقي، الأمن في القرن الإفريقي… التحدي والاستجابة، مجلة السياسة الدولية-العدد 212-تاريخ أبريل 2018، (ص90). ↩︎
- لواء أ.ج. سمير بدوي، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا، تأثيرات الصراعات الحدودية في القرن الإفريقي… إريتريا نموذجًا، مجلة السياسة الدولية، العدد رقم 212، تاريخ أبريل/ميسان2018، (ص 102). ↩︎
- علي أحمد نور طرابلسي، النزاع الصومالي الإثيوبي. القاهرة، مطبعة أطلس، 1978(ص55). ↩︎
- علي الشيخ أحمد أبوبكر، الصومال وجذور المأساة الراهنة. بيروت، دار ابن حزم، 1992(ص103). ↩︎
- د. عبد العزيز راغب شاهين،” التنوع والصراع الإثني في بعض مجتمعات حوض النيل، دراسة في الأنثروبولوجيا السياسية، 1999، القاهرة، جامعة القاهرة/ مركز البحوث والدراسات الإفريقية، (ص7). ↩︎
- لويجي بستالوزا، الثورة الصومالية (ترجمة: إبراهيم العريس). بيروت، دار ابن خلدون، 1975، (ص64). ↩︎
- علي إسماعيل محمد، الصومال والحركات الوطنية والأطماع الدولية وأهمية وحدة الصف الوطني. 1996، (ص81.). ↩︎
- د. عبد السلام إبراهيم بغدادي، “الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في إفريقيا”. م. س. ذ، (ص32). ↩︎
- أكاديمي إرتيري- المشرف العلمي في كلية لندن المفتوحة للدراسات الاسلامية- لندن. انظر: مقال الدكتور جلال الدين محمد صالح، القرن الإفريقي… أهميته الاستراتيجية وصراعاته الداخلية، المنشور في مجلة قراءات إفريقية – العدد الأول – رمضان 1425هـ / أكتوبر 2004م. ↩︎
- الحيمي الحسن بن أحمد: سيرة الحبشة (ص 93). ↩︎
- الدكتور عبد الله عبد المحسن السلطان، البحر الأحمر والصراع العربي-الإسرائيلي التنافس بين استراتيجيتين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت –لبنان، الطبعة الأولى آب/أغسطس 1984، (ص179). ↩︎
- د. جورج قرم، انفجار المشرق العربي: من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق 1956-2006، ترجمه عن الفرنسية، د. محمد علي مقلد، حققه نسيب عون، راجعه المؤلف، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى 2006، (ص 265). ↩︎
- د. جورج قرم، مرجع سابق عينه، (ص264). ↩︎
- سعيد رفعت، هل سقطت الأدوار الإقليمية من حساب السياسات العربية؟ مجلة شؤون عربية، العدد رقم 135، خريف 2008، (ص9-10). ↩︎
- جيوسياسات البحر الأحمر المتغيّرة: تنافسٌ خليجيٌّ وسباقٌ عالميٌّ، انظر الرابط:https://www.brookings.edu/ar/events /الخليج-والقرن-الإفريقي… ↩︎
