دائمًا في الحروب والصراعات العسكرية – لا سيما الحسَّاسة والمفصلية منها – لا يقتصر تقييم الحرب ونتائجها وتداعياتها -فقط- على الجانب العسكري، وإنما يشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوازنات القوى والقوة للأطراف المتحاربة والمتأثرة بها.
ومع التأكيد على أن هذا العدوان لم يحدث لأجل إسقاط النظام الإيراني، ولا لأن إيران تمتلك أسلحة نووية وصواريخ فرط صوتية – كما يدعون – وإنما في إطار مخطط أمريكي صهيوني؛ للسيطرة الكاملة على منطقة الشرق الأوسط، وغرب آسيا، التي تحوي أهم مواقع وخطوط إنتاج ونقل الطاقة، والممرات البحرية والبرية، وسلاسل التوريد العالمية، التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل لهذه الحرب امتدادات جيوسياسية، وتأثيرًا حاسمًا في موازين القوى والقوة الإقليمية والعالمية، والصراع على قيادة المنطقة ومستقبلها، والصراع الأمريكي والصيني على قيادة العالم، والحرب الأوكرانية ومستقبل أوروبا.
في تقييم النتائج الأولية للحرب حتى الآن، هناك عدة حقائق:
- العدوان بدأ إسرائيليًا، ولحقت بها أمريكا، وتأثير ذلك في الرأي العام الأمريكي وفي المنطقة والعالم.
- فشل العدوان في تحقيق تأثير الصدمة والمفاجأة في القيادة والشعب في إيران، بعد الضربات القاسية، التي تمت في الساعات الأولى للحرب، التي أسفرت عن استشهاد المرشد علي خامنئي، وعدد كبير من القيادات السياسية والعسكرية؛ إذ تمكنت القيادة الإيرانية من ملء الشواغر القيادية بسرعة، لا سيما موقع المرشد؛ بسبب ما تمتلكه إيران من مؤسسات دولة براغماتية ومرنة وديمقراطية.
- تأكد استحالة إسقاط إيران الدولة والنظام من الخارج، أو توصيلها إلى مرحلة الاستسلام للشروط الأمريكية الإسرائيلية لوقف الحرب، وعدم قدرة أمريكا وإسرائيل على حسمها بسرعة، وفشل خيار الاستهداف من الداخل، لا سيما بعدما تمكنت القيادة الإيرانية من كشف معظم الشبكات الداخلية العميلة وقياداتها، وضربها بقوة.
- قدرة إيران على المواجهة، ودقة استهدافها للمواقع والقواعد الأمريكية والإسرائيلية داخل فلسطين المحتلة، وفي عموم المنطقة، لا سيما مواقع القيادة والسيطرة والتحكم والاتصالات.
- ازدياد التحذيرات في الولايات المتحدة الأمريكية- لا سيما في صفوف جنرالات البنتاغون، والكونغرس الأمريكي- من خطورة الحرب وعدم ضمان نتائجها.
- التأثير الكبير للحرب في اقتصاديات دول المنطقة والعالم، وفي قطاع النفط والغاز، والأسواق الأمريكية والعالمية، والتحذير من أزمة مالية أمريكية تفوق أزمة العام 2008.
- كيف سيؤثر هذا الفشل في الحرب على أوكرانيا.
هذه التساؤلات والتداعيات ظهرت بشكل واضح خلال الاجتماع المشترك للكونغرس والبنتاغون مع الرئيس ترامب يوم الأحد الماضي، الذي تلاه مؤتمر صحفي لترامب، بدا فيه مرتبكًا ومتناقضًا، لا سيما عند إعلانه أن الحرب وصلت إلى نهاياتها، وبدون أن يحدد كيفية هذه النهاية، في مؤشر واضح على أنه تعرض لمواقف صعبة، وتحذيرات بضرورة وقف الحرب.
كما ظهرت دراسات ومواقف تؤكد أن ترامب كان متسرعًا، في السير وراء نتنياهو، في الانجرار إلى هذه الحرب، وبأنه خالف المبدأ الذي سارت عليه أمريكا منذ حرب الخليج (1990-1991) الذي وضعه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، ورئيس هيئة الأركان خلال حرب الخليج، الجنرال كولن باول، الذي يقول: “إن استخدام القوة يجب أن يكون الملاذ الأخير فقط، بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية، وإذا كانت الحرب ضرورية فيجب أن تُشن لتحقيق هدف واضح، مع استراتيجية انسحاب واضحة، وبدعم شعبي، كما يجب أن تستخدم قوة ساحقة وحاسمة لهزيمة العدو”.
أيضًا دخل الإعلامي الأمريكي البارز تاكر كارلسون في مواجهة مفتوحة مع “إسرائيل”، بعد حلقة تناول فيها الكلفة الباهظة للحرب وتأثيرها في السياسة الأمريكية، وتطرق فيها إلى جوانب غير عسكرية؛ إذ قال: “يبدو أن هذه حرب على الجَمال أيضًا”، وعرض ما يجري من تدمير في بيروت وسورية والمواقع المقدسة، وأجزاء من إيران “التي تبدو جميلة للغاية، ويجري تفجيرها بالكامل على يد إسرائيل، وهي واحدة من أبشع الدول في العالم”.
وفي الداخل الإسرائيلي تمتلئ وسائل الإعلام ومواقع التواصل بمواقف وتحليلات تؤكد على أن نتنياهو وحكومته لا يقولون الحقيقة عن مجريات الحرب، ولا ينقلون الصورة الحقيقية عن حجم التدمير وقوة وتأثير الضربات الإيرانية، والعجز الأمريكي الإسرائيلي عن تحقيق الأهداف الموضوعة للحرب.
لخص هذه المواقف الكاتب الإسرائيلي آلون مزراحي، الذي قال: “نحن نشهد لحظة تاريخية…، إيران -على عكس ما توقعه الجميع- تدمر القواعد الأمريكية، بشكل واسع وحاسم، إلى درجة أن العالم لم يكن مستعدًا لما يحدث…، خلال أربعة أيام فقط تمكنت إيران من توسيع نطاق نفوذها العسكري في المنطقة، لقد دمرت بعضًا من أكثر القواعد العسكرية قيمة وكلفة في العالم، إضافة إلى معدات ومنشآت عسكرية باهظة الثمن”.
هذا المسار العام للحرب وتصريحات ترامب بأن الحرب وصلت إلى نهاياتها يضع الكثير من الأسئلة حول تداعياتها الجيوسياسية، وتأثيرها في توازنات القوى والقوة في المنطقة والعالم، والصراع الأمريكي الصيني على قيادة السياسات والاقتصاديات العالمية، وعلى مكانة ووجود الكيان الصهيوني، وعلى أماكن الصراع والحروب القائمة، وأهمها:
- كيف ستصمد أمريكا في صراع النفوذ وقيادة العالم مع الصين، وهي التي عجزت عن كسب حرب مع قوة إقليمية مثل إيران، وكيف سيؤثر ذلك في حال إرادة الصين تنفيذ قرار ضم تايوان.
- ما مصير الكيان الصهيوني بعد انهيار عقيدته السياسية والعسكرية، القائمة على القوة، التي تعادل قوة كل جيوش المنطقة، وعقيدة الانتصار في الحروب، وخوضها في أرض العدو، وتحديد بدياتها ونهاياتها؟
- ما مصير الأنظمة العربية، التي ربط مصيرها بالكيان الصهيوني، وأقامت اتفاقات وتحالفات معه؟
- ما الجدوى من القواعد الأمريكية، التي أقيمت في دول المنطقة بكلف باهظة؛ بحجة حماية دولها من إيران؟
- ما مصير تركيا، العضو في الناتو مع تثبيت إيران قوة إقليمية؛ إذ المجال الجيوسياسي الضيق في المنطقة لا يتسع لإيران قوية وتركيا قوية؟
- ما مصير أوروبا بعد التأكد من استحالة الانتصار في أوكرانيا، واستنفاد قدرة أمريكا وإسرائيل والدول الأوروبية على مدها بالمعدات العسكرية واللوجستية، وبعد احتمال إجبار دول أوروبا على العودة لاستيراد النفط والغاز الروسي، وانهيار محاولات حصار روسيا، وما يترتب على ذلك من نتائج جيوسياسية دراماتيكية على مجمل الوضع في أوروبا؟
كل هذه الأسئلة المصيرية ستفتح في اليوم نفسه الذي ستتوقف فيه الحرب، وكلها تؤكد على أن هذه النتائج والتداعيات ستتحول إلى ثقب أسود، يبتلع الكثير من المكانة والهيبة الأمريكية، ومن موقع ومستقبل الكيان الصهيوني في المنطقة، وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، ولكن بشكل مختلف عن مشروع الشرق الأوسط الجديد، الأمريكي الإسرائيلي، الذي شنت هذا العدوان لتحقيقه.
الحرب مستمرة، وكل يوم زيادة سيكون لصالح إيران، وهذا ما يؤكده المحلل العسكري الأمريكي البارز، دوغلاس ماكغريغور، الذي قال: “في نهاية المطاف قد يصحو العالم على شرق أوسط جديد، تتصدره طهران قوة إقليمية، بينما تنكفئ واشنطن وتل أبيب خلف أسوار العزلة الدولية، تاركةً المجال للقوى الأوراسية (روسيا، الصين، الهند) لكتابة قواعد النظام الدولي الجديد.