وجهة نظر│ 8 فبراير 2026
تتجاوز المقاربات الراهنة للحروب الحديثة حدود التوصيف التقليدي القائم على المواجهة العسكرية المباشرة، لتفتح آفاقًا تحليلية أوسع حول ماهية الصراع الذي لم يعد محصورًا في ميادين القتال أو مرتبطًا بحسابات القوة النارية المجردة، بل انتقل إلى مستوى أكثر عمقًا وخطورة، يتمثل في استهداف الوعي الجمعي، ومحاولة تفكيك بنية الإرادة المجتمعية من الداخل؛ إذ يبرز هذا التحول سمة جوهرية في استراتيجيات قوى الهيمنة الغربية- وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني- في مواجهتها الوجودية ضد الشعوب والدول التي تأبى الخضوع وتتمسك بقرارها السيادي وخياراتها المستقلة.
وحين تصطدم الغطرسة العسكرية بجدار الصمود، وتفشل في تحقيق الحسم السريع أو إسقاط المنظومات الوطنية بالقوة الغاشمة، تبدأ مرحلة البحث عن بدائل أقل كلفة ميدانية وأعمق تأثيرًا على المدى الاستراتيجي البعيد، وفي هذا السياق يتحول المجتمع بأسره إلى هدف مباشر، وتغدو المعركة عملية منظمة وممنهجة لكسر الإرادة الجماعية؛ لأنها الخط الدفاعي الأول عن الوجود والشرط الضروري لاستدامة أي مشروع مقاوم للتبعية، مما يجعلنا أمام نمط من الحروب التي تقوم على التراكم البطيء عوضًا عن الضربة القاضية، وعلى إدارة القلق الجمعي بديلًا عن تحقيق النصر العسكري الميداني؛ إذ يُدار التوتر ويُعاد إنتاج الشعور بالتهديد بشكل مستمر ومنهجي؛ ليدفع بالإنسان نحو الانشغال بالنجاة الفردية والخلاص الشخصي بعيدًا عن القضايا المصيرية الكبرى.
إن الهدف المركزي الكامن خلف هذه التحركات هو إنهاك المجتمعات الحاضنة لمشاريع المقاومة، ووضعها تحت ضغوط نفسية ومعيشية هائلة لإقناعها بأن الاستمرار في المواجهة بات يفوق قدرتها البشرية على التحمل، وأن كلفة الصمود أصبحت عبئًا لا يطاق يهدد تفاصيل حياتها اليومية، وبذلك لم يعد المقاتل المرابط في الثغور هو المستهدف الوحيد، بل أصبح المواطن العادي في تفاصيل عيشه وسكينته هو الساحة الأساسية لهذه الحرب النفسية المعقدة، التي يتخذ فيها “سلاح التهويل” دور العمود الفقري والاستراتيجية المحركة؛ لأنه يعتمد بالأساس على التلويح بـ “فائض القوة” أكثر من استخدامها الفعلي، وعلى تضخيم مفاعيل التهديد في الخيال الشعبي لاستدعاء صور الخسارة والدمار النفسي قبل وقوعها المادي، مما يؤدي إلى خلق حالة من انعدام الأمان الوجودي، وتكريس فكرة أن كل تفصيل حياتي، بدءًا من السكن وصولًا إلى المرافق التعليمية والصحية، هو عرضة للتحول في أي لحظة إلى ساحة عقاب انتقامية، وهو ما يدفع المجتمع للعيش في حالة استنزاف نفسي مستمر حتى في مدد الهدوء الميداني النسبي.
وتلجأ القوى الاستعمارية إلى هذا النمط من الإرهاب الإدراكي؛ لأنها تدرك يقينًا عجزها الميداني عن تحقيق اختراقات حقيقية بالوسائل التقليدية، فالقوة التي تملك القدرة على الحسم العسكري لا تحتاج إلى ترويع المدنيين أو بناء حملات منظمة من الشائعات والأخبار المضللة، ولكن حينما يتعثر التقدم وتتآكل قدرة الردع، وتسقط شبكات التجسس والعمالة، يصبح التهويل الإدراكي هو الأداة التعويضية لمحاولة إقناع الذات والخصم بأن زمام المبادرة ما زال قائمًا.
وفي سياق التجربة اليمنية العميقة- كما هو الحال في فلسطين المحتلة ولبنان وإيران- يتجلى هذا النمط بوضوح فج؛ إذ انتقل العدو الذي عجز عن كسر إرادة المقاتل في جبهات القتال إلى محاولة ضرب بيئته الاجتماعية وتفكيك عائلته، فاستهدف البيت الذي هو رمز للأمان قبل استهدافه بناءً ماديًا، ولوّح بقطع الأرزاق، وحاصر الاقتصاد الوطني في محاولة لرسم مستقبل قاتم في الوعي العام لا يستند إلى معطيات واقعية بقدر ما يستند إلى حسابات سيكولوجية، تضرب جوهر العلاقة التاريخية بين المجتمع وخياراته المبدئية، غير أن معركة كسر الإرادة تحمل في طياتها تناقضًا بنيويًا يقلب السحر على الساحر، فالمجتمعات التي تتعرض لاستهداف وجودي شامل تبدأ بمرور الوقت في تحويل الخوف من حدث طارئ إلى جزء من معركة طويلة الأمد، ويتشكل لدى الناس وعي نقدي يبدأ بالتمييز بين التهديد الحقيقي وبين الضغط النفسي الممنهج؛ ليكتشفوا أن الضجيج الإعلامي المرافق للعدوان ما هو إلا تعبير عن مأزق بنيوي عميق تعيشه القوى المعتدية، وعند هذه النقطة بالتحديد تبدأ المواجهة الحقيقية في ساحة الوعي الذي يرفض الانقياد لمفاعيل التهويل.
ويبرز هنا الدور الخطير الذي يؤديه الإعلام حين يتحول من وسيلة لنقل الوقائع إلى ساحة قتال موازية، بل إلى بديل عن الميدان العسكري في كثير من الأحيان؛ إذ أثبتت التجارب اليومية أن الماكنة الإعلامية المعادية تجاوزت وظائفها المهنية لتصبح مصنعًا لإنتاج الأزمات النفسية المنظمة، التي تعمل على إعادة تشكيل إدراك الجماهير لما يدور حولها بتكرار التهديد وتعميمه، ورسم مشاهد مستقبلية كارثية تُقدم على أنها قدر محتوم لا يمكن رده؛ بهدف إبقاء المجتمع في حالة انتظار مرهق مشحون بالتوتر الهدام؛ لأن الإنسان متى ما حوصر في دائرة انتظار الخطر فقدَ القدرة على الفعل والمبادرة، وأصبح أسيرًا للحظة الراهنة، وفي هذا الإطار النفسي يجري استحضار الذاكرة الجماعية بكل آلامها وجروحها، وتحويلها إلى مادة ضغط سياسي، بإعادة بث صور الدمار السابقة، وربطها باللحظة الحالية لإيهام المجتمع بأن التاريخ سيعيد نفسه بشكل أكثر قسوة، وهي عملية لا تتوخى الفهم أو الاعتبار، بل تهدف إلى تكريس الخوف الوجودي ونزع الطابع المدني عن الحياة العامة؛ ليصبح كل مرفق خدمي أو مؤسسة وطنية هدفًا محتملًا في وعي الناس، مما يضرب الإحساس بالأمان، ويطبع الخوف في الوجدان الجمعي حتى قبل وقوع الفعل العدواني
ولا يمكن فصل هذه المعركة عن الأدوات التكنولوجية الحديثة؛ إذ تضاعف وسائل التواصل الاجتماعي من أثر هذا النمط عن طريق الرسائل المكثفة والمقاطع المقتطعة التي تصل مباشرة إلى الحيز الشخصي للفرد، مما يمنح التهديد طابعًا “حميميًا” خادعًا يوحي للمتلقي بأن الخطر يلامس دائرته الضيقة، وهو نهج تكاملي استُخدم في أكثر من ساحة جغرافية، ففي اليمن ترافق القصف مع الحصار الخانق والحرب الإعلامية لتصوير الصمود مغامرة انتحارية، إلا أن السنوات أثبتت فشل هذا الرهان بعد أن تحولت المعاناة إلى عامل تماسك وطني، أنتج معادلة صمود طويلة النفس، أسقطت فرضيات الانهيار الداخلي، وكذلك في لبنان حيث اتخذت المعركة مسار التهويل النفسي المستمر، وربط الاستقرار الاقتصادي بمواقف المقاومة، إلا أن ثبات معادلات الردع أفشل محاولات فرض الوقائع السياسية عن طريق التخويف، وفي إيران طُبقت الاستراتيجية بعقوبات ممتدة وضخ إعلامي يصور الدولة على حافة السقوط، لكن النتيجة كانت بناء منظومات صمود ذاتية وتعزيز استقلالية القرار، وتظل التجربة الفلسطينية -ولا سيما في غزة- المثال الأسمى على انكسار سلاح التهويل أمام إرادة الشعوب، فعلى رغم الدمار الواسع والاعتداءات المتكررة، لم تنجح القوة العسكرية ولا الحرب الإدراكية في انتزاع صك الهزيمة؛ لتصبح غزة شاهدًا حيًا على أن الإرادة الشعبية المتجذرة في الهوية لا تُقهر بفائض القوة، ولا تُستنزف بضجيج الشائعات.
إن القراءة المتأنية لهذه المواجهة الوجودية تؤكد حقيقة راسخة مفادها أن معركة كسر الإرادة- على رغم قدرتها على إحداث الألم الجسدي والمادي- تظل عاجزة عن تحقيق الحسم الاستراتيجي ما دام الوعي حاضرًا والتماسك المجتمعي قائمًا، فمع مرور الزمن ينقلب الضغط إلى قوة دفع ذاتية، ويتحول التهويل إلى ضجيج مألوف يفقد قدرته على توجيه القرار الجمعي؛ لتصبح الإرادة الوطنية حينها فعلًا عقلانيًا مبنيًا على فهم حقيقة المشروع المعادي الذي يستهدف الوجود في أساسه وليس في تفاصيله فقط، إن الصمود الشعبي المترافق مع الوعي بات اليوم ضرورة وجودية تحمي المجتمعات من التفكك والضياع، وتؤكد أن الشعوب التي تعي طبيعة معركتها الإدراكية هي الأكثر قدرة على تحويل أوجاعها وجراحها إلى وعي صلب تتكسر أمامه مشاريع العدو، ويعيد صياغة الأحداث والمتغيرات وفق إرادتها وخياراتها، ولا مكان لأحلام العدو وأمنياته