حين يحضر أهل العراق… مَن وضع حزب الله وأنصار الله على قائمة الإرهاب؟

حين يحضر أهل العراق… مَن وضع حزب الله وأنصار الله على قائمة الإرهاب؟

د. بلال اللقيس

كاتب وأكاديمي عربي من لبنان

 

يظن بعضهم -حين يحضر شعب العراق- أن ردة الفعل الأخيرة لجموع الشعب العراقي وحشوده التي تدفقت في شوارع العاصمة والمحافظات بسبب ما صدر من الحكومة من قرارات طالت حزب الله اللبناني وأنصار الله اليمن، أنه نوع من ردة فعل عاطفية (عادت الحكومة وتراجعت بدعوى أنه خطأ فني حدث!)، ولا يرغب أن يعطي لهذه الهبة الشعبية الواسعة وغير المسبوقة مدى في التفسير والتأويل والرمزية، لكن على عادتهم يصر أعداء الشعوب الحرة والشريفة على مخادعة أنفسهم ومخادعتنا!

بالحقيقة لنفهم هذا التدفق الشعبي العراقي على إثر “الزحطة” الحكومية، ولا بأس أن نراقب الاتجاه الحيوي والنشط والمتزايد الزخم في الساحة العراقية، الذي يشكل الحشد الشعبي متنه وسنامه، فليست عاطفة آنية أن يصطف أغلب الشعب العراقي وفي مركزه الحشد الشعبي والمرجعية إلى جانب فلسطين وغزة ولبنان خلال العامين الماضيين، وليست عاطفة آنية ما أفرزته نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة وصناديق الاقتراع من رجحان كبير لصالح قوى الحشد ومن يتحالف معه، وليست انفعالا إصرارهم إخراج الاحتلال الأمريكي من أرضهم ومقاومتهم له سنين بقوة وشجاعة منقطعتي النظير، وليس انفعالا مساعي بعض حكومات العراق الانفتاح على الشرق (لا ننسى حين حركت أمريكا التشرينيين لإطاحة الحكومة، علما أن فقاعة التشرينيين سقطت في العراق بالضربة القاضية، والشيء نفسه يبدو في لبنان عما قريب).

ولا تصديهم لمحاولات تسميم العلاقة مع الجمهورية الإسلامية لجر العراق إلى موقع الحياد في الصراع، بينما أرضه المباركة تحتضن مقام وقبة الحسين بن علي رمز الانتصار للمظلوم ومواجهة الظالم. إن ما يحدث فيه عاطفة، نعم، والعاطفة أمر ضروري ومفيد، لكنه بالحقيقة ليس انفعالًا ولا هبَّة، بل مسارًا وقرارًا. إنه مسار فعل يقوده الحشد الشعبي وعموم الشعب العراقي المؤمن بذاته وعلو مكانتها لاستعادة العراق إلى أهله وإلى دوره الذي لا يقوم به غيره في لحظة من فراغ عربي قاتل، فالمنطقة العربية اليوم محتاجة لبلد يعيد التوازن اسمه العراق، والعراق يمتلك كل الأهلية لذلك حضاريا وفكريا وسياسيا واقتصاديا وموقعا ومرجعية، ورمزية حسينية علوية يجب أن تكون حاضنة الأحرار وطلاب العدالة والحق وقبلتهم.

نعم، إن مسارا جديدا وأفقا كبيرا وتصورا لهيئة عراق الغد بدأت معالمه ترتسم عن طريق هؤلاء العراقيين النافذي البصيرة لبلدهم، هو وعي عميق بالعودة العراقية لتأدية الدور المنسجم مع تاريخه ومع هويته في دنيا العرب، لا يمكن أن يكون العراق إلا ثالث أضلاع العرب – بالحد الأدنى – ويزداد دوره أهمية في ظل انهيار الدور السوري التاريخي، ولا يمكن لعراق علي -عليه السلام- رابع الخلفاء الراشدين إلا أن يكون في موقع الريادة العربية ودون ذلك مظلمة للعراق وأهله.

هناك ما يكفي من القرائن والأدلة أن العراق يدخل مرحلة جديدة في حياته السياسية منذ ثورة العشرين، بل من قبلها؛ إذ تظهر معالم واعدة أن شعبه التقط اللحظة السياسية التاريخية وطبيعة التحدي القائم، والفرص المختزنة فيه، والدور الكبير المنتظر له، الذي طال انتظاره، فهذا البلد له في هندسة حركة التاريخ إلى غاية العدالة التامة ودوره الخاص والمركزي.

يبدو أننا ندخل مرحلة تحضّر العراقيين للانتقال بوطنهم للاضطلاع بدورهم التاريخي، وأن يكون لاعبا حاسما لصالح المستضعفين والمؤمنين والأحرار، عوضًا عن أن يكون مسرحا لهيمنة المستكبرين بزعامة الولايات المتحدة.

يزداد نداء المقاومة في العراق باطراد، ويتنامى اتجاهه الشعبي بقوة، وكل يوم سيمضي سنرى العراق أشبه بالصورة والحقيقة الحسينية العلوية التي يضمها في جنباته، التي هي حقيقة عهده الاجتماعي بين جنبيه لا باللامبالاة أو الحياد أو الانفعال أو الرهان على الخارج.

نعود للقول: إن ما اقترفته أمريكا في المنطقة وفي كل ساحة من ساحاتها، بدءًا من غزو العراق واحتلاله في 2003، ثم ما تمارسه اليوم بأداتها “إسرائيل”، وخصوصا في العامين الماضيين حين أفصح الظالم عن حقيقته تهديدًا وجوديًا لشعوبنا، ليس أقل من ذلك، هذا حفز الوعي العربي والإسلامي والعالمي بشكل غير مسبوق، بدل أن يطويه أو يغيره كما أراد، فأعاد إنتاج النظرية بقوة أكبر، ونقلها من ساحات إلى كل الساحات العالمية، فيرى العالم ومنطقتنا على وجه الخصوص كأنه بدأ ينشأ فيها منطق جديد، منطق البحث عن المصالح والعقلانية في المقاربة والتحوط في العلاقة بالمستكبرين عند دول متعددة منه، كدول الخليج، وهو ما نأمل أن يستمر، وتراه بدأ يؤسس لمسار عودة دول إلى مكانتها العريقة كالعراق وشعبه، كما أنه عمق الهواجس عند بعضهم تجاه المستقبل؛ فحدا بهم لتغيير تدريجي في المقاربات.

لا باس أن نذكر أن “إسرائيل” مهما استخدمت من أسلحة وأفرطت في استخدام القوة المادية سرعان ما تكتشف محدودية القوة في التغيير، وتكتشف أنها مهما طغت وعلت غير مقبولة في الشارع، حتى مع الدول التي طبعت معها، وتكتشف أنها في أحسن الأحوال أحد المؤثرين في المنطقة، وليس كما أدعت وروجت في الغرب أنها قادرة أن تكون محور المنطقة؛ فأوهمت نفسها فضلا عن غيرها بذلك، هي من الكيانات التي لا يمكنها أن تعطف القوة العسكرية مهما امتلكت منها إلى معطى سياسي واستراتيجي، وما يحصل اليوم أدل دليل على ذلك.

إن من رفع الأعلام في بغداد وكل محافظات العراق بالأمس وملأ الساحات لا يعربون عن حبهم لحزب الله وأنصار الله فحسب، ولا يستعرضون قوة فقط، وليست هبتهم هذه حركة انفعالية عابرة، بل هم يعبرون عن لحظة فارقة لنهج شق طريقه بإرادة تتعاظم في عيون العراقيين الأحرار، وسينقل بعزم وتعالٍ العراق إلى دور تاريخي يتوق له الأحرار منذ زمن طويل، وسوف نسمع نبأه بعد حين، والسلام.

 

كاتب