ثقافة النقد في الوعي العربي: من جلد الذات إلى بناء الوعي الوطني (1)

ثقافة النقد في الوعي العربي: من جلد الذات إلى بناء الوعي الوطني (1)

عبدالحافظ معجب*

تشهد الساحة العربية في الآونة الأخيرة موجة متصاعدة من النقد الذاتي اللاذع، الذي كثيراً ما يتجاوز حدوده الموضوعية ليصبح “جلداً للذات” يطغى على الخطاب العام، خصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي.

قلما تمر قضية محلية أو يتخذ قرار رسمي إلا ويقابل بسيل من السخرية والانتقاد، في حين تتجه الأنظار بإعجاب مبالغ فيه نحو كل ما هو غربي أو وافد من خارج الحدود. هذه الظاهرة النفسية والثقافية، التي تجاوزت حدود النقد البناء إلى نمط متأصل في الوعي الجمعي تستدعي تأملاً عميقاً لفهم أسبابها وتأثيراتها على الهوية الوطنية والمجتمع ككل.

من منظور نفسي، لدى الإنسان نزعة طبيعية للتركيز على السلبيات أكثر من الإيجابيات وهو ما يعرف في علم النفس بـ ”التحيز السلبي”، لأن العقل البشري مبرمج منذ القدم على رصد المخاطر والاختلالات بدرجة أكبر من ملاحظة عناصر النجاح. لكن هذا الميل الفطري يتعاظم في ظل تراكم الأزمات وتراجع الأمل، فيتحول إلى حالة جماعية من السخط والتشاؤم.

كما تلعب آليات “الإسقاط النفسي” دوراً محورياً، إذ يقوم الفرد بتفريغ احباطاته الشخصية في نقد المجتمع والدولة، معوضاً عن شعوره بالعجز والفشل الشخصي بعبارات عامة مثل “بلدنا فاشلة”، “لن يتغير وضع بلادنا للأفضل أبداً”، ما يعزز شعور الانكسار الجمعي ويشوه صورة الوطن في مخيلة المواطن.

على الصعيد التاريخي عاش اليمن، عقوداً من الاستبداد السياسي وانتشار الفساد الذي أصبح خلال العهد السابق ثقافة جماعية سائدة وممارسة يومية، ساهمت في ترسيخ شعور الانفصال بين المواطن والدولة، حتى أصبح النقد موجهاً إلى الكيان الوطني بأكمله وليس إلى الممارسات الفردية فقط.

وفي وقتنا الراهن، فإن تداعيات العدوان على اليمن، عمقت الصراعات والانقسامات الداخلية، وشعور العجز وفقدان الثقة بالمؤسسات، فأصبح النقد السلبي هو اللغة السائدة للتعبير عن الألم، ويزيد هذا الإشكال غياب التربية الوطنية الواعية والمناهج التعليمية التي تعلم النقد البناء، فتتعامل الأجيال الناشئة مع التذمر باعتباره دليلا على الوعي، بينما يُنظر إلى التفاؤل أو الإشادة بالإنجازات المحلية على أنها سذاجة أو إنكار للواقع.

يشكل الانبهار بالغرب الوجه الآخر لهذه المعادلة النفسية، إذ يدفع الشعور بالنقص أمام “الآخر المتقدم” البعض إلى تبجيل كل ما هو خارجي وازدراء كل ما هو محلي، مع تجاهل متعمد للإنجازات الذاتية والموارد الفاعلة في المجتمع كمشاريع الاكتفاء الذاتي والأسر المنتجة والتمكين الاقتصادي والمبادرات المجتمعية ومشاريع وحدة التدخلات المركزية الطارئة، والتي حققت إنجازات كبيرة جداً ولكنها لم تأخذ حقها من الاهتمام الإعلامي.

الإعلام الغربي يجيد تسويق حضارته المزورة ومنجزاته الوهمية وإنسانيته الكاذبة، بينما يركز إعلامنا المحلي غالباً على المشكلات والسلبيات ويمنحها حيزاً واسعاً من العرض والتكرار، مما يعزز الصورة النمطية القائلة بأن النجاح حكر على الخارج.

من هنا تتشكل ما تُعرف بـ ”عقدة المستعمَر”، التي تجعل الأفراد أسرى للثقافة الغالبة حتى بعد زوال “الاستعمار” السياسي، فتصبح النظرة إلى الداخل مشوبة بالشك والتردد، ويزداد الإعجاب المبالغ فيه بالثقافة الخارجية والإنجاز الذي يُنسب للمجتمعات الأخرى، وهو في الواقع صورة نمطية لا تمت للحقيقة بصلة.

ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تعميق هذا الميل، إذ تكافئ خوارزمياتها المحتوى الغاضب والمثير على حساب الخطاب الوطني الحريص على المصلحة العامة، فتنتشر السلبية كعدوى عاطفية ويغدو النقد أداة لفت الانتباه أكثر من كونه وسيلة للإصلاح، وهو ما يخلق بيئة رقمية تكرس القطيعة بين أفراد المجتمع الواحد، وتعمق الشرخ بين النُخب والجمهور.

ومع تكرار هذه الحلقة يتشكل وعي جمعي يرى في النقد غاية بحد ذاته ويتحول “جلد الذات” إلى أسلوب حياة، فيصبح التذمر خطاباً مستمراً عن الفشل والضعف والعجز، بينما تختفي الإشادة بالإنجازات المحلية الحكومية والمجتمعية من المشهد، على الرغم من وجود قصص نجاح مهمة وملهمة تستحق التقدير.

لا يعد نقد الذات خطأ جوهرياً، بل هو علامة على وعي متقدم حين يوجه بموضوعية وعدالة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى حالة دائمة من “جلد الذات” تؤدي إلى فقدان الثقة بالقدرة على النهوض، فالمجتمعات لا تتقدم وهي تحتقر نفسها ولا تنهض أمة فقدت الإيمان بقيمتها.

لذلك النقد مطلوب وحتمي، لكن ينبغي أن يقترن دوماً بتقدير كل ما هو جيد وقادر على البناء، وإيمان راسخ بأن هناك عناصر إيجابية عديدة يمكن تعزيزها وتوسيع أثرها، ولدينا نماذج كثيرة من قصص النجاح التي أثرت بشكل إيجابي على الدولة والمجتمع، وهي بمثابة نموذج حي للتوازن بين النقد والبناء.

إذا كانت هذه هي الجذور، فما هي الآثار المدمرة لاستمرار هذه الثقافة على نفسياتنا ووطننا؟ وهل يمكن تحويل هذه الطاقة النقدية من هدم إلى بناء؟ هذا ما سنحلله في وقفة قادمة.

_____________

* كاتب وباحث سياسي

كاتب