وجهة نظر ┃ 23 فبراير 2026
في خطوة مريبة ولافتة تجاهلت وسائل الإعلام المحلية والعربية- حتى الغربية الداعمة للسلطة السورية- الجلسة التي عقدتها لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي، يوم الثلاثاء في ١٠ شباط/فبراير الجاري، حول “قانون إنقاذ الكرد” والتقرير الذي جرى إعداده من قبل عدد من الخبراء والباحثين، تحت عنوان (سورية عند مفترق طرق: تحديات السياسة الأمريكية بعد الأسد) وتقرير الأمين العالم للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في الخامس من هذا الشهر حول نشاط داعش، وتنظيم القاعدة، وغيرها من التنظيمات (الجهادية).
ففي الكونغرس الأمريكي كان هناك شبه إجماع على أن داعش تُعد خطرًا متحولًا ومتجددًا، انتقل من كيان إقليمي إلى شبكات لامركزية، تعتمد على خلايا نائمة واقتصاد ظل وتهريب وابتزاز محلي واستغلال للفراغات الأمنية.
وحول نشاط التنظيمات (الجهادية) في سورية، كان هناك انقسام حول قدرة السلطة الحالية، على مكافحة الإرهاب، بين من يرى أن بنية السلطة القائمة، المكونة من فصائل مسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام، المنفصلة عن القاعدة، تجعلها غير مؤهلة “استراتيجيًا” لهذه المواجهة التي تحتاج إلى جيش وطني، ومن يعتقد أن هذه السلطة قد تكون “الشريك الأقل سوءًا مرحليًا” إذا تمكنت من تفكيك الحالة الفصائلية، وتشكيل جيش وطني مهني، لكن الرأي الغالب كان أن هذه الخطوة غير واقعية في المدى القريب، وهو ما عبَّر عنه أحد النواب بوضوح بقوله: “لا يمكن هزيمة داعش بينما تُدار البلاد بعقلية الفصيل المنتصر”.
هذه النقاشات تخللتها تحذيرات من خطأ تفكيك قوات سورية الديمقراطية “قسد” التي شاركت الأمريكيين في هزيمة داعش في سورية والعراق؛ “لأن الفراغ الأمني في الشرق والشمال سيملأه التنظيم فورًا”.
شهد ملف حماية الأقليات نقاشات حادة؛ إذ شدد رئيس اللجنة، برايان ماست، على أن الاتفاقات المحلية مع قسد “خطوة إيجابية، لكنها غير كافية”، وأن حماية الأكراد والمسيحيين والدروز والعلويين شرط لا تفاوض فيه لأي دعم أمريكي، وقال عضو اللجنة سكوت بيري، بعد عرضه مقاطع مصوّرة لانتهاكات بحق مقاتلين أكراد، خلال المواجهات الأخيرة بين السلطة وقسد: إن الشرع ليس عاجزًا فقط عن حماية الأقليات، بل هو غير راغب بذلك”، ورأى أن هيئة تحرير الشام، لا تختلف كثيرًا عن داعش على رغم أنها غيرت أسمها، أما نادين ماينزا، الرئيس السابق للجنة الأمريكية للحرية الدينية، فحذرت من خطر “إبادة بطيئة” للأقليات، وربط أعضاء الكونغرس نقاشهم بضمانات دستورية وقانونية ملموسة من السلطة، لا بوعود عامة، مسقطين بذلك الادعاء بأن العالم سيغضّ الطرف عن انتهاكات الحقوق مقابل “الاستقرار الأمني”.
وفي الاقتصاد والاستثمار، كان هناك إجماع على أن الاقتصاد السوري يواجه تضخمًا حادًا، وانهيارًا للبنى التحتية، وانتشارًا للفساد، وغيابًا للمؤسسات التنفيذية والقضائية المستقلة، وأن رفع العقوبات وحده لن يجلب الاستثمار، ما لم توجد تشريعات واضحة، وضمانات قانونية، وشفافية مالية، ونظام قضائي مستقل، وفي هذه الآراء، نفي كامل للخطاب الدعائي، الذي يتحدث عن العقود التي جرى توقيعها، بمليارات الدولارات، وبتدفّق وشيك للاستثمارات.
وحول العلاقة التي يجري إضفاء الحميمية عليها، بين رئيس السلطة الانتقالية المؤقتة (أحمد الشرع) والرئيس ترامب، فكان هناك إجماع على أن الشرع “لم يحصل على شيك على بياض” وأن واشنطن، لا تريد أسماء، بل نتائج، وأن “العلاقة ليست غاية لتكريس الشرع في السلطة، بل وسيلة لاختبار التزامه بإصلاحات قابلة للقياس، وأن بقاء الشرع ليس هدفًا بحد ذاته، بل متغيرًا يمكن استبداله إذا لم تتحقق الشروط، وسط معادلة تقول: الاعتراف السياسي لا يُمنح لمن يسيطر على الأرض فقط، بل لمن يبني دولة قانون.
وفي ختام الجلسة كان هناك رأيان حول سورية، فيما إذا كانت تسير نحو دولة أم نحو حكم أمر واقع مُقنّع، الأول: يتحدث عن مؤشرات تميل إلى ترسيخ حكم فصائلي مستدام بلباس دولة، والثاني: يتحدث عن “نافذة ضيقة” للتحول إذا استُخدمت العقوبات أداة مشروطة لا عقابًا دائمًا، لكن كان هناك إجماع على أن المسار الحالي لا يبشّر بدولة قانون.
أما التقرير الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، فقد كان لافتًا فيه التنبيه من أن قوة داعش، والقاعدة، والتنظيمات الجهادية، تعاظمت بمقدار خمسين ضعفًا، بين أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، والعام الحالي 2026، وهي المدة التي خاضت فيها أمريكا كل حروبها، وغزت العراق وأفغانستان، على أساس محاربة هذه التنظيمات.
تضمن التقرير شروحات مطولة حول أسباب هذا التمدد، وسط تحذيرات بأن الأجواء الأمنية والسياسية في سوريا تشكل أرضية خصبة، وعامل جذب واهتمام، ليس فقط للشباب السوري، وإنما لمؤيدين جدد من مختلف مناطق العالم، متأثّرين بالتجربة السورية، بعد أن صارت لهم صفات رسمية وتسهيلات في الحركة والتنقل، والحصول على جوازات سفر، وشبكات من الاتصالات والتقنيات الإلكترونية، وموارد عسكرية، ومواد أوّلية، وقدرات مالية، وظهر تمدد أفكار داعش والقاعدة والتنظيمات الجهادية بوضوح، عن طريق معرض دمشق الدولي للكتاب، الذي احتوى كل أنواع الكتب المروجة لهذه الأفكار.
بالتأكيد لا يمكن تفسير سبب هذا التجاهل لمناقشات الكونغرس الأمريكي، وتقرير غوتيرييش، إلا لأن ما ورد فيهما من نقاشات وآراء وخلاصات يتناقض مع الصورة الوردية، التي تحاول وسائل الإعلام المحلية والعربية وحتى العالمية ترويجها حول الحميمية في العلاقة السورية الأمريكية، ومع الخطاب الدعائي المبرمج حول الوضع في سورية في العهد الجديد، الذي يصل في بعض حالاته إلى حد الإنكار للواقع.
في هذا الصراع على هوية سورية، بين أن تكون دولة وطنية أو فصائلية، أكثرية وأقليات، لامركزية أو فيدرالية أو مقسمة، يتطلب من كل المهتمين بشؤون المنطقة مراقبة ما تفكر فيه واشنطن- ومن ورائها تل أبيب- حول سورية؛ لأن ما سيجري تطبيقه فيها سيعمم على كل دول المنطقة، وما نستطيع تأكيده أن سورية والمنطقة اليوم تشبه كثيرًا المرحلة التي تلت انهيار الإمبراطورية العثمانية، بعد الحرب العالمية الأولى، منذ لحظة فقدان سيطرتها على دمشق، وما حدث بعدها من صراع، يشبه ما يجري حاليًا حول هوية المنطقة ومستقبلها؛ لنستفيق في لحظة مفصلية على اتفاقات سايكس بيكو، التي قسمت المنطقة، وانطلاقًا من سورية (بلاد الشام) إلى دويلات، ثم إقامة الكيان الصهيوني، وبقيت هذه التركيبة تحكم دول المنطقة حتى اليوم؛ إذ أدى تغير مراكز القوى والقوة السياسية والاقتصادية العالمية إلى انتهاء مفاعيل سايكس بيكو القديمة، والعمل اليوم يجري لسايكس بيكو جديدة، وكالمرة الماضية يجري رسم الخرائط والمخططات الجديدة للمنطقة من سورية أيضًا، بوصفها مفتاح المنطقة، ونقطة التوازن الاستراتيجي، في توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، فلنراقب ما يجري فيها وحولها.