إنهاء تنظيم قسد… تطورات أبعد من الميدان السوري

وجهة نظر│ 7 فبراير 2026

حملت التطورات الأخيرة في المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سورية، التي تشكل حوالي ثلث مساحة سورية، وتحوي أهم ثرواتها الاستراتيجية من النفط والغاز والقمح والقطن، حملت مفاجآت كبيرة ومتعددة لم تكن متوقعة، وتتجاوز في أسبابها وتداعياتها الميدان السوري، لتطال الوضع في المنطقة ومناطق التوتر والصراع في العالم، أبرزها:

  • – جرت هذه المواجهة في وقت كانت تلتقي فيه السلطة وقسد؛ لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار من العام الماضي، ولم تكن الأجواء توحي بالذهاب إلى الخيار العسكري، لاسيما أن قسد تنظيم مدرب ومسلح، ويعمل بإشراف وإدارة الأمريكيين.
  • – التخلي الأمريكي عن قسد وإعطائه الضوء الأخضر للسلطة؛ لحسم الوضع بالطريقة العسكرية.
  • – انشقاق العناصر الموجودة في قسد من العشائر العربية، الذين تقدر نسبتهم بحوالي سبعين بالمئة من التنظيم، وانضمامهم إلى قوات السلطة، وهو ما يؤكد أن قادة هؤلاء وشيوخ العشائر يتلقون تعليمات من الأمريكي، ومن الرعاة الإقليميين، لاسيما السعودية وقطر والإمارات.
  • – كانت المعركة تدار بإشراف سياسي وعسكري مباشر من تركيا؛ إذ يلاحظ أن وزير الخارجية التركي حقان فيدان، يبدو كأنه متفرغ لإدارة الملف السوري أكثر من وزير خارجية سورية.
  • – انسحاب القوات الروسية من مطار مدينة القامشلي، التي تشكل أحد المعاقل الرئيسة لقسد قبل أيام قليلة من حدوث المواجهة، وهو ما يشير إلى وجود تنسيق مع روسيا في هذه التطورات.

هذا يؤكد أن ما جرى أوسع من الميدان السوري بكثير؛ إذ لا يمكن فصل هذه التطورات المفاجئة عن الأوضاع القلقة والأحداث المتسارعة في المنطقة والعالم، من غزة، إلى إيران، والعراق، وتركيا، وأوكرانيا، وفنزويلا، وغرينلاند، والصراع الأمريكي الصيني للسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي في العالم.

كما تأتي في إطار توضيح الصورة والطريقة التي يجري فيها توليد الدولة السورية الجديدة، وشكلها وهويتها الوطنية والقومية، وهل ستكون فيدرالية أم لامركزية موسعة.

لتوضيح ما جرى، ومعرفة أسباب وخلفيات هذه التطورات المتسارعة والمفاجئة، لا بد من العودة إلى لقاء باريس، الذي جرى بين وفد السلطة السورية، الذي كان برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، والكيان الإسرائيلي، وبرعاية أمريكية، ومتابعة تركية مباشرة، والتوافقات الأمنية والسياسية التي أُعلن (عن بعضها) بين الجانبين.

المؤشر الأول، حول وجود انعطافة كبيرة في التوازنات الداخلية في سورية، جاء من اللقاء الذي جرى في دمشق بين وفد من قسد والسلطة السورية، بعد لقاء باريس مباشرة؛ بهدف وضع اللمسات الأخيرة لتنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار من العام الماضي بين الجانبين، لكن وزير الخارجية أسعد الشيباني، تدخل بشكل مفاجئ، وأنهى الاجتماع بدون معرفة الأسباب، وبدون أن يجري تحديد موعد آخر له.

كما برزت معلومات وتقارير من أوساط إعلامية وسياسية متعددة، منها أمريكية، تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تريد من قسد مهمات تتخطى حدود سوريا، وتحديدًا في المواجهة المتوقعة مع الحشد الشعبي العراقي، وحزب الله اللبناني؛ بهدف تقليص نفوذ إيران، استعدادًا للمواجهة المتوقعة معها، ورفض قسد لهذه المهمة، فيما أبدت السلطة الانتقالية في دمشق استعدادها لتنفيذ كل ما يُطلب منها، مقابل تثبيت سلطتها وأخذ اعتراف دولي بها.

هذه التحول الكبير في الساحة السورية كان من نتاج لقاء باريس؛ إذ أعلن الأمريكيون بأن السلطة أصبحت عضوًا فعالًا في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وهي المهمة التي كانت تقوم بها قسد، وقد عبّر المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، عن هذا الموقف بوضوح، حين صرّح بأن الدور الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية قد انتهى، مؤكدًا أن دمشق باتت قادرة على تولي مهمة مكافحة الإرهاب بنفسها، بعد انضمامها رسميًا إلى التحالف الدولي.

أيضًا التطورات السورية ترتبط بشكل وثيق مع ما يجرى في قطاع غزة، وموقف الأطراف التي أدت دورًا في التوصل إلى وقف القتال، وفي مقدمتها تركيا، والنتيجة التي انتهت إليها في تفكيك حماس، ونزع عوامل قوتها، بدون القضاء عليها بشكل كامل، وتكرار تلك التجربة مع قسد.

كما يتعلق هذا الترابط بالمشروع الأمريكي لمستقبل غزة، وتحويلها إلى منطقة تنمية واستثمارات عالمية على طريقة دبي، ويؤكد الأهمية الكبيرة الذي توليه أمريكا لهذا المشروع أن مجلس السلام العالمي، الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيله لإدارة قطاع غزة، وجلب الاستثمارات العالمية إليه، وهو برئاسة ترامب نفسه، ومعه زير الخارجية ماركو روبيو، وصهره غاريد كوشنير، ومبعوثه إلى المنطقة ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والمنطق البديهي يقول: إنه من المستحيل إقامة مشروع تنمية واستثمارات على هذا المستوى في غزة، بينما تبقى سورية منقطة اشتباكات وغير مستقرة.

هذه التطورات أكدت ما يجري الحديث عنه، عن وجود قرار أمريكي بإنهاء التنظيمات المسلحة، التي تعمل بشكل موازٍ مع الجيوش النظامية في المنطقة، كما هو الحال الحشد الشعبي العراقي، وحزب الله اللبناني، وقبلهما حماس، وحتى مع التنظيمات التي تعمل بإشراف وإدارة الأمريكيين، مثل قسد، وتفضيل التعامل مع الأجهزة الرسمية، وقادة الأنظمة في المنطقة، التي باتت كلها تحت الهيمنة الأمريكية، ويمكن الضغط عليها بسهولة أكثر من التنظيمات الموازية.

بعد قسد وشرق الفرات العيون شاخصة اليوم نحو الجنوب السوري، وملف السويداء، وحركة الشيخ حكمت الهجري؛ إذ يتوقع أن يجري التعامل مع الوضع هناك كما جرى مع قسد، مع مراعاة الاختلاف في الظروف، والوضع على الأرض؛ بسبب مجاورة السويداء للكيان الصهيوني، والرعاية التي تروج لها حكومة العدو الصهيوني للدروز، الذين يشكلون الأغلبية في السويداء، ليس حبًا بهم أو حرصًا على أرواحهم، وإنما استغلالًا للوضع في مناطقهم؛ لخدمة مخططاتهم في الجنوب السوري، ومن المؤكد أن كل ذلك متفق عليه في لقاء باريس، وهناك ستتضح الكثير من تفاصيل الصورة حول الهوية التي ترسم لسورية المستقبل.

أما النتيجة الأهم، التي يمكن استخلاصها من طريقة التعامل الأمريكي مع قسد، وهي تأكيد الحقيقة التي تقول: إنه لا يوجد أصدقاء للأمريكيين في كل المنطقة- سواء من الدول أم التنظيمات- سوى الكيان الصهيوني، وما عداه هم مجرد أدوات، تكون أمريكا صديقة لهم عند الحاجة لخدمتهم، وترميهم بدون أي شفقة، أو أي اعتبار لمصيرهم فور الانتهاء من هذه الحاجة لهم.