استراتيجية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية: تغيير الهوية تمهيدًا للتهجير

استراتيجية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية: تغيير الهوية تمهيدًا للتهجير

استراتيجية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية: تغيير الهوية تمهيدًا للتهجير

على رغم الانشغال العالمي بالتوترات الحاصلة في الشرق الأوسط، إلا أن مصادقة حكومة الاحتلال الإسرائيلي منتصف الشهر الماضي على خطة تسوية أراضي الضفة الغربية المحتلة، القاضية بتحويل مساحات من الأراضي الفلسطينية إلى أملاك لـ “دولة إسرائيل” لا تزال تتفاعل في عدد من المحافل الدولية، وسط إجماع على رفض التوجهات “الإسرائيلية” التي استهدفت فرض واقع جديد، يلغي الهوية الفلسطينية للأرض، ويثبت واقعًا جديدًا يحبط آمال الطامحين بقيام “دولة فلسطينية”، ويجعلها مستحيلة في المستقبل المنظور.

هذه التوجهات أفصحت عن استراتيجية جديدة انتقلت فيها حكومة الاحتلال من سياسة الضم التدريجي بقوة الأمر الواقع التي انتهجتها خلال العقود الماضية إلى الضم الناعم استنادًا إلى تشريعات وقوانين “إسرائيلية” جديدة، أصدرها مجلس الوزراء الأمني للكيان في أقصى صور الانتهاك والتحدي للشرعية الدولية والقانون الدولي والقرارات الأممية واتفاقيات السلام الموقعة.

ذلك أن القرارات “الإسرائيلية” استهدفت بصورة مركزة زيادة السيطرة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، بعد أن قضت ببدء عملية تسجيل أراضٍ في الضفة -أول مرة- منذ عام 1967 أملاكًا لدولة الكيان، ولا سيما تلك التي تطمح السلطة الفلسطينية إلى إقامة دولة مستقلة عليها في المستقبل.

كان اللافت في مشروع الكيان لابتلاع أراضي الضفة، هو استغلال التوترات العسكرية في المنطقة والأزمات الداخلية في عدد من دول العالم، التي قللت من اهتمام المجتمع الدولي بالقضية الفلسطينية؛ للعبث بالجغرافيا الفلسطينية، ولا سيما في الضفة الغربية بإجراءات الضم تحت طائلة القوانين الإدارية وتسجيلها أملاكًا لدولة الاحتلال.

والخطوة الأخيرة بالمصادقة على قرارات لتسجيل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة أملاك دولة، جاءت استكمالًا لخطوة سابقة بدأتها حكومة اليمين المتطرف في فبراير 2025، عندما أقر المجلس الوزاري المصغر خطوات عملية لتسجيل الأراضي في الضفة الغربية بوصفها “أملاك دولة” في تصعيد وصف بأنه الأكثر تطرفًا منذ العام 1967.

وهذه المرة انتقلت حكومة الكيان من طور التحضير إلى التنفيذ العملي؛ إذ شرع وزراء اليمين المتطرف المعنيون بتنفيذ القرارات، وهم وزير القضاء ياريف ليفين، والمالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، بتنفيذ الخطة وفق آليات رسمية تحدد ملكية الأراضي، وتسجيلها باسم الدولة “الإسرائيلية”، عن طريق هيئة تسجيل تابعة لوزارة القضاء1.

تسجيل الأراضي وتوسيع سرطان المستوطنات:

شرّعت القرارات الأخيرة لحكومة الكيان في الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية تصل إلى نحو 60% من مساحة الضفة، بذريعة تسجيلها قانونيًا “أملاك دولة”، وفتح الباب لتوسع سرطان المستوطنات برفع القيود أمام المستوطنين، وتسهيل إجراءات شرائهم الأراضي العربية، وإلغاء نظام التصاريف الخاصة، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء إلى سلطات الاحتلال.

شملت الخطوة “الإسرائيلية” إجراءات لتسهيل شراء الأراضي في الضفة الغربية، منها رفع السرية عن سجلات الأراضي، وإلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع الأراضي لليهود، وإلغاء الحاجة لتصاريح خاصة من الإدارة المدنية لشراء الأراضي في الضفة الغربية، وإعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي؛ لتعزيز استحواذ “الدولة” العبرية على أراضٍ إضافية لدعم التوسع الاستيطاني2.

وشملت القرارات الجديدة وضع موقعَين دينيَين مهمَّين بالنسبة للفلسطينيين تحت إدارة “إسرائيلية” مباشرة، وهما الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال قرب بيت لحم؛ ما يعني نقل سلطة إصدار تراخيص البناء في أجزاء من الخليل إلى هيئة “كوغات” (COGAT) التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية.

وفضلًا عن ذلك شملت القرارات إجراءات لتضييق الخناق على السلطة الفلسطينية، بتوسيع نطاق تطبيق القوانين واللوائح “الإسرائيلية” مثل قوانين البيئة والآثار لتشمل مناطق في المنطقة “ب” وحتى المنطقة “أ” الخاضعة إداريًا للسلطة في رام الله، فضلًا عن المصادقة على مشاريع استيطانية كبرى، مثل مخطط “E1” الذي سيشطر الضفة إلى قسمين؛ ما يجعل من المستحيل جغرافيًا حتى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة3.

كما شملت نقل صلاحيات التخطيط والبناء في المستوطنات “الإسرائيلية” في مدينة الخليل، بما في ذلك محيط الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية للكيان، في حين سمحت لـ “إسرائيل” بإدارة موقعَين دينيَين مهمَّين في جنوب الضفة الغربية المحتلة، الحرم الإبراهيمي، ومسجد بلال (قبر راحيل) قرب بيت لحم.

وأخطر ما في القرارات أنها فتحت الباب لإجراءات تسجيل الأراضي الفلسطينية في “الطابو” في إجراء نهائي يصعب الطعن فيه أمام محاكم الاحتلال، بحسب صحيفة “يسرائيل هيوم”4.

استهداف المنطقة (ج)… ضم قسري لفرض واقع جديد:

كان واضحًا في قرارات حكومة الاحتلال تركيزها على المنطقة (ج)، التي تُشكل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية الخاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية منذ اتفاق أوسلو.

والهدف من ذلك هو إفساح المجال لهيئة حكومية “إسرائيلية” تابعة لوزارة القضاء عملية تسجيل الأراضي، على أن يُطلب من المالكين الفلسطينيين إثبات ملكيتهم بوثائق يُعد الحصول عليها مستحيلًا، مثل سجلات عثمانية أو أردنية، وإلا ستُسجَّل تلقائيًا باسم “دولة” إسرائيل.

وبدلا من إجراءات الضم القسري تحت تهديد القوة أو بتوسيع المستوطنات، التي كانت تشعل موجة إدانات وضغوط دولية اعتمدت حكومة الكيان هذه المرة استراتيجية الضم تحت طائلة القانون؛ لفرض واقع سياسي وقانوني جديد يجعل من الصعب التراجع عنه في المستقبل، ويُحوّل في المقابل القضية الفلسطينية إلى نقاش إداري حول إثبات الملكية.

هذا الأمر كشفته بوضوح البيانات والتصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية “الإسرائيلية” التي وصفت هذه الخطوة بأنها “إجراء إداري” لـ”إضفاء النظام” على تسجيل الأراضي، في حين وصفها وزير المالية  بتسلئيل سموتريتش بوضوح بأنها “ثورة استيطانية تهدف إلى تعزيز السيطرة على أرض إسرائيل”5.

والهدف النهائي لهذه الخطوة كان واضحًا لمحاولة وأد أي إمكانية لإقامة “دولة فلسطينية”، وحشر الفلسطينيين في جيوب معزولة، بعد الاستيلاء القانوني على المنطقة “ج”، التي تشكل 60% من مساحة الضفة، وهو ما عبّر عنه بنيامين نتنياهو بوضوح مؤخرًا، بالقول: “إن إنشاء الدولة الفلسطينية يمثل تهديدًا أمنيًا” للكيان6.

هذه المعطيات وغيرها كانت كافية لإشعال موجة استنكار واسعة النطاق، خصوصًا بعد أن برزت إلى الواجهة تهديدًا وجوديًا للشعب الفلسطيني، ضمن حِيَلٍ اعتمدتها حكومة الكيان للالتفاف على قرارات الشرعية الدولية، وتجنب الضغوط الدولية.

الضفة الغربية… من واقع الاحتلال إلى التقسيم تحت الاحتلال:

وقتًا طويل خضعت الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية للسلطة العسكرية الإسرائيلية، وهو الحكم الذي بدأ بعد احتلالها في حرب الأيام الست عام 1967، واستمر كذلك حتى اليوم، باستثناء بعض المناطق المحددة ضمن اتفاق “أوسلو” و”أوسلو 2″.

وطوال العقود الماضية كانت القيادة الوسطى لجيش الاحتلال بمقام “الحاكم الفعلي” للضفة الغربية، ولها سلطة تشريعية بإصدار الأوامر العسكرية التي تشكل القانون العام للمنطقة وسلطة قضائية تشكل منظومة محاكم عسكرية للفلسطينيين، وسلطة تنفيذية تدير شؤون الحياة اليومية عن طريق “الإدارة المدنية التابعة لوزارة الدفاع.

ومنذ توقيع اتفاق “أوسلو” 1993 ظلت هذه السلطة قائمة، في حين فرض اتفاق “أوسلو 2” الموقع عام 1995، بشأن إدارة الحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة تقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج) ذات أنظمة سيطرة مختلفة7.

المنطقة (أ): حوالي 18% من مساحة الضفة، وضمت عددًا من المدن الرئيسة، تخضع لسيطرة أمنية وإدارية فلسطينية كاملة، وليس لجيش الاحتلال أي تواجد فيها، لكنه يشن عملياته العسكرية فيها بصورة دائمة.

المنطقة (ب): حوالي 22% من مساحة الضفة، وتشمل القرى الفلسطينية المحيطة بالمدن الرئيسة، وتخضع إداريا للسلطة الفلسطينية وأمنيا لـ”إسرائيل”، ويتواجد فيها جيش الاحتلال بصورة دائمة.

أما المنطقة (ج) نحو 60% من مساحة الضفة الغربية فخضعت بالكامل للسيطرة الإسرائيلية إداريًا وأمنيًا وتخطيطيًا، وهي المنطقة التي سعت سلطات الاحتلال إلى لاستيلاء عليها مؤخرًا بقرارات تسجيل الأراضي.

طبقا لاتفاق “أوسلو” كان من المفترض أن يجري نقل أجزاء من المنطقة (ج) تدريجيًا إلى السيادة الفلسطينية خلال 5 سنوات، أي: بحلول عام 1999، إلا أن “إسرائيل” لم تنفذ هذا البند؛ ما أبقى هذه المنطقة تحت سيطرتها الكاملة، في حين اعتبرت سلطات الاحتلال الصلاحيات الممنوحة للسلطة الفلسطينية إجراءات مؤقتة يمكن سحبها بأمر عسكري.

مع ذلك ظلت سلطات الاحتلال تشجع على إنشاء المستوطنات في المنطقة (ج)؛ ليصل عدد المستوطنين فيها إلى نحو 400 ألف مستوطن، يستحوذون على الأراضي الزراعية الخصبة، ومعظم الموارد الطبيعية والمصادر المائية، بينما يعيش فيها حوالي 300 ألف فلسطيني في ظروف قاسية.

استراتيجية متغيرة… من إدارة الصراع إلى الإرث التوراتي:

طالما تبنت الحكومات العبرية المتعاقبة منذ عام 1967، استراتيجية غامضة في التعامل مع قضية السيادة الفلسطينية على الضفة الغربية، أبقتها تحت حكم عسكري “ورقة مساومة” أو ضرورة أمنية، قبل أن تتبنى حكومات الاحتلال استراتيجية جديدة بالانتقال من مربع “إدارة الصراع” إلى استراتيجية “فرض الواقع الجديد”.

وبدلًا من إعلان الضم الرسمي المفاجئ الذي قد يسبب صدمة دولية وردود أفعال صاخبة، اتجهت سلطات الاحتلال إلى سياسة القضم الناعم للأراضي عن طريق دعم توسيع المستوطنات، ثم فرض إجراءات قانونية وبيروقراطية جعلت عواصم المجتمع الدولي أمام معضلة تقنية معقدة.

هذه التغيرات ظهرت بقوة بفعل هيمنة تيار “الصهيونية الدينية” واليمين المتطرف على مفاصل القرار، وهو التيار الذي يتبنى رؤى شديدة التطرف، لا تعترف بأراضي فلسطين في الضفة على أنها أراضٍ محتلة أو قضية خاضعة للتفاوض، بل لأنها ” إرث توراتي يجب بسط السيادة عليه” تحت مسمى أرض “يهودا والسامرة”8.

هذا التيار كان له الدور الأخطر في انتقال الكيان المحتل من سياسة منع قيام “دولة فلسطينية” بالوسائل العسكرية والدبلوماسية إلى منعها عن طريق فرض واقع جديد على الأرض، يغيّر الهوية التاريخية العربية لهذه المناطق عن طريق التوسع في إنشاء الكتل الاستيطانية وقضم الأراضي تدريجيًا، بما يقود إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي جذري في الضفة الغربية.

وما كان يُعد “خطًا أحمر” أو مغامرة غير محسوبة العواقب على مدى ستة عقود من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، جعلته قرارات هذا التيار المتطرف ضرورة استراتيجية وأيديولوجية بذريعة أنه يُعبّر عن مطالب تيار يميني واسع يستحوذ اليوم على بنية النظام السياسي “الإسرائيلي”، ويسعى إلى تعزيز السيطرة بما في ذلك تسهيل شراء المستوطنين الأراضي.

موقف القانوني الدولي… ترسيخ لاحتلال وإنهاء وهم “حل الدولتين”:

تتفق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية على أن الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس الشرقية أراض محتلة، كما تعد جميع إجراءات الضم والاستيطان انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف، بل تعدها بموجب ميثاق روما جريمة حرب.

وثمة إجماع دولي بأن القرارات “الإسرائيلية” بضم أراضي الضفة الغربية المحتلة مثلت انتهاكًا متعدد المستويات للقانون الدولي، فهي من ناحية انتهكت ميثاق الأمم المتحدة الذي يجرم ضم الأراضي بالقوة، ومن ناحية أخرى تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة التي تمنع الاحتلال من نقل مستوطنيه إلى الأراضي المحتلة أو تغيير طابعها الديموغرافي.

كما مثلت من وجهة نظر القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة تحديًا لقرارات مجلس الأمن، وفي المقدمة القرار رقم 2334 الذي يؤكد عدم شرعية المستوطنات، ويطالب بوقفها فورًا، ناهيك عن تحديها للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية لعام 2024 الذي أكد على أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني ويجب إنهاؤه.

واستنادًا إلى ذلك يمكن القول: إن توجهات الضم “الإسرائيلية” لأراضي الضفة الغربية دمرت اتفاق “أوسلو” (1993-1995) الذي قسم الضفة إلى مناطق (A, B, C)، الذي يُعد أساسًا لقيام “دولة فلسطينية”، خصوصًا وإسرائيل ألغت التقسيمات، ووسعت الإدارة “الإسرائيلية” لتشمل مناطق مصنفة “أ” و “ب” (مثل الخليل)، كما ألغت عمليًا السلطة الفلسطينية المحدودة التي منحتها اتفاقات “أوسلو” في هذه المناطق.

وأكثر من ذلك فقد استهدف اتفاق “أوسلو” تحديد مرحلة انتقالية تنتهي بـ “دولة فلسطينية”، في حين أن القرارات “الإسرائيلية” أعلنت بصوت مرتفع إجهاض هذا المسار ورسخت الاحتلال الدائم.

يضاف إلى ذلك نقضها للتعهدات التي وقعها “الكنيست الإسرائيلي” وإلغاؤها القسري للقوانين الأردنية التي كانت مرجعية “أوسلو”.

خطة مدروسة… انتهازية سياسية لفرض واقع جديد:

على رغم الموانع القانونية المحلية والدولية، اتجه تيار “الصهيونية الدينية” إلى استثمار انشغال العالم بأزمة الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط والمحيط الهادئ، والأزمات الداخلية العاصفة بعدد من الدول الكبرى؛ لفرض واقع جديد في الأراضي المحتلة، بعيدًا عن الضغوط الدولية.

ولم يعد خافيًا أن تحريك حكومة الكيان هذا المخطط في هذا التوقيت كان نتيجة لتقاطُع مجموعة من العوامل والظروف الداخلية والإقليمية والدولية، التي رأت فيها حكومة بنيامين نتنياهو فرصة تاريخية لن تتكرر لفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصًا في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي طالما منحت الكيان الضوء الأخضر أو تعاطت مع انتهاكاته للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بسياسة الصمت الاستراتيجي.

يشار في ذلك إلى استغلال حكومة الكيان المناخ الإقليمي والدولي المتوتر مع انشغال المجتمع الدولي بأزمات متعددة في ظل تقديرات “إسرائيلية” بأن الكلفة السياسية المباشرة لهذه الخطوات ستكون محدودة؛ إذ تبقى ردود الفعل الدولية في إطار التحذير اللفظي والإدانة دون ضغوط عملية حقيقية.

زاد من ذلك تركيبة الحكومة الحالية التي مثلت تحولًا في المؤسسة الحاكمة مع وجود وزراء من التيار الاستيطاني المتطرف في مناصب سيادية مؤثرة، مثل وزير المالية المسؤول عن ملف الاستيطان بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذين يعملون انطلاقًا من قناعة أيديولوجية راسخة لمنع قيام دولة فلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

وهذه القناعة عبَّر عنها سموتريتش مؤخرًا عندما علق على القرارات الأخيرة بالقول: “نواصل ثورة المستوطنات، ونعزز سيطرتنا على جميع أنحاء أرضنا”.

الموقف الأميركي… رفض إعلامي وتأييد في الواقع:

الموقف الأميركي الذي يرفض الإجراءات “الإسرائيلية” إعلاميًا ويدعمها على الواقع، لم يكن بعيدًا عن توجهات الكيان بقضم أراضي الضفة الغربية المحتلة؛ إذ شجع حكومة اليمين المتطرف على اتخاذ مثل هذه الخطوات، وقد شهد العالم تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعلن فيها عدم السماح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، في حين لم تمارس إدارته أي ضغوط عملية لمنعها من ذلك.

وبقاء الرسائل الدبلوماسية ضمن حدود التحذير اللفظي، منح الاحتلال هامش حركة واسع للعبث بالجغرافيا الفلسطينية، طالما أن الكلفة السياسية المباشرة محدودة.

وثمة شعور بالثقة لدى اليمين الإسرائيلي المتطرف حيال أي خطوات تنتهك “الشرعية الدولية”، بالنظر إلى السوابق الأميركية باعتراف إدارة ترامب بضم القدس وهضبة الجولان إلى الكيان المحتل؛ ما شجعهم على دفع الأمور إلى أبعد من ذلك بضم أجزاء من الضفة الغربية.

وتصريحات عدد من تيار اليمين المتطرف كشفت عن قناعتهم بأن الظروف الراهنة (ائتلاف حكومي متماسك أيديولوجيًا وضعف المعارضة الأميركية والدولية) تمثل مناخًا مثاليًا قد لا يتكرر، وسعوا إلى استباق أي تغيُّر سياسي مستقبلي مثل تغيير الإدارة الأمريكية أو سقوط الحكومة الحالية؛ من أجل فرض تحولات كبيرة على أرض الواقع، تصادر المزيد من الأرض، وتغير الهوية الفلسطينية.

وما حدث مؤخرًا صب في هذا الاتجاه؛ إذ وجدت حكومة الكيان الفرصة مواتية لضم الأراضي تحت طائلة القانون، بعد أن أضعفت -إلى حد كبير- السلطة الفلسطينية؛ سعيًا إلى تحويل الاحتلال المؤقت إلى إدارة قانونية دائمة.

ويمكن الإشارة إلى دوافع ديموغرافية وسياسية كانت حاضرة بقوة في الاستراتيجية “الإسرائيلية” الجديدة، فهي أرادت تثبيت واقع المستوطنات داخل الأرضي الفلسطينية في الضفة التي يقطنها حاليًا زهاء نصف مليون مستوطن، وتقنين حياتهم في هذه المناطق؛ لأنهم يمثلون قوة انتخابية تطالب بـ “المساواة القانونية” مع سكان “تل أبيب”، وهو ما لا يتحقق إلا بالضم الرسمي؛ لتصبح القوانين المدنية “الإسرائيلية” هي السائدة هناك بدلًا من القوانين العسكرية.

آثار كارثية منتظرة… تهجير قسري ومصادرة الأراضي:

الجميع يتفق على أن الآثار المترتبة على قرارات الضم لن تقتصر هذه المرة على تغيير الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة الغربية، بل ستطال جميع جوانب الصراع، وفي المقدمة النسف الكامل لكل الأسس القانونية والسياسية التي قامت عليها مخرجات اتفاق “أوسلو”.

ويمكن الإشارة إلى آثار كارثية قريبة وبعيدة المدى لقرارات الضم “الإسرائيلية”، يتصدرها تغيير الواقع الديموغرافي، وتحقيق سيطرة “إسرائيلية” كاملة على المنطقة “ج”؛ ما يعني تحويل الوجود الفلسطيني في الجزء الأكبر من الضفة الغربية إلى جيوب سكانية معزولة في المناطق “أ” و “ب” التي تشكل نحو 40% من مساحة الضفة، مع منعهم من التوسع العمراني أو الزراعي في المناطق “ج”9.

وخطوة كهذه ستضع الفلسطينيين -بلا شك- في مواجهة أكبر جريمة تهجير قسري من أراضهم عن طريق سياسة “الضغط اليومي” المتمثلة في هدم المنازل، والاعتقال ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين، أو على أقل تقدير حشرهم في جيوب معزولة، ومنعهم من التوسع العمراني والزراعي، كما ستضع السلطة الفلسطينية في وضع حرج تفقد معه السيطرة على الأرض ومصادر الدخل؛ ما يهدد بانهيارها.

في المقابل ستقود الإجراءات الجديدة إلى شرعنة الاستيطان بتسجيل الأراضي “أملاك دولة” ورفع القيود عن بيع الأراضي للمستوطنين، مما يمهد الطريق لضم دائم لهذه الأراضي.

وانهيار سلطة رام الله وإفلاسها المالي سيكون وشيكًا، فهذه الإجراءات ستشكل ضربة قاضية لها؛ لأنها ستقود إلى خنقها ماليًا باحتجاز حكومة الكيان إيرادات المقاصة التي تشكل 70% من ميزانية السلطة، ومن ثَمَّ انهيار الخدمات الأساسية التي تقدمها السلطة للفلسطينيين تحت سلطاتها10.

 ومشروع الضم كاملًا يسعى بكل قوة إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى هيئة خدماتية، ممنوعة من ممارسة دور سياسي أو سيادي، وهو أمر يعني على المدى القصير إنهاء أوهام إقامة “دولة فلسطينية مستقلة”.

وهذا البعد هو ما فسر موقف السلطة الفلسطينية القوي تجاه التوجهات “الإسرائيلية” الجديدة؛ إذ اعتبرت قرارات الكيان “إعلان حرب” و “ضمًا فعليًا” يهدف إلى ترسيخ الاحتلال وسلب الحقوق الفلسطينية.

هذا الموقف عبرت عنه –أيضًا- الإدانات الصادرة عن 20 دولة عربية وإسلامية وأوروبية والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، التي دانت القرارات بشدة، وعدتها “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والقرارات الأمميّة والمعاهدات الدولية، وتقويضًا للجهود الجارية لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة”.

المصادر:


  1. الجزيرة نت، أخطر خطوة منذ 1967.. تسوية أراضي الضفة الغربية تمهيدا للضم، 12 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://aja.ws/3rxobn ↩︎
  2. عربي BBC News، قرار إسرائيلي ببدء عملية تسجيل أرضٍ في الضفة الغربية المحتلة كـ”أملاك دولة”، 16 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/articles/c1mjn0p77x7o ↩︎
  3. الجزيرة نت، ما علاقة ضم الضفة الغربية بخديعة “القدر والضفدع”، 23 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://aja.ws/4x9uly ↩︎
  4. الجزيرة نت، أخطر خطوة منذ 1967.. تسوية أراضي الضفة الغربية تمهيدا للضم، مرجع سابق. ↩︎
  5. CNN بالعربية، إسرائيل تبدأ تسجيل أجزاء كبيرة من الضفة الغربية كأراض تابعة لها وسط إدانة دولية، 15 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/02/15/israel-advances-registration-of-west-bank-territory-as-state-land ↩︎
  6. الشرق، إسرائيل تلغي ما تبقى من “أوسلو”… تغيير يومي للواقع وحصر الفلسطينيين في كانتونات مغلقة، 23 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://asharq.co/gad6a ↩︎
  7. الجزيرة نت، أهم مضامين اتفاقية طابا الفلسطينية الإسرائيلية، 2 أكتوبر 2016. متاح على الرابط: https://aja.me/xwfba0 ↩︎
  8. إذاعة صوت ألمانيا (WD)، قرارات إسرائيل في الضفة الغربية، ما الذي ستغيره على الأرض؟، 9 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://p.dw.com/p/58PcV ↩︎
  9. الجزيرة نت، أخطر قراراتها منذ 58 عاما.. هل فتحت إسرائيل باب الضم الكامل للضفة، 9 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://aja.ws/yaxq85 ↩︎
  10. عربي News BBC ، السلطة الفلسطينية في “وضع حرج” مع تزايد إحكام إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية، 21 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/articles/cgqg3w5v99po ↩︎