تقدير موقف ┃ 20 فبراير 2026
تواجه السعودية الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية، التي بلغت درجة حرجة مع حدة التنافس السعودي الإماراتي في المنطقة، وسباق العاصمتين الخليجيتين في المضمار الأمريكي الإسرائيلي؛ إذ طار إلى واشنطن خلال أقل من ثلاثة أشهر ولي العهد محمد بن سلمان، ثم وزير الخارجية فيصل بن فرحان، ثم وزير الدفاع خالد بن سلمان، الذي ما إن غادر الولايات المتحدة حتى كشفت وسائل إعلام أمريكية عن لقاء جمع الأخير بممثلي الجالية اليهودية الصهيونية، فيما ألقت وسائل إعلام أمريكية الضوء على فشل مشاريع ابن سلمان الاستثمارية الطموحة.
وفي الأثناء تصاعدت خطوات خجولة نحو تعاون عسكري تركي باكستاني مع السعودية من جهة، وتقارب سياسي أمني بين مصر والصومال مع السعودية من جهة ثانية، في الوقت الذي تعمل إسرائيل على فرض معادلة الاستباحة الشاملة؛ بهدف تغيير خرائط ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، من سوريا ولبنان إلى الصومال والقرن الإفريقي، مرورًا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية واستمرار التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، ذات الصلة أيضا بتهديدات الحرب، وانطلاق جولة ثانية من المفاوضات النووية التي ما يزال من المبكر الحكم على نتائجها.
غير أن حرب اليمن ما تزال أخطر الملفات المفتوحة التي حاولت السعودية الهرب من استحقاقاتها، فوجدت نفسها قد تورطت أكثر وأكثر، وهذا ما يمنح صنعاء مزيدًا من أوراق الضغط إن هي أجادت استخدامها في الوقت المناسب.
السعودية «المرتبكة» في الإعلام الأمريكي
نشرت وول ستريت جورنال – صحيفة أمريكية يومية – مقالة رأي للكاتبة كارين إليوت هاوس بعنوان: ولي العهد السعودي يضغط على المكابح1، ذكرت فيها أن بعض مشاريع ابن سلمان الطموحة الضخمة يجري إلغاؤها بعد أن تبين له أنها غير قابلة للتنفيذ أو باهظة التكلفة، في الوقت الذي تشهد فيه أسعار النفط تراجعًا كبيرًا، تدور حول 65 دولارًا للبرميل، واستغربت الكاتبة أن محمد بن سلمان لم يظهر منذ أكثر من عام في حديث لوسائل الإعلام، وربطت ذلك بالحالة الداخلية للمملكة، والحالة الصحية للملك الأب، وقالت: ما يشغل السعوديون الآن هو معرفة من سيكون ولي العهد القادم (قد يكون محمد بن سلمان حسم مسألة أن يكون هو الملك القادم، لكنه لم يحسم بعد من يكون ولي العهد…، هل يكون أخوه خالد أم ينتظر صعود أحد أولاده؟ كما فعل الملك حسين في الأردن في الأيام الأخيرة من حياته عندما عزل أخاه ونقل العرش إلى نجله عبد الله).
وأشارت الصحيفة إلى عدم اطمئنان ابن سلمان إلى الولايات المتحدة التي لم تحمي الرياض من الهجمات اليمنية في 2019 (بقيق وخريص)، وهذا ما جعل الرياض تتقارب مع طهران وتستأنف العلاقات الدبلوماسية في ضوء اتفاق معلن برعاية صينية (مارس 2023).
وبخصوص الهجمات الأمريكية المزمعة على إيران، تتحرك الرياض في حالة من الارتباك، وعلى رغم أن السعودية تعارض الهجوم الأمريكي في العلن، وترفض استخدام أجوائها في أي هجوم محتمل على إيران، إلا إن وزير الدفاع السعودي قد حذر واشنطن من أن عدم توجيه ضربة لإيران سيؤدي إلى تشجيع ” النظام الإيراني”، وهذا يعني أن الرياض ” في حالة ارتباك إزاء ما تريده فعلا “، بحسب هاوس.
في الأثناء ألقى الإعلام الأمريكي الضوء على المواقف السعودية الحقيقية من الصهيونية وإسرائيل، ونشرت واشنطن جوش ويك -وهي صحيفة أسبوعية تخدم المجتمع اليهودي- في 11-2-2026 افتتاحية بعوان: ازدواجية الخطاب غير المحتملة في السعودية2، وتناولت الصحيفة مواقف وزير الدفاع السعودي، الذي زعم أن الخطاب المعادي للسامية (على منابر المساجد) لا يعكس الموقف الرسمي للمملكة، وهو ما لم يقتنع به الصهاينة الذين اجتمع بهم الأمير السعودي؛ إذ طلبوا منه أن (تثبت السعودية ذلك بشكل علني وحاسم وواضح)، في إشارة إلى ضرورة لحاق المملكة بـ “اتفاقات إبراهام” والتطبيع الكامل مع إسرائيل كما فعلت الإمارات.
وإذ تدرك واشنطن حاجة الرياض للوقوف إلى جانبها في أزمتها الأخيرة مع الإمارات، فإنها لم تمنح السعودية ما يرضي طموحها حتى الآن، بل على العكس فقد وجه السيناتور ليندسي غراهام3 انتقادات حادة إلى السعودية، ودعاها إلى إنهاء خلافها المتصاعد مع الإمارات، وقال بلهجة متعالية: ” أوقفوا هذا الأمر… لقد سئمت من هذا “، معتبرًا أن استمرار التوتر بين الحليفين الخليجيين يعزز مصالح إيران، ويقوّض المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.
حسابات الرياض بين اليمن والإمارات
مع بداية ديسمبر 2025 أقدمت الرياض على خطوة مفاجئة في محافظتي حضرموت والمهرة، وكان التصعيد العسكري في مواجهة الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي محفوفًا بالمغامرة، لاسيما أن صنعاء كانت تراقب وتتربص ولا تزال، غير أن التراجع الإماراتي السريع قد منح السعودية مكاسب ميدانية يمكن استخدامها أوراق قوة على طاولة التفاوض مستقبلًا، ومما يرفع من أسهم الرياض في الملف اليمني أن خروج الإمارات يقابله عودة لقطر، التي كانت قد استبعدت في 2017، وهذه العودة يمكن توظيفها لصالح الرياض في مسارين:
الأول: على مستوى العلاقات البينية داخل مجلس التعاون الخليجي، وضبط التوازنات في إطار قاعدة أن القيادة كانت وستبقى للأخ الأكبر.
الثاني: على مستوى استبدال الأدوات في الداخل اليمني؛ إذ تسعى السعودية عن طريق التقارب مع الدوحة إلى استثمار علاقة الأخيرة بالإخوان المسلمين وحزب الإصلاح، وإعادة تدويرهم في خدمة الأجندة الجديدة.
لكن ما قد يكون سهل التحقق في اليمن، لا يبدو كذلك في بقية مناطق التماس والصراع السعودي الإماراتي، لاسيما في السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ إذ تظهر إسرائيل إلى جانب أبو ظبي في تحالف وثيق مع إثيوبيا، ولا شك أن الولايات المتحدة تدعم هذا التحالف، وتبارك خطوة اعتراف إسرائيل بأرض الصومال؛ ما يجعل حسابات الرياض هنا أكثر ارتباكًا، وهذا ما يفسر التقارب السعودي الصومالي، والحديث عن تحالف سعودي مصري صومالي أيضًا.
إلا أن هذا التحالف المزمع لن يكون على درجة من التأثير والفاعلية إلا باشتراك اليمن، الذي أثبت أنه الرقم الصعب في معادلة الأمن الإقليمي خلال معركة طوفان الأقصى، وهذا ما لا تجرؤ السعودية على مجرد التفكير فيه.
كانت السعودية قد أخطأت التقدير حين استجابت للضغوط الأمريكية بشأن تجميد ” خارطة الطريق ” بين صنعاء والرياض، التي كانت الأمم المتحدة على وشك الإعلان عنها أواخر 2023؛ إذ كانت صنعاء قد انخرطت في حرب إسناد غزة ما أثار حفيظة واشنطن، وانعكس سلبا على مسار السلام والحلول السياسية، فوق ذلك تراجعت الرياض عن الوفاء بالاستحقاقات الإنسانية المرتبطة بإعلان التهدئة وخفض التصعيد في أبريل 2022، ما يجعل حالة اللاحرب واللاسلم القائمة في مهب الريح.
استفادت السعودية كذلك من عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من إعادة تصنيف الولايات المتحدة لأنصار الله منظمة إرهابية أجنبية، إلا أن هذه الخطوة فقدت معناها حين أرغمت صنعاء ترامب على التفاوض غير المباشر في سبيل إيقاف الهجمات العسكرية على حاملات الطائرات الأمريكية في البحر الأحمر، وقد أدت الوساطة العمانية إلى إعلان اتفاق وقف متبادل للعمليات العسكرية بين اليمن والولايات المتحدة؛ ما أثار دهشة إسرائيل والسعودية معًا، ومن غير المستبعد أن هذا المتغير المفصلي في موازنات القوة قد ألقى بظلال من الشكوك تجاه الحماية الأمنية التي تطلبها السعودية من البيت الأبيض، وفاقم من مأزق الرياض في اليمن.
إضافة إلى ذلك، أقحمت الرياض نفسها في أزمات اليمن الداخلية، التي لا تحتمل العبث وأنصاف الحلول؛ إذ دعت إلى مؤتمر جنوبي جنوبي بزعم الإسهام في حل المشكلة الجنوبية، مع أن الوقائع تؤكد أن الأجندة السعودية هي ذات الأجندة الإماراتية، وكلتاهما تسعى إلى فرض الانفصال والتقسيم، والسيطرة على الموارد النفطية ونهب ثروات البلاد، وخداع الشعب اليمني بمسمى الهبات والمساعدات.
خيارات صنعاء
منذ أواخر 2024 وحكومة صنعاء تتحرك في ضوء أولويات المواجهة مع إسرائيل دعما للقضية الفلسطينية، وعلى رغم التهدئة في غزة التي يصاحبها انتهاكات متوالية، تبقى رسالة صنعاء الرئيسة: الاستعداد للجولة القادمة، وهذا ما جعل مواقف الحكومة والوفد التفاوضي أقل انخراطًا في المستجدات الأخيرة المتعلقة بالمحافظات الجنوبية، وما يصاحبها من صراع سعودي إماراتي، عزز من ذلك الموقف المعلن على لسان السيد عبدالملك الحوثي بعيد اعتراف إسرائيل بما يسمى بإقليم أرض الصومال؛ إذ اعتبر أن أي تواجد عسكري للكيان على أرض الصومال سيعني إعلان الحرب من جانب اليمن.
ومع إن هناك تساؤلات كثيرة مطروحة بشأن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، والموقف من القضية الجنوبية، واستمرار إغلاق مطار صنعاء الدولي، وغير ذلك، إلا أن ثمة غموضًا في موقف حكومة التغيير والبناء تجاه هذه الملفات، التي لا يمكن فصلها عن أية مفاوضات مع الطرف السعودي، الذي ما يزال يحكم قبضته بشأن كثير من هذه القضايا، بل ويضع حاجزًا كبيرًا أمام اعتراف العالم بصنعاء، ويحول دون التعامل السياسي والدبلوماسي معها.
في ضوء ذلك يمكن القول: إن ثمة خيارين رئيسين يمكن لصنعاء أن توازن بينهما في ضوء المصلحة الوطنية، على المدى المنظور أو الاستراتيجي.
الأول: سيناريو التصعيد وتحريك المياه الراكدة:
المقصود هنا التصعيد السياسي والإعلامي، والاستفادة من وضعية الارتباك التي تعيشها الرياض، والضغط عليها للانتقال من خفض التهدئة إلى إيقاف الحرب كما جاء في كلمة الرئيس مهدي المشاط في 14 أكتوبر 2025، وهي الدعوة التي تجاهلتها الرياض (على الأقل في خطابها الرسمي).
وهذا التصعيد يعني إعادة طرح الاستحقاقات الإنسانية للشعب اليمني على الطاولة مجددًا، بما في ذلك مرتبات موظفي الدولة، وفتح مطار صنعاء للرحلات الدولية من جديد، وإنجاز اتفاق تبادل الأسرى، والانتقال إلى مفاوضات اقتصادية على غرار مفاوضات تبادل الأسرى، والتحذير في الوقت نفسه من أية خطوات تقدم عليها الرياض بشأن الوحدة اليمنية تحت غطاء ما يسمى بالمؤتمر الجنوبي الجنوبي.
ومن شأن سيناريو تحريك المياه الراكدة، أن يخفف من حالة الاحتقان بشأن حالة اللاحرب واللاسلم التي طالت كثيرًا، واستمرار تردي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، بينما غدت اليمن قوة عسكرية مهابة الجانب.
أما سلبيات هذا السيناريو فإنه لا ينطوي على معالجات جذرية للمشكلة اليمنية، وقد يمنح الرياض متنفسًا لتقديم نفسها بأنها الراعي لمختلف الحلول في اليمن شمالًا وجنوبًا، كما قد يمنحها فرصة استكمال ترتيب أوضاع أدواتها مع الطرف الآخر، وتمكينهم من بعض ” أوراق القوة ” على طاولة مفاوضات الحل السياسي، أو في حالة التصعيد العسكري.
الثاني: سيناريو الغموض الاستراتيجي:
المقصود بهذا السيناريو الاستمرار في حالة المراقبة والمتابعة لمختلف المستجدات، على اعتبار أن المتغيرات الإقليمية كفيلة بتقدير الموقف المناسب حربًا أو سلمًا، ومن ميزات هذا السيناريو أنه يجعل الرياض في حالة ارتباك مستدام، ما دامت صنعاء تفضل الصمت على الكلام.
سلبيات هذا السناريو أنه قد لا ينسجم مع الحالة الشعبية، فهو سيناريو معقد وغير مفهوم إلا للقلة من النخبة، وقد يفتح الباب لتكهنات كثيرة، وما يخفف من وطأة حالة الغموض القائمة أن الأغلبية الشعبية تثق في اختيارات القيادة ممثلة بالسيد عبد الملك الحوثي، وتطمئن إليها، وتدعمها.
كذلك فإن الإمعان في الغموض، وعدم الإجابة الشافية عن التساؤلات المطروحة، يمنح الطرف الآخر فرصة مضافة للتأثير في الجبهة الداخلية، واستقطاب ذوي النفوس المريضة، في الدعاية المضادة، أو العمل الاستخباراتي، وغير ذلك.
- تأتي أهمية هذه المقالة المنشورة بتاريخ 11 فبراير 2026 لأن صاحبتها صحفية مخضرمة، وهي باحثة في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية، وهي كذلك سيدة أعمال وذات خبرة واسعة في هذا المجال، وقد نشرت مؤخرًا كتابًا عن الأمير محمد بن سلمان بعنوان: الرجل الذي أراد أن يكون ملكًا.
المقال متاح على الرابط: https://www.wsj.com/opinion/the-saudi-crown-prince-taps-the-brakes-863192fa ↩︎ - المقال متاح على الرابط:https://www.jewishexponent.com/editorial-saudi-arabias-intolerable-doublespeak ↩︎
- جاءت هذه التصريحات أثناء مشاركة غراهام في مؤتمر موينخ للمناخ 15-2-2026، للمزيد انظر: موقع وطن أونلاين
https://www.watanonline.com/2026/02/15 ↩︎
