منذ أكتوبر 2025 الماضي تصاعد خلاف (تقليدي – قابل للتحديث) على الحدود الإثيوبية الإرتيرية، يتوسع في الداخل الإثيوبي أحيانًا، وأحيانًا على المناطق المتاخمة لإرتيريا مع إقليم تغراي.
هناك أسباب كثيرة لهذا التوتر، ولكن يمكن حصرها في الآتي:
- تداعيات حرب تغراي الأخيرة بين الحكومة الفدرالية في أديس أبابا وحكومة الإقليم على الرغم من الوصول إلى اتفاقية بريتوريا التي تنهار تدريجيًا.
- الطموح الإثيوبي القديم والمستمر ” بالحق في الوصول إلى البحر الأحمر”، وتواصل أديس أبابا إحياء ذلك بالتصريحات المتكررة بضرورة حصولها على منفذ.
- التحشيد العسكري المتبادل على الحدود بين إرتيريا وإثيوبيا.
- السبب الأخير: انعكاسات التطورات الإقليمية والدولية وارتباطها بالقرن الإفريقي (الخلاف السعودي الإماراتي – الاعتراف الإسرائيلي بصوماليالاند دولة “.
افتعال التوتر وتوظيف التطورات الإقليمية والدولية
يمكن قلب هذا الترتيب للحصول على تفسير محدث للتوتر المتصاعد، ويمكن إبقاء الترتيب الحالي، لكننا سنحصل على نتائج متباعدة قليلًا.
إن تفكيك أسباب التوتر هو الطريق الصحيح للحصول على نتائج واقعية، ومن ثَمَّ معرفة قريبة لمستقبل الصراع الطويل في ثلاثة مستويات:
- المستوى الإثيوبي-الإثيوبي وضمن ذلك تغراي.
- المستوى الإثيوبي الإرتيري.
- تمدد التوتر إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
سنتعامل مع الشكل المقلوب لأسباب التوتر؛ لنجعل التطورات الإقليمية والدولية سببًا رئيسًا للتحركات ومؤشرات التصعيد العسكري والسياسي بين إثيوبيا وإرتيريا، وستمتد القائمة لتصل إلى الصومال وجيبوتي استنادا على التطورات المتوقعة.
إن الاستدلال بأن ما تقوم به حكومة آبي أحمد في أديس أبابا من “افتعال للخلافات “؛ بهدف التحشيد العسكري ينطلق من قاعدة يقوم عليها سلوك أديس أبابا منذ 2018، وترتبط باستغلال الظروف المحيطة لتحقيق أهداف استراتيجية ينظر إليها أولويات.
- مشروع سد النهضة (أُنجز هذا المشروع وسط أزمة مصرية وأزمات سودانية).
- التمدد إلى البحر الأحمر (الهدف الحالي للحكومة الإثيوبية).
يعتقد آبي أحمد ومستشاروه وأبرز القيادات في حزبه أن الظروف الحالية وما يتشكل من صراع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي- وأبرزه اعتراف كيان العدو الإسرائيلي بجيب شمال الصومال دولة، وثانيًا الخلاف السعودي الإماراتي- فرصة لا يمكن تفويتها دون مكاسب ترتبط بالوصول إلى البحر الأحمر.
من هنا -وهو المرجح- فإن إثيوبيا تفتعل توترًا على طريقين: الضغط للحصول على ذلك بانتزاع تنازلات من إرتيريا للوصول إلى (عصب) التي تبعد 60 كيلو مترًا عن إثيوبيا، أو الحصول على اتفاقية وصول مع حكومة هرجيسا في صوماليالند لا تعارضها الحكومة الفدرالية في مقديشو دون الاعتراف بأرض الصومال.
تعتقد حكومة أديس أبابا أن التطورات الحالية تساعدها في تركيب ظروف جديدة أمام أسمرة ومقديشو لم تكن موجودة في السابق، يمكنها بدافع الخوف من أي سيناريو آخر مطروح أمام الحكومة الإثيوبية يرتبط بالطريق الثاني.
الطريق الثاني: الميل نحو تحالف إسرائيلي إماراتي يعمل نحو تصعيد عسكري وأمني واستراتيجي، ويعتقد التحالف أن تصلب أسياسي أفورقي سيؤدي إلى الإطاحة بنظامه ضمن مشروع جيوسياسي واسع.
هناك ثلاثة مؤشرات على انتهاج آبي أحمد هذا السلوك:
- التورط في دعم التحالف السريع ضد الجيش السوداني بتنسيق مع الإمارات (معسكرات التدريب وطريق التمويل) لا يمكن نكرانها مع وجود شواهد كثيرة.
- إبقاء التنسيق مع كيان العدو الإسرائيلي مفتوحًا على رغم “إعلان إثيوبيا أنها لن تعترف بأرض الصومال ” ضمن الاتحاد الإفريقي، لكن كانت إثيوبيا نقطة وصول وزير الخارجية لكيان العدو الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا، بالإضافة إلى استقبال رئيس كيان العدو الإسرائيلي الأسبوع الماضي.
- محاولة تموضع أديس أبابا في منطقة مرنة قابلة للتحول – اللقاء مع السعودية واستقبال أردوغان – هذا التموضع ليس سوى عملية تفاوضية للحصول على مكاسب.
خيار عسكري للضغط… تفضيل الطريق السلمي القسري
عندما يوضع السبب الثاني في الأسباب الأخرى بالصورة المقلوبة (التحشيد المتبادل على الحدود بين إرتيريا وإثيوبيا) للتفكيك ستظهر صورة شبه قطعية أن حكومة أديس أبابا تفتعل ذلك، وهذا ما يفسر ضعف الاتهامات لإرتيريا بالتدخل والتوغل في مناطق إثيوبية، وكذلك دعم مجموعة الفانو في أمهرة وجبهات تحرير أورومو، وهو ما نفته أسمرة، ويتطابق ذلك مع منطقية عدم احتياج إرتيريا لذلك، لكنها ستفعل ذلك ردة فعل تجاه التصعيد.
أظهرت إرتيريا خلال الأشهر الماضية مخاوف واسعة من استمرار الاستقطاب والصراع في دول ومنطقة القرن الإفريقي، وأظهرت كذلك ميولًا نحو التحالف المصري الصومالي – تعتقد أنه قابل للتوسع، وقد قادت الأحداث الأخيرة والصراع الإماراتي السعودي إلى أن يحدث ذلك فيتسع؛ ليكون مصريًا سعوديًا تركيًا – مع إيمان أسياسي أفورقي، ومثله الحكومة الصومالية بأنه غير مجدٍ.
الاقتناع بأنه غير مجدٍ في الواقع ليست عملية هامشية؛ إذ إنه مؤشر على إمكانية التحول، وهو سيناريو سأتركه للختام.
ما يقوم به آبي أحمد هو مجازفة يحاول أن تؤدي إلى نتائج استثنائية عملية ضغط، فالحكومة الإثيوبية تفضل الحصول على ما تريد دون حرب ستكون مدمرة.
تغراي – انقسامات الإقليم
بالانتقال إلى التوتر الإثيوبي مع تغراي وسقوط اتفاقية بريتوريا وتداعيات الحرب السابقة فإن إقليم تغراي لا يدفع باتجاه التصعيد في الوقت الحالي تحديدًا؛ نتيجة سقوطه في انقسامات حادة منذ الحرب السابقة، وقد بدأ الخلاف بين ديبريتسيون جبريمايكل وقائد الإدارة الإقليمية السابق غيتاتشيو ريدا، ولا يزال مستمرًا، في وقت تعمل الحكومة الإثيوبية على توسيع خلافات الإقليم المحلية ودفع الإقليم إلى وضع أسوأ.
خلافات الإقليم يضاف إليها انعدام الثقة بين تغراي وأسمرة، والثأر المفتوح بين تغراي وأقاليم إثيوبيا بما في ذلك الجماعات المناهضة لآبي أحمد سواء كان في أمهرة أم أورومو.
يحقق آبي أحمد من ذلك إضعاف الإقليم والدعاية الانتخابية للانتخابات المقبلة.
السيناريوهات المرجحة
منفذ في بربرة وضوء أخضر من مقديشو
الظروف الحالية من منظور إثيوبي مواتية للحصول على منفذ بالحوار والمفاوضات والخيار القسري أمام بربرة بدفع مقديشو إلى عدم الاعتراض على اتفاقية طويلة الأمد بين أديس أبابا وحكومة هرجيسا شريطة عدم الاعتراف، ستقبل حكومة أرض الصومال بذلك بدعم إسرائيلي مرحلة أولى، وهو سيناريو غير جيد بالنسبة لليمن.
منفذ مدني في عصب من دون قاعدة عسكرية
الحصول على منفذ بحري من دون قاعدة عسكرية في عصب الإرتيرية عن طريق اتفاقية طويلة الأمد تحتفظ إرتيريا بحقها السيادي على المنطقة، هذا السيناريو تفضله إثيوبيا، ويمكن أن تدعمه السعودية ومصر في الظروف الحالية لإخراج أديس أبابا من التحالف مع كيان العدو الإسرائيلي، وإن كان ذلك مؤقتًا، هذا السيناريو أفضل بالنسبة لليمن؛ لأنه سيمنع إثيوبيا من الحصول على نفوذ عسكري ويبعدها مؤقتًا عن كيان العدو الإسرائيلي.
استمرار التوتر
استمرار التوتر والبقاء في منطقة مراوحة بين الحرب وتجنبها، في وقت تراقب إثيوبيا تطورات الصراع في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي والتورط بدرجة أوسع ومتدرجة في التصعيد ضمن التحالف الثلاثي – الإثيوبي الإماراتي الإسرائيلي.
التوصيات
التحالف الإثيوبي الإماراتي مع كيان العدو الإسرائيلي لا يزال متوقعًا، وهو يشكل تهديدًا كبيرًا على اليمن، لكنه في المقابل يجمع تحالفات في القرن الإفريقي، ويقود الحكومة الصومالية والنظام في إرتيريا إلى التواصل مع اليمن لمواجهة ما يشكل خطرًا مشتركًا، ومن هنا فإن تعزيز التواصل ودفع أسمرة ومقديشو إلى خيارات تقاوم الاستسلام سيشكل ذلك تحالفًا استراتيجيًا مستقبليًا بصرف النظر عن التغيرات الداخلية وقابليتها.
سيكون متاحًا لصنعاء في حالة ثانوية أن تشجع حصول إثيوبيا على منفذ بحري مدني ومن دون قاعدة عسكرية في عصب الإرتيرية شريطة تقليص إثيوبيا التعاون مع كيان العدو الإسرائيلي ومراقبة ذلك.