دراسة حالة
المقدمة الاستراتيجية: من الصدمة والترويع إلى التآكل الممنهج:
تشير التحولات الأخيرة في العقيدة العسكرية والأمنية المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية إلى قطيعة تامة مع نماذج الحروب التقليدية التي اعتمدت على الغزو البري المباشر، وما شهده المسرح الإيراني قبيل عدوان 28 فبراير 2026 لم يكن كما يصنفه بعضهم مجرد اضطرابات مدنية ناتجة عن أزمة اقتصادية داخلية، بل كان تطبيقًا حرفيًا لما يُعرف في أدبيات وكالة الاستخبارات المركزية CIA بهندسة الانكسار الداخلي.
تعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ تفكيك المناعة الوطنية قبل توجيه الضربة القاصمة، إن دراسة حالة ما جرى في طهران يكشف أن العدوان العسكري الأخير جاء بعد أن تعرضت الأجهزة الأمنية والاستخبارية لحالة من الإنهاك الكبير والمتزامن مع تعطيل بعض المفاصل الحيوية للدولة من الخدمات واللوجستيات بسلسلة من العمليات التمهيدية التي نفذها العدو بطابع مدني وحقوقي.
المحور الأول: “المخرب الوظيفي” وإدارة الفوضى النوعية:
تجاوزت الاستخبارات الغربية في الحالة الإيرانية مفهوم المتظاهرين الغاضبين إلى مفهوم الوكلاء الميدانيين التخريبيين، الذين ينغمسون وسط الحراك الشعبي العفوي، ضمن خلايا عنقودية جرى تدريبها في معسكرات تابعة للموساد في دول مجاورة، وجرى زرعهم بعناية داخل النسيج المجتمعي وطلاب الجامعات والهيئات الشبابية.
1-استنزاف أجهزة الاستجابة القصوى (البعد اللوجستي):
رصدت التقارير الاستخباراتية المسربة استخدام واشنطن خلال التظاهرات الأخيرة تكتيك إعماء الإسعاف؛ إذ جرى توجيه المجموعات التخريبية لاستهداف سيارات الإطفاء والإسعاف وخدمات ومقرات الدفاع المدني بشكل ممنهج.
• الهدف المستتر: على رغم أن التصريحات الإعلامية الرسمية والأمنية كانت تتحدث عن أهداف تخريبية وفوضوية، غير أن ما كان يحدث هو التوجه المعادي لخلق حالة من العجز الخدمي الاستباقي، عندما بدأت الموجة الأولى من القصف الجوي الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير، كانت قدرة الدفاع المدني الإيراني مشلولة بنسبة 40% بسبب فقدان الآليات التي خرجت عن الخدمة جراء الحرائق المفتعلة قبل أسابيع قليلة من العدوان، وهذا أدى إلى تفاقم أثر الضربات الجوية، وتحويل الإصابات التي كانت بحاجة للإسعاف الفوري إلى وفيات، مما ولد ضغطًا شعبيًا هائلًا على القيادة السياسية.
2-تكتيك الاستدراج والإنهاك (البعد العملياتي):
اعتمد العدو على إشعال بؤر توتر في أحياء بعيدة عن المراكز الحيوية، مما أجبر أجهزة الأمن وقوات الباسيج على إعادة الانتشار لتشتيت جهودها وفاعليتها.
• النتيجة الأمنية: أدى هذا التكتيك إلى ما يمكن وصفه بالثقوب الأمنية في تأمين المنشآت الحساسة، والمعلومات المؤكدة تشير إلى أن سحب وحدات النخبة لتأمين الشوارع سمح للعملاء بالتحرك والتسلل لزرع أجهزة تعقب ورصد وكاميرات مخفية على جدران بعض المنشآت الحيوية والمعالم الرئيسة في الشوارع العامة، وهي الأجهزة التي أرشدت الصواريخ لاحقًا إلى أهداف العدو بدقة متناهية.
المحور الثاني: العمى الرقمي واختراق السيادة المعلوماتية:
شكلت الحرب السيبرانية العمود الفقري لعملية التمهيد، ولم يكن الأمر مجرد اختراقات إلكترونية أو سيبرانية عابرة للمواقع الحكومية بقدر ما تمكن العدو من تنفيذ عملية أمنية دقيقة لإعادة صياغة الواقع الافتراضي في العاصمة طهران وبعض المدن الأخرى.
1-السيطرة على الأعصاب البصرية للدولة:
تمكنت وحدة 8200 الإسرائيلية من اختراق بروتوكولات التحكم بكاميرات المراقبة العامة في طهران وأصفهان.
• التضليل المعلوماتي: تشير المعلومات والتسريبات حول ما حدث في ليلة العدوان الأمريكي على إيران، إلى احتمالات بث تغذية راجعة وهمية ومشاهد مسجلة لغرف العمليات الأمنية تظهر الشوارع هادئة في الوقت الذي كانت فيه فرق الموساد تتحرك فعليًا في تلك المناطق، وهذا العمى الرقمي إذا حدث فعلًا فهو السبب في تأخر رد الفعل الأمني الإيراني بخطوة عن الحدث.
2-الحرب النفسية الرقمية والاغتيال المعنوي للرمزية السيادية:
اعتمدت واشنطن وتل أبيب على استراتيجية توجيه السلوك الجمعي بالضخ المكثف للبيانات التي تخدم مخططها؛ إذ جرى توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لبث رسائل رقمية مخصصة لكل فئة مجتمعية؛ بهدف خلق حالة من الانفصام بين الشعب والقيادة، وقد ارتكزت هذه العملية على مسارين متوازيين:
– توجيه الميدان: جاء استهداف صور ورموز القيادة العليا، مثل السيد علي خامنئي من قبل بعض الناشطين والمؤثرين ضمن مهمة عملياتية محددة كُلف بها المخربون الوظيفيون؛ إذ صدرت توجيهات عن طريق منصات مشفرة للمجموعات التخريبية بضرورة توثيق عمليات إحراق صور الرموز السيادية بمقاطع فيديو عالية الدقة من زوايا متعددة.
الهدف الاستراتيجي: كسر الرمزية القدسية في الوجدان الشعبي، وتحويل فعل التجرؤ على القيادة من خط أحمر إلى سلوك متاح، وهو ما يُعرف بالاغتيال المعنوي للرموز، هذا المحتوى المصور جرى ترويجه بجيوش إلكترونية؛ لإيهام الرأي العام الداخلي والخارجي بوجود حالة رفض كلي للشرعية القائمة.
3-التزييف العميق والارتياب المؤسسي:
تزامن ذلك مع بث مقاطع فيديو مُصنعة بتقنية التزييف العميق عبر هواتف المواطنين ومنصات التواصل، تظهر أخبارًا عن انشقاق قادة عسكريين كبار أو صدور تصريحات متناقضة من دوائر القرار.
• النتيجة الأمنية: خلق حالة من الارتياب المؤسسي داخل أجهزة الدولة، ونزع الشرعية الأخلاقية عن أي إجراء أمني حازم، وكان الهدف هو إرباك رجل الأمن في الميدان وجعله يتردد في تنفيذ أوامر الحسم؛ خوفًا من أن يكون النظام في طريقه للسقوط أو تصويره بصورة مشوهة تتهمه بممارسة القمع، في مواجهة مشهد تضليلي ومزور من الرفض الشعبي العارم لرموز الدولة.
المحور الثالث: التنسيق العضوي بين الداخل والخارج:
إن أخطر ما تكشفه دراسة الحالة الإيرانية هو التزامن الدقيق بتوالي الخطوات المنسقة بين التحرك الميداني للأدوات المحلية المجندة من قبل الموساد والمخابرات الأمريكية والغربية وبين العدوان الجوي بالغارات.
1-الإلهاء الاستراتيجي قبل العدوان:
في الأيام والساعات التي سبقت العدوان الجوي انطلقت موجة شغب انتحارية استهدفت السجون والمقرات الأمنية الكبرى، وتشير بعض التسريبات غير المؤكدة إلى تحركات ميدانية معادية على شكل تظاهرات شغب وفوضى قبل بدء العدوان الجوي بساعات قليلة.
• الخديعة: ظنت الأجهزة الأمنية أن هذا هو الحدث الرئيس (المحاولة الانقلابية)، فاستنفرت كامل طاقتها البشرية والتقنية لمواجهة الشغب، وفي لحظة ذروة الانشغال الميداني، كانت الرادارات تتعرض لتعمية إلكترونية شاملة انطلقت من أجهزة تشويش محلية زرعها عملاء في محيط القواعد الجوية؛ ما سمح للطيران المعادي باختراق الأجواء دون إنذار مبكر كافٍ.
2- الاغتيالات في ظلال الفوضى:
استغلت المخابرات الأمريكية حالة الانكشاف الأمني لتنفيذ عمليات تصفية لكوادر تقنية وعسكرية، هؤلاء القادة لم تكن واشنطن تتبعهم بالأقمار الصناعية فقط، بل استخدمت تكامل التتبع التقني مع الرصد البشري من مجموعات الشغب التي كانت تراقب مداخل المربعات الأمنية بحجة التظاهر على مدى العامين الأخيرين من الفوضى تحت شعارات الوضع الاقتصادي والحريات المدنية والشخصية؛ ما وفر إحداثيات حية ودقيقة لغرف عمليات العدو، اغتالت بواسطتها علماء ومسؤولين وقادة عسكريين.
المحور الرابع: خارطة طريق التحصين الاستباقي (الرؤية للمسرح اليمني):
انطلاقًا من قراءة التجربة الإيرانية وبناءً على الخصوصية اليمنية، يجب الإدراك أن النموذج الإيراني هو بمقام المسودة التي جرى تعديلها لتناسب الواقع اليمني، فالعدو يراهن على اختراق الجبهة الداخلية مدخلًا وحيدًا لإضعاف الدولة وكسر صمود المجتمع وتماسكه، بعد أن فشلت كل محاولاته العسكرية.
1- السيادة الرقمية والاتصال المشفر:
• الإجراء الفوري: يجب عزل كل شبكات التحكم الإلكتروني والرقمي بالبنية التحتية (الكهرباء، المياه، الاتصالات الحكومية) عن الشبكة العالمية واستبدالها بشبكة داخلية مؤمنة فيزيائيًا.
• بدائل الرصد: الاعتماد على الرصد البشري المنظم بإعادة تفعيل اللجان الشعبية المجتمعية بديلًا تقنيًا في حال سقوط أو اختراق أنظمة الكاميرات والرقابة الإلكترونية.
2-تعريف المخرب بوصفه هدفًا عسكريًا:
• تغيير العقيدة الأمنية: يجب الانتقال من مربع التعامل الناعم مع أي أعمال تخريب إلى مربع إجهاض العدوان، أي: استهداف الممتلكات العامة أو سيارات الإسعاف أو مراكز الأمن والدفاع المدني والمنشآت الخدمية في توقيت متزامن ومريب يجب أن يُصنف كـ “نشاط عسكري معادٍ” خاضع لقوانين الحرب، وليس لمواد الشغب في القانون المدني.
• الأمن الاستباقي: تفكيك خلايا “المخرب الوظيفي” قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ بتتبع مسارات التمويل الخارجي والارتباطات المشبوهة بالفضاء الرقمي، ورصد كل الكتابات والمنشورات والتغريدات التحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تحمل إشارات مشفرة للتحرك أو التصعيد.
3-حماية المركز الرمزي للقرار:
• تمثل القيادة الثورية والسياسية في اليمن نقطة الارتكاز التي يسعى العدو إلى تحطيمها معنويًا قبل استهدافها جسديًا، يجب التعامل مع حملات التشويه الرقمي أو الإساءة للرموز الوطنية بوصفها تمهيدًا لفعل عدواني معنويًا يسبق العدوان العسكري، ويتطلب ردًا حازمًا يمنع تآكل الهيبة السيادية.
4-التحصين اللوجستي لخدمات الطوارئ:
• يجب إعادة توزيع مخازن الوقود وسيارات الإسعاف وآليات الدفاع المدني في أماكن متفرقة مخفية أو في ملاجئ محصنة وغير معلنة، وضمان عدم تجميعها في مراكز معروفة يسهل تخريبها أو استهدافها من المخربين على الأرض أو بالغارات الجوية.
الخاتمة:
أثبتت دراسة الحالة الإيرانية أن العدو الأمريكي-الإسرائيلي بات يراهن على الثغرات الداخلية أكثر من رهانه على تفوقه التكنلوجي والإلكتروني؛ لأن هندسة الانكسار تعتمد على إيصال الدولة إلى حالة من الحيرة والذهول الأمني؛ إذ لا تستطيع التمييز بين المتظاهر والمخرب، وبين العطل التقني والاختراق السيبراني، واليمن بموقعه الجيوسياسي وتجربته في مواجهة العدوان يمتلك ميزة المناعة المكتسبة، لكن العدو يطور أدواته، وهو ما يستوجب مراقبة الأعراض الأولية في الشارع والمؤسسات والشبكات الرقمية؛ لأن المعركة الحقيقية التي ستحدد مصير أي مواجهة قادمة، تكمن في حماية الجبهة الداخلية من الفوضى الممنهجة.
التوصية الختامية: يجب تشكيل غرفة عمليات مشتركة (أمنية-سيبرانية-إعلامية-مجتمعية)؛ لمراقبة أنماط السلوك العدواني التمهيدي، والرفع للجهات المختصة؛ للضرب بيد من حديد على كل من يحاول محاكاة السيناريو الإيراني أو أي سيناريو أخر جرى تعديله وفقًا لواقع الساحة اليمنية مهما كانت المسوغات والمبررات والضغط الإعلامي.