مصر: عودة الوسيط العربي النزيه من غزة إلى لبنان، فاليمن

مصر: عودة الوسيط العربي النزيه من غزة إلى لبنان، فاليمن

منى صفوان*

تحركات علنية، وسرية، من دون معلومات أو دعاية إعلامية. هذه هي طريقة المخابرات المصرية، التي تدير اعقد ملفات المنطقة، في غزة وجنوب لبنان، وربما صنعاء!.

إذن، ظهرت المخابرات المصرية في زيارة رسمية لإسرائيل وبعدها الى لبنان، لأنها مهتمة بملف لبنان لإنقاذ وقف إطلاق النار في غزة، وتحويله إلى حالة سلام في المنطقة، تشمل لبنان وربما اليمن أيضاً.

فحرب غزة، أو بالأصحّ العدوان الإسرائيلي عليها، لم تكن حرباً في غزة فقط، بل امتدت إلى ساحات أخرى، بعد فتح جبهات الإسناد اللبنانية واليمنية.

لذلك فإن وقف إطلاق النار في غزة يحتاج أن يمتد إلى ساحات أخرى، أهمها الساحة اللبنانية، خاصة بعد تزايد التصعيد الإسرائيلي، وانتهاكه المتكرر للاتفاق، وخروقاته التي لم تتوقف، والتي تهدد بإشعال الحرب مجدداً في لبنان، رغم التزام “حزب الله” بالاتفاق.

لجم إسرائيل والتقارب مع إيران

من هنا، تحاول مصر لجم إسرائيل، سواء في الساحة الفلسطينية “الغزّية” أو في الساحة اللبنانية، ليس فقط حفاظاً على الأمن القومي العربي، بل أيضاً حفاظاً على أمنها واستقرارها الداخلي، فهذه الساحات مترابطة. لذلك يبدو أن القاهرة تعود بقوة إلى المشهد، بعد نجاحها في إبرام اتفاق غزة.

نحن أمام متغير مهم في موازين القوى، مع عودة لاعب إقليمي قديم وقدير ومحترف، تُكسب الملفات التي يديرها طابعاً عروبياً خالصاً، إذ لا يشكك أحد في نواياه. لذلك يُستقبل في لبنان بترحيب واسع من “حزب الله”، كوسيط نزيه وعادل، قلبه على لبنان، حريص على أمنه واستقراره، وعلى استقرار المنطقة بأكملها.

ولم تكن مصر غائبة تماماً، لكنها كانت محدودة التأثير، لأنها لم تستخدم ثقلها كاملاً، وانكفأت على نفسها لفترة. أما اليوم، فهي تفتح مسارات عديدة، وتنوّع من تعاونها وعلاقاتها الإقليمية، ولاسيما بعد المصالحة مع تركيا، والتقارب مع إيران.

وهنا يبدو أن التقارب الأخير مع إيران، ولعب القاهرة دوراً مهماً في الوساطة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك الحديث عن وساطة مصرية بين إيران والولايات المتحدة؛ كلها مؤشرات على ثقة الإيرانيين بمصر كصديق. وهذا يفتح أمامها الباب للتواجد بقوة في لبنان، في ملف “سلاح حزب الله”، نظراً لطبيعة العلاقة بين الحزب وطهران.

حتى الآن، تحاول مصر وقف الحرب من خلال استطلاع الأجواء، وهناك ترحيب بتواجدها في لبنان من الحكومة والجيش والحزب، بما يمنح الملف ثقلاً عربياً في مواجهة الحضور الأمريكي والفرنسي في الوساطة اللبنانية.

اليمن ومصر زيارات متبادلة وتفاهمات

أما في حال اليمن، وهو الملف غير المُعلن بعد، فهناك أحاديث ومصادر تتحدث عن زيارات متبادلة بين الجانبين المصري واليمني، ممثلاً بجماعة “أنصار الله” اليمنية، خاصة بعد عمليات البحر الأحمر. فالبحر الأحمر يمثل العمق الاستراتيجي للأمن القومي العربي، والمصري خصوصاً.

وفي هذا الإطار، يمكن الحديث عن تفاهمات بين الطرفين، لضمان أمن الملاحة وحركة السفن في قناة السويس. ومع انتهاء الحرب، يمكن أن تتطور هذه التفاهمات إلى وساطة مصرية في الأزمة اليمنية، خاصة أن القاهرة تُعدّ طرفاً عربياً مقبولاً من جميع الأطراف اليمنية، وقلّما يوجد طرف عربي أو غير عربي يتمتع بهذه المكانة. فصوت مصر مسموع سياسياً وشعبياً في اليمن، وتاريخها في القضية اليمنية محترم، خالٍ من المطامع أو النوايا الخبيثة التي طالما عانى منها اليمن من بعض جيرانه.

لذلك فإن التحركات المصرية، ابتداءً من غزة ولبنان، ليست حدثاً عابراً، بل تمثل تحولاً في صميم السياسة العربية وسياقها العام، وستؤدي إلى تهدئة في المنطقة التي عانت من الفوضى، بسبب تسلّط “الصغار” على القرار العربي، وعبثهم بالدولة العربية، وبالقضية الفلسطينية أيضاً.

العبث الخليجي بأساسيات الأمن القومي العربي

ولكيلا أهرب من تسمية الأمور بأسمائها، فإن “طوفان الأقصى” كان نتيجة حتمية لهذا العبث بالسياسة العربية، وبأساسيات الأمن القومي العربي، بعد الهرولة المجنونة نحو التطبيع المجاني، وتصفية القضية الفلسطينية، والتمهيد لـ “صفقة القرن”، من بعض دول الخليج العربية.

حتى اليمن عانى من هذا التدخل الفوضوي في مسار أحداثه، خصوصاً بعد الثورة الشعبية عام 2011، في محاولة لفرض الوصاية المباشرة، فكانت النتيجة انفجار الأوضاع، والدخول في حرب إقليمية مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات.

إن غياب الدولة العربية الكبيرة سمح للدول الصغيرة بأن تعبث بالمنطقة، وتوسع أطماعها في اليمن والسودان وليبيا، وتدعم توسع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

في هذا الوقت، كانت مصر تعالج مشاكلها الداخلية وأزماتها المتلاحقة، لكنها شعرت أن التهاب المنطقة بات يؤثر عليها مباشرة. لذلك تتحرك الآن بأعلى مستوى أمني، لإعادة الأمور إلى نصابها، ولتهدئة وتبريد المنطقة، والأهم لجم الوحش الإسرائيلي، خاصة أنها صاحبة تجربة كبيرة وطويلة في التعامل معه أمنياً ومخابراتياً وسياسياً، وليس فقط عسكرياً. فقد خاضت مع إسرائيل حروباً مخابراتية وعسكرية وسياسية، تجعلها الأكثر قدرة على إدارة أي ملف معها.

ويكفي الأمن القومي العربي فخراً، أنه رغم مرور خمسين عاماً على اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، لم يتمكن الاحتلال من التطبيع مع الشعب المصري، وبقيت المقاطعة الشعبية والثقافية له في أعلى مستوياتها، بعكس ما نراه في دول “التطبيع الإبراهيمي”.

لذلك فإن تحرك مصر اليوم بحاجة إلى دعم عربي ــ شعبي، وإعلامي، وسياسي ــ لأن هذه المنطقة المتوترة تحتاج إلى استراحة محارب، تهدأ فيها النفوس، وتُعاد فيها صياغة التحالفات، وتقوية السياج الأمني العربي، لحماية الأمن القومي العربي وصون استقرار المنطقة.

لذلك أطالب كمواطنة يمنية ان تلعب مصر، دوراً أساسياً، في الأزمة اليمنية، وأن تقود وساطة عربية، لحل ازمة اليمن، بعيداً عن الاستقطاب والتجاذبات الإقليمية. ففي استقرار اليمن، هدوء للمنطقة، واكمال السلام العربي، وضمان الأمن القومي العربي والمصري.

ــــــــــــــــــــــــــــ

*صحافية وكاتبة – رئيسة تحرير عربية فيلكسAF

كاتب