ثقافة النقد في الوعي العربي: من جلد الذات إلى بناء الوعي الوطني (٢)

ثقافة النقد في الوعي العربي: من جلد الذات إلى بناء الوعي الوطني (٢)

عبدالحافظ معجب*

استعرضنا في المقال السابق كيف أن جلد الذات تحول من نقد صحي إلى ظاهرة مرضية، وسنكمل اليوم رحلتنا لتحليل المخاطر النفسية والوطنية لهذه الثقافة.

عندما تتحول السلبية إلى مزاج عام وتصبح السخرية اللغة الوحيدة للتعبير عن الرأي، يفقد النقد معناه كأداة للإصلاح ويتحول إلى تهديد للوعي الوطني، فالمجتمع الذي يعيش وسط دوامة جلد الذات يفقد تدريجياً إحساسه بالثقة والانتماء ويضعف رأس المال الرمزي للأمة، المتمثل في الاعتزاز بالهوية والإيمان بالذات وعندما يغيب هذا الإيمان يختفي الدافع الأساسي للإصلاح لأن الناس لا يبذلون الجهد في بناء مجتمع لا يرونه صالحاً أو يستحق العمل.

من أخطر نتائج النقد المفرط ترسيخ فكرة أن الفشل قدر محتوم وأن النجاح مجرد استثناء، هذه القناعة تولد حالة نفسية تعرف بـ ”العجز المتعلم”، حيث يمتنع الأفراد عن المبادرة والمساهمة الفاعلة معتقدين أن الجهد لن يثمر مهما فعلوا، ومع مرور الوقت يتحول المجتمع إلى جمهور متفرج مهمته الانتقاد بدون أي مشاركة ويساهم بطريقة أو بأخرى دون وعي في ترسيخ الفشل بدلاً من مواجهته.

تحمل النخب الفكرية والمثقفون مسؤولية مضاعفة في هذا السياق نظراً لما تمتلكه هذه النخب من أدوات التأثير والتوجيه، لكن حين تنزلق النخبة إلى خطاب الغضب الشعبي وتصبح جزءاً من الضجيج العام، تفقد الأمة بوصلة فكرتها الرشيدة التي تستند إليها في تقييم الأمور وتضيع القدرة على التمييز بين النقد البناء والهدام، في المقابل غالباً ما يتم تهميش الأصوات الإيجابية التي تسلط الضوء على النجاحات والإنجازات المحلية حيث ينظر إليها على أنها نوع من الولاء غير النقدي أو محاولة للتطبيع مع الخلل، بدلاً من احتفاء المجتمع بها كأدوات إلهام وتحفيز.

تؤدي هذه البيئة إلى آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى تتراوح بين الإحباط الجماعي والاكتئاب الاجتماعي وصولاً إلى شعور “الاغتراب الداخلي”، حيث يشعر الفرد بالغربة داخل وطنه ويعيش صراعاً مستمراً بين الانتماء والرفض، كما تمحى الحدود الفاصلة بين النقد الموضوعي والإحباط العاطفي ويصبح الصمت أو السخرية أكثر قبولاً اجتماعياً من الاعتراف بالنجاح أو الاحتفاء به.

يعد النظام التعليمي حجر الزاوية في تشكيل المناعة الفكرية للأجيال الناشئة ضد ثقافة جلد الذات، فغياب مناهج تعزز “الفخر الإيجابي” بالإنجازات الوطنية والتاريخ الحضاري، إلى جانب إهمال مهارات النقد البناء والتفكير التحليلي الموضوعي، يترك الشباب فريسة سهلة للخطاب الانفعالي السائد على وسائل التواصل. وعليه فإن إصلاح التعليم ليكون قادراً على بناء شخصية وطنية متوازنة تنتقد بوعي وتقدر بإيجابية أصبح في هذه المرحلة ضرورة وطنية عليا.

على المستوى الوطني يترتب على هذا المناخ تراجع المبادرة الفردية والمجتمعية وشلل حركة الإصلاح وتآكل جسور الثقة والتعاون بين مكونات المجتمع ومؤسسات دولته، فعندما يمتنع المسؤولون عن معالجة الأخطاء ويسكت المواطنون بدافع الإحباط فيغدو المجال العام مفتوحاً للروايات المغلوطة والسرديات الأحادية التي تستغل حالة الفراغ.

وهنا يأتي دور الحرب النفسية الموجهة من العدو الخارجي ومن مهامها الأساسية الدفع بالمجتمع للانجرار تدريجياً نحو دوامة اليأس، وفي الوقت ذاته لابد من التنبه الى أن النقد المستمر بلا توازن يفتح الباب أمام النفوذ الخارجي المتربص بالوطن وسيادته واستقلاله، إذ يصبح الأفراد أكثر استعداداً للاعتقاد أن الحل يأتي من الخارج لا من الداخل.

لا تقتصر تداعيات النقد السلبي المفرط على الجوانب النفسية والاجتماعية فحسب، بل تمتد لتطال القطاع الاقتصادي بشكل مباشر، فاستشراء ثقافة التشاؤم وغياب الثقة بالمستقبل يؤديان إلى تراجع مناخ “الثقة الاستثمارية” محلياً وعالمياً، حيث يتحوط المستثمرون من دخول أسواق يسيطر عليها خطاب الإحباط.

كما يتسبب “شلل المبادرة” وانتظار الحلول من الخارج في إهمال الفرص الاقتصادية المحلية والموارد الذاتية مما يعمق من التبعية للخارج ويضعف فرص تحقيق التنمية المستدامة والاكتفاء الذاتي.

تبدأ استعادة التوازن من اللغة ذاتها عبر إعادة الاعتبار للنقد المسؤول الذي يشخص العلل بهدف البناء وليس من أجل الهدم، فالإيجابية ليس بالضرورة أن تكون نفاقاً والنقد لا يمكن اعتباره بطولة لاسيما إذا خلا من رؤية وطنية صادقة، فالمجتمعات تحتاج إلى وعي قادر على رؤية النقص لمعالجته وفي الوقت ذاته التقدير والاعتراف بالإنجاز لتعزيزه.

انهيار المجتمعات لا يحدث بسبب كثرة الأخطاء بل حين تفقد الأمل في قدرتها على التصحيح، ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للإنجازات المحلية والموارد الذاتية تشكل جزءاً أساسياً من عملية التوازن الذي يساهم في تكوين وعي جماعي يعزز روح المشاركة والمسؤولية لدى المواطنين، ويحول النقد إلى أداة فعالة للتطوير بدل أن يكون مجرد تعبير عن السخط.

_____________

* كاتب وباحث سياسي

كاتب