ثقافة النقد في الوعي العربي: من جلد الذات إلى بناء الوعي الوطني (3)

ثقافة النقد في الوعي العربي: من جلد الذات إلى بناء الوعي الوطني (3)

عبدالحافظ معجب*

بعد أن تشخصت الأسباب في الجزء الأول، وحللنا المخاطر في الجزء الثاني، نحن الآن على أعتاب الحلول العملية في هذا الجزء الختامي.

بعد سنوات من الخطاب الغاضب والجدل حول الأخطاء والإخفاقات، أصبح من الضروري تحويل النقد من مجرد اعتراضات إلى خطوات عملية ملموسة تعزز الثقة بين المجتمع والدولة، فالنقد ليس خصومة بل وسيلة للتعبير عن الرأي والمشاركة في تطوير المجتمع. عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن رأيه محل اعتبار يتحول النقد من مشكلة بحد ذاته إلى عنصر فاعل في الحل.

يتطلب هذا التحول وعياً جماعياً جديداً يعيد تعريف النقد كمسؤولية مشتركة وليس وسيلة للتهجم أو تسجيل المواقف فقط، ويبدأ هذا من المثقف والإعلامي والناشط الاجتماعي، الذين يقع على عاتقهم مسؤولية توجيه النقاش وتحويل لغة الشكوى إلى تحليل معمق وحلول عملية. فالنقد الحقيقي يقاس بمدى القدرة على تقديم اقتراحات قابلة للتطبيق، وليس بعدد الملاحظات أو حدة الاعتراض.

لا يمكن الانتقال من النظري إلى التطبيقي من دون وجود آليات عملية تتيح للمواطن المشاركة الفاعلة، ومن هذه الآليات إنشاء “منصات حوار وطنية دائمة” تجمع بين ممثلي المجتمع والجهات الرسمية لمناقشة السياسات قبل إقرارها.

ويمكن البناء على تجربة “المنصة الإعلامية” التي كانت قد بدأت في عهد حكومة الإنقاذ، كما أن تفعيل “برامج تشاركية” على مستوى المحافظات والمدن يمنح المواطن الحق في تحديد أولويات المشاريع في مجتمعه، وهذا بحد ذاته تجسيد عملي لتحويل صوته إلى قرار. هذه الآليات تحول المواطن من متلق أو ناقد سلبي إلى شريك حقيقي في صنع القرار وتحمل المسؤولية.

لكن هذا الواجب لا يقتصر على المجتمع وحده، تقع على عاتق المؤسسات الحكومية مسؤولية رئيسية في خلق بيئة مستقبلة للنقد البناء، فغياب الرد أو تأخر التوضيح يؤدي إلى ذلك الفراغ الإعلامي الذي تتصارع على ملئه جهات مختلفة، بعضها لا يخلو من أجندات خارجية. لذلك على المؤسسات الرسمية أن تكون سريعة في الاستجابة، واضحة في الشرح ودقيقة في التواصل مع المواطنين، بعيداً عن أسلوب الدفاع المتشنج أو الصمت الطويل.

السرعة في التجاوب والتفاعل تعيد بناء الثقة وتظهر للمواطن أن الدولة صاغية وملتزمة بالإصلاح، كما أن احترام الأصوات الناقدة يعزز شعور المسؤولية لدى أصحابها، فيتحول النقد من ضغط سلبي إلى أداة تعاون فعالة.

الثقة لا تبنى بالشعارات بل من خلال الوصول إلى المعلومات الصحيحة والاعتراف بالأخطاء ومعالجتها بشكل واضح، وعلى الإعلام الرسمي والمهني أن يضطلع بدوره ليكون بمثابة الجسر الذي يربط النقد بالإصلاح ويتجاوز الأفكار النمطية القديمة التي تقول أنه مجرد ناقل للتبريرات.

ثمة نماذج وطنية حقيقية لسرعة الاستجابة يمكن تطوير أدواتها للبناء عليها، مثل النافذة الإلكترونية لشكاوى المواطنين في مكتب رئاسة الجمهورية عبر نظام الكتروني موحد لإدارات الشكاوى في مختلف مؤسسات الدولة، ومركز الشكاوى والبلاغات في جهاز المفتش العام بوزارة الداخلية، الذي أنجز الآلاف من الشكاوى التي تقدم بها المواطنون ضد عدد من منتسبي وزارة الداخلية.

بالإضافة إلى خدمة مركز البلاغات والشكاوى بجهاز الأمن والمخابرات عبر الرقم المجاني، وكان قد أعلن الجهاز عن تشكيل لجان مركزية خاصة باستقبال شكاوى المواطنين المتعلقة بمخالفات وتجاوزات موظفي الجهاز في أمانة العاصمة والمحافظات تحت شعار “أنصف الناس من نفسك”. ثمة نماذج أخرى في مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية، وإن كانت جزئية لكنها تقدم براهين عملية على إمكانية تحقيق التغيير، وجميعها تثبت أن جسر الثقة يمكن بناؤه حين تكون الإرادة صادقة.

عندما يلتقي النقد الصادق مع تجاوب رسمي واعٍ، تتشكل شراكة وطنية حقيقية ترتكز على الاحترام والمساءلة. ويصبح النقد وسيلة لدعم التنمية وإعادة الاعتبار للثقة بالذات الوطنية، وليس أداة للهدم، لأن المطلوب ليس إسكات الأصوات بل تعزيز وعيها وعدالتها مع مراعاة المبادرة الفعلية للمعالجة من الدولة.

التحرك نحو وعي وطني متين يمر عبر “الاعتراف المتبادل” بالمسؤولية التي تبدأ من مواطن لا يكتفي بالشكوى ومسؤول لا يقلل من قيمة صوت الناس وهمومهم، ومن هذا التفاعل يولد مجتمع أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على التغيير والبناء. المجتمعات لا تنهض بالإنكار أو الغضب بل بالحوار الصريح والشفافية والإيمان بأن جميع الأطراف شركاء في البناء والتغيير.

النقد البناء يصبح أداة لتعزيز الأداء الحكومي وتحفيز المشاركة المجتمعية، مع إبراز الإنجازات المحلية والإصلاحات الإيجابية، فيصبح المواطن جزءاً من الحل لا مجرد ناقد، ويقع على عاتق الدولة أن تبادر إلى تصحيح القصور وتوضيح السياسات وتقديم المعلومات الدقيقة قبل أن تنتشر الشائعات لتجنب الفراغ الإعلامي الذي قد يستغله البعض لتحقيق أهداف شخصية أو سياسية.

بهذا النهج يتحول النقد إلى قوة إيجابية، والمعالجات إلى عملية مشتركة، ويستعيد المواطن ثقته بمؤسساته الوطنية بينما تعزز الدولة مصداقيتها وكفاءتها، من خلال الحوار البناء والشفافية، وهذه ركائز استراتيجية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والاحترام المتبادل لضمان استكمال المسار الثوري والتغيير الجذري.

ـــــــــــــــــــــــ

* كاتب وباحث سياسي

 

كاتب