وجهة نظر│17 فبراير 2026
تعد فضيحة جزيرة إبستين ثاني أكبر وأخطر فضيحة في التاريخ المعاصر بعد فضيحة التواطؤ العالمي مع جرائم الإبادة الصهيونية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
إذ كشفت فضيحة جزيرة إبستين حجم المخطط الصهيوني الأمريكي الغربي لإدارة العالم عن طريق شبكات جنسية معقدة عابرة للقارات، أوقعت في قبضتها كبار الزعماء والسياسيين ورجال المال والأعمال والأكاديميين، وأرباب الإعلام والفن من مختلف أنحاء العالم.
لم تكن فضائح إبستين الأخلاقية مجرد جرائم جنائية فردية، وإنما جرائم منظمة ومخطط لها من قبل مراكز قوى عالمية، تمتلك شبكات نفوذ دولية قادرة على اختراق أنظمة سياسية ومنظومات مالية وقانونية وقضائية؛ إذ كشفت الوثائق أن جيفري إبستين كان يمتلك شبكات معقدة من الشركات الوهمية القادرة على تجاوز بروتوكولات مكافحة غسيل الأموال والتهرب الضريبي، وإسكات مؤسسات مالية ومصرفية كبرى، وشراء نظام قضائي موازٍ، وامتلاك جيش من المحامين، الذين لم يكتفوا بالدفاع عنه، وإنما اخترقوا أروقة وزارة العدل الأمريكية، وتمكنوا من الحصول على “اتفاق عدم الملاحقة القضائية ” NPA”.
بداية الفضيحة
البداية حدثت في عام 2005م حين تلقت شرطة جنوب فلوريدا الأمريكية شكوى من فتاة تبلغ 14 عامًا، اتهمت الملياردير جيفري إبستين باستغلالها جنسيًا في قصره الفاخر، ثم تبين أن هناك عشرات الفتيات القاصرات معظمهن من فئات فقيرة، قام جيفري إبستين باستغلالهن جنسيًا، وإجبارهن على تجنيد غيرهم في شبكات هرمية منظمة.
لكن إبستين تمكن في عام 2008م من عقد صفقة سرية مع المدعي العام الفيدرالي في جنوب فلوريدا ألكسندر أكوستا “الذي أصبح لاحقًا وزير العمل في ولاية ترامب الأولى”؛ إذ اعترف إبستين بجريمتين بسيطتين فقط، وحصل على عقوبة سجن رمزية مدة 13 شهرًا في سجن محلي مع إمكانية الخروج يوميًا للعمل، واتفاق بعدم ملاحقته وشركائه من أي تهم فيدرالية مستقبلية.
وعقب ثمان سنوات من هذا الاتفاق السري جرى ترشيح المدعي العام ألكسندر أكوستا وزيرًا للعمل في عهد ترامب (الولاية الأولى)، وحينها بدأت وسائل الإعلام تفتش في تاريخ الرجل، حتى تمكنت من التقاط خيوط العلاقة بين ألكسندر وإبستين، والكشف عن عشرات الضحايا من الفتيات القاصرات، وانتشرت القصة على وسائل التواصل الاجتماعي، واضطرت السلطات الفيدرالية في نيويورك إلى إعادة فتح التحقيق، وجرى اعتقال جيفري إبستين عام 2019 بتهم الاتجار الجنسي بالفتيات القاصرات، وبعد أشهر من اعتقاله أُعلن عن وفاته داخل السجن إثر قيامه بالانتحار، فيما يؤكد مراقبون أن اللوبي الصهيوأمريكي قرر التخلص من إبستين، حتى لا تتكشف جميع تفاصيل الشبكات المعقدة.
وفي 30 يناير الماضي نشرت وزارة العدل الأمريكية ثلاثة ملايين صفحة و180 ألف صورة وألفي مقطع فيديو، تتعلق بوثائق وفضائح جزيرة إبستين، المؤكدة بالشهادات والصور والمقاطع ورسائل البريد الإلكتروني وسجلات الرحلات الجوية، وغيرها من المواد التي أماطت اللثام عن آلاف من أسماء شخصيات سياسية واقتصادية نافذة على مستوى العالم.
من بين الأسماء التي وردت في وثائق إبستين رؤساء أمريكيون، مثل بيل كلينتون وجورج بوش الأب ودونالد ترامب، والأمير أندرو (نجل ملكة بريطانيا) ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ورئيس فرنسا “ماكرون”، ورئيس معهد العالم العربي في فرنسا “جاك لانغ”، الذي قدم استقالته من منصبه، إضافة إلى ولية عهد النرويج الأميرة “ميتا ماريت”، وعضو مجلس اللوردات والسفير البريطاني السابق لدى واشنطن “بيتر ماندلسون” الذي قدم استقالته أيضًا من حزب العمال، وسفيرة النرويج في الأردن والعراق، التي اضطرت لتقديم استقالتها، ومسؤولين أوربيين بارزين، والملياردير الإماراتي سلطان أحمد بن سليم رئيس شركة موانئ دبي العالمية، الذي ظهر في صورة برفقة إبستين مع قطعة من كسوة الكعبة المشرفة، وما زالت الأسماء تتكشف يومًا عن يوم، في ظل استمرار عملية البحث في ثنايا ثلاثة ملايين وثيقة جرى رفع الغطاء السري عنها، وما زالت وزارة العدل الأمريكية تحجب أكثر من 2.5 مليون وثيقة، بحسب تأكيدات نواب في الحزب الديمقراطي الأمريكي.
كما ذكرت وثائق إبستين الملياردير “إيلون ماسك” مؤسس شركة تسلا وموقع (×) و”سيرجي برين” مؤسس قوقل، و”ريد هوفمان” مؤسس «لينكد إن» و”بيتر ثيل” ومؤسس «باي بال» PayPal و«بالانتير» ورجل الأعمال الشهير بيل غيتس “مؤسس شركة مايكروسوفت” الذي كان من أبرز مرتادي جزيرة إبستين، ولعل هذا ما يفسر الدور القذر الذي قدمته شركة مايكروسوفت في حرب الإبادة الصهيونية بحق المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة.
ومن هنا يتضح جليًا أن إبستين لم يكن تاجرًا في الجنس فحسب، بل أيضًا تاجرًا في المعلومات وجامعًا للأسرار التي تُعد عملة نادرة في عالم النفوذ والسلطة يمكن استخدامها للتأثير أو الابتزاز.
دوافع وأهداف نشر وثائق إبستين
الهدف المعلن لنشر هذه الوثائق هو تحقيق الشفافية والعدالة للضحايا، كما ينص على ذلك “قانون شفافية ملفات إبستين”، لكن ثمة أهدافًا حقيقية غير معلنة تقف وراء نشر هذه الوثائق بهذه الطريقة الصادمة وفي هذا التوقيت الزمني الذي يشهد احتدام الصراع السياسي، سواء في الداخل الأمريكي بين الجمهوريين والديمقراطيين، أم الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا…، فكل طرف يسعى إلى توريط وفضح الطرف الآخر، ضمن معادلة تصفية الحسابات داخل النخبة الأمريكية والأوروبية.
من يقف وراء النشر؟
ثمة فرضيات متعددة لتحديد الجهة المسؤولة عن نشر وثائق إبستين، وهي:
الفرضية الأولى: ضغط شعبي وسياسي متزايد من قبل منظمات حقوقية وأعضاء في الكونغرس الأمريكي من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهذه أضعف الفرضيات على رغم دورها المهم في ذلك.
الفرضية الثانية: تذهب باتجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وقع على قانون “شفافية ملفات إبستين”؛ بهدف الضغط على خصومه الديمقراطيين، ظنًا منه أن الضرر السياسي الذي سيلحق بخصومه الديمقراطيين سيكون أكثر من الضرر الذي قد يلحق به شخصيًا، ولذلك يسعى ترامب إلى تشتيت الانتباه عن ذاته المتورطة، عن طريق قاعدة “الكل متورط”، لاسيما النخب الأمريكية السابقة لترامب، وهو ما يخدم قاعدته الانتخابية التي تشعر بالاستياء من هذه النخب.
وعلى رغم ذلك تظل هذه الفرضية ضعيفة؛ لأن ترامب كان من أبرز الأصدقاء المقربين لجيفري إبستين، بل إنه متهم بالضلوع خلف وفاة إبستين داخل السجن أثناء الولاية الأولى لترامب، بحسب اتهامات مارك إبستين شقيق جيفري إبستين.
الفرضية الثالثة: نتنياهو واللوبي الصهيوني في أميركا: توجد مؤشرات قوية على وجود صلات بين شبكة إبستين وبين الاستخبارات الصهيونية، الضليعة في جمع مثل معلومات حساسة كهذه؛ بهدف استخدامها للضغط على الإدارات الأمريكية؛ إذ تشير التقارير إلى وجود علاقة وثيقة بين إبستين وشريكته “غيسلين ماكسويل” التي تقضي عقوبة السجن مدة 20 عامًا، وهي ابنة روبرت ماكسويل الذي عمل مع الموساد الإسرائيلي، الذي نقل جثمانه عقب وفاته إلى مقبرة مخصصة لكبار خدام إسرائيل وتقع في جبل الزيتون بالقدس المحتلة.
كما أكدت تقارير نشرتها الصحافة الدولية، تؤكد وجود صلة مباشرة بين إبستين والموساد الإسرائيلي.
ومما يعزز هذه الفرضية، هو أن وثائق إبستين لم تتطرق إلى رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، فيما أشارت الوثائق إلى الخصم اللدود لنتنياهو المتمثل في “إيهود باراك” رئيس وزراء الكيان الأسبق”، الذي قام بزيارات متكررة إلى جزيرة إبستين، وتورط في عدد من الجرائم الأخلاقية.
وكشفت الوثائق أن جيفري إبستين قدَّم تبرعات مالية لجيش الاحتلال الإسرائيلي ولمؤسسات تدعم الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتُظهر الوثائق أن إبستين تبرع في 3 مارس/آذار 2005 بمبلغ 25 ألف دولار لصالح “جمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي”.
كما قدّم 15 ألف دولار لـ”الصندوق القومي اليهودي”، وهي منظمة معروفة بتمويلها للمشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية، إضافة إلى 5 آلاف دولار لمنظمة المجلس القومي للنساء اليهوديات، وما خفي أعظم.
وذكر تقرير للـ “FBI” من مكتب لوس أنجلوس كُتب في أكتوبر 2020 أن مصدر المكتب أصبح “مقتنعًا بأن إبستين كان عميلاً مجنّدًا لصالح الموساد” بحسب صحيفة “التايمز” البريطانية.
ومما يؤكد صهيونية جيفري إبستين ظهور وثيقة له تتحدث عن سيناريو متخيل عن إبادة العرب بحلول عام 2032م.
ويرى محللون أن تزامن نشر وثائق إبستين مع التحشيدات العسكرية الأمريكية ضد إيران، يعزز فرضية علاقة اللوبي الصهيوني بوثائق إبستين للضغط على ترامب لضرب إيران.
تداعيات فضائح إبستين
لا شك أن فضائح جزيرة إبستين سوف تنتج تداعيات سلبية على المشهد السياسي الأمريكي وتفاقم حدة الاستقطاب الحزبي بين الديمقراطيين والجمهوريين، لاسيما مع اقتراب الانتخابات النصفية، إضافة إلى تقويض الثقة بين المواطن الأمريكي والنخب الحاكمة.
وعلى الصعيد العالمي فإن وثائق إبستين ستفتح الباب على مصراعيه حول الابتزاز الجيوسياسي، وسلوكيات النخب الخفية الممسكة بزمام الأسرار والمعلومات الحساسة القادرة على تشكيل سياسات دولية جديدة.
كما أن وثائق إبستين كشفت زيف ادِّعاء الغرب الذي ما فتئ يقدم نفسه حارسًا كونيًا أمينًا للقيم والحقوق الإنسانية، ويزعم دعمه للحريات وحماية حقوق الإنسان، ويرفع شعارات خادعة وبراقة على غرار: مكافحة زواج القاصرات ومكافحة تجنيد الأطفال، ثم يتبين أن النخبة الغربية مجرد ذئاب بشرية يغتصبون الفتيات القاصرات والأطفال، بل ويأكلون لحومهم ويتاجرون بأعضائهم.
ولا تنحصر فضائح إبستين على الولايات المتحدة وأوروبا، بل تكشف الوثائق أن إبستين قاد عددًا من العمليات الاقتصادية والسياسية في كل من الخليج العربي والشرق الأوسط، بما فيها سوريا وليبيا والعراق، مرورًا بالصومال والسودان، وصولًا إلى التطهير العرقي للفلسطينيين.
وهذا نزر يسير مما كشفت عنه وثائق إبستين، وما زالت الأيام القادمة حبلى بالمزيد من المفاجآت الكارثية والتداعيات السلبية، لا سيما بعد استدعاء أبرز الشخصيات المذكورة في وثائق إبستين للإدلاء بشهادتهم أمام الكونجرس الأمريكي، وفي المقدمة منهم “غيسلين ماكسويل” الشريكة الرئيسة لإبستين التي تمضي عقوبة السجن لمدة 20 عامًا، ومن المقرر أن تدلي بشهادتها يوم الاثنين، على رغم تصريحها مسبقا بأنها ستلجأ إلى حقها في التزام الصمت.
وكذلك جرى استدعاء الرئيس السابق بيل كلينتون وزوجته هيلاري للإدلاء بشهادتهما الأربعاء، ولكنهما اشترطا أن يكون ذلك في جلسة علنية وليست مغلقة.
ولن يقتصر استجواب الكونجرس على الشخصيات الأميركية، وإنما أيضًا الشخصيات الأوروبية التي وردت أسماؤها في وثائق إبستين.
وهذا قد ينذر بوقوع زلازل سياسية تهدد بنية النخبة الغربية.
ويتوقع محللون أن فضائح “إبستين” قد تكون سببًا في انهيار الولايات المتحدة الأمريكية، مثلما كان “راسبوتين” سببًا في سقوط الإمبراطورية الروسية القيصرية قبل أكثر من قرن.
وقد تغدو المعركة القادمة بين الشعوب الإنسانية المتطلعة للتحرر وبين نخبة شيطانية فاسدة تحكم وتتحكم بالعالم عن طريق ثلاثية ” السلطة والمال والجنس”.
ختامًا: يبدو أن فضائع الإبادة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وفضائح جزيرة إبستين، تتشابهان في الطريقة التي تتماهى فيها المصالح السياسية والاقتصادية لحماية المجرمين وخذلان ضحايا الانتهاكات الإنسانية، وكلتا الحالتين نتيجة مباشرة لفساد عالمي مستطير.