تتجاوز القراءة المعاصرة الدور اليمني في المشهد الإقليمي حدود التحليلات العسكرية الجامدة التي تحصر الفعل في مجرد رد فعل على عدوان خارجي، لتنتقل نحو فهم أعمق يتصل بالهوية الإيمانية التي أرسى دعائمها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، إذ مثلت رؤيته القرآنية المنطلق الأساس الذي أعاد صياغة وعي الإنسان اليمني تجاه قضايا أمته الكبرى، فالحقيقة الثابتة في هذا المشروع تؤكد أن معركة الأمة مع قوى الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا وإسرائيل هي معركة واحدة لا تقبل التجزئة، وهذا الإدراك اليمني المبكر لخطورة المشروع الصهيوني هو الذي جعل من اليمن اليوم رقمًا صعبًا في معادلة “وحدة الساحات” التي لم تعد مجرد شعار سياسي بل تحولت إلى واقع ميداني تترجمه الصواريخ والمسيرات التي تجوب البحار لتؤدب المعتدين، ومن هنا ينبثق الموقف اليمني الداعم للجمهورية الإسلامية في إيران بوصفه التزامًا دينيًا وأخلاقيًا ينبع من صميم الآيات التي تأمر بالاعتصام الجماعي في وجه الطاغوت، فاليمن في رؤية الشهيد القائد لا يتحرك من منطلق المصالح السياسية الضيقة وإنما من منطلق المسؤولية الإيمانية التي تحتم عليه أن يكون جزءًا فاعلًا في جبهة الحق، وقد تجلى هذا المسار بوضوح في خطابات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي الذي ارتقى بهذا الموقف ليجعله عقيدة قتالية للجيش والشعب على حد سواء، مؤكدًا في كل مناسبة أن اليمن لن يتردد في خوض غمار أعتى الحروب إذا ما تعرضت أي ركيزة من ركائز محور المقاومة لعدوان غاشم، وبناءً على ذلك فإن حماقة واشنطن أو تل أبيب باستهداف طهران ستواجه ببركان لا يخمد، إذ يرى السيد القائد أن الدفاع عن إيران هو دفاع عن كرامة المسلمين وعن القوة الوحيدة التي كسرت حاجز الخوف والتبعية للغرب، وهذا التلاحم المصيري يضع اليمن في قلب الإعصار لاعبًا إقليميًا يمتلك القدرة على تعطيل الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي وإرباك الحسابات العسكرية كافة للعدو، مما يعني أن الانتقال من مرحلة الردع المحلي إلى الفاعلية الإقليمية قد اكتمل فعلياً، وأصبح اليمن اليد الطولى التي تضمن توازن الرعب في المنطقة، وتحمي ظهر المقاومة في فلسطين ولبنان وطهران، وهذا التحول الاستراتيجي يعكس نضج التجربة السياسية والعسكرية في صنعاء التي استطاعت على رغم الحصار والعدوان أن تبني قوة ضاربة تفرض إرادتها على القوى الدولية العظمى، وتنتزع اعترافًا عالميًا؛ لأنها القوة الأهم في البحر الأحمر والمنطقة.
يتجلى هذا الموقف المبدئي عبر أروقة الدولة اليمنية عبر المجلس السياسي الأعلى وحكومة التغيير والبناء؛ ليعكس تناغمًا فريدًا بين العقيدة القرآنية والقرار السياسي السيادي؛ إذ يبرز المشير مهدي المشاط بوصفه قائدًا للدولة يترجم توجيهات قائد الثورة إلى معادلات سياسية وعسكرية صلبة تضع حدًا لغطرسة الاستكبار العالمي، فالمشاط في تصريحاته وخطاباته الرسمية لم يكتفِ بالتضامن اللفظي مع الجمهورية الإسلامية في إيران بل سبق وأن رسم خطوطًا حمراء واضحة أمام واشنطن وتل أبيب، مؤكدًا أن اليمن سيعمل على التصدي ومواجهة أي مشاركة في العدوان على إيران بكل الطرق المشروعة، وهذا الموقف الرسمي يمثل الركن الأساس في استراتيجية “وحدة الساحات” التي جعلت من جغرافيا اليمن منطلقًا لحماية أمن المنطقة وتطهيرها من الوجود الأجنبي، وفي ذات السياق كانت رؤية الشهيد أحمد الرهوي رئيس الوزراء وخلفه القائم بالأعمال العلامة محمد مفتاح تعضد هذا التوجه عن طريق التأكيد على أن التحالف مع إيران وفلسطين هو تحالف وجودي ومصيري يتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية إلى فضاء الأخوة الإيمانية الصادقة، فقد عمل الشهيد الرهوي على مأسسة هذا الموقف في برامج الحكومة وخططها التنموية والسياسية التي ترفض التبعية وتدعو للتكامل الاقتصادي والعسكري بين دول محور المقاومة، بينما يضيف العلامة مفتاح البعد الشرعي والجهادي الذي يمنح الجماهير اليمنية زخمًا ثوريًا لا ينضب في مواجهة التحديات الكبرى، ولأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو فقد كان للمؤسسة العسكرية اليمنية الدور الأبرز في تحويل هذه المبادئ إلى واقع ملموس يثير رعب قوى العدوان؛ إذ تجسد ذلك في صرامة اللواء الركن محمد ناصر العاطفي وزير الدفاع الذي أعلن مرارًا أن صواريخ اليمن الباليستية ومسيراته المتطورة تمتلك القدرة والمدى للوصول إلى أهداف استراتيجية وحساسة في عمق الكيان الصهيوني وفي القواعد الأمريكية بالمنطقة إسنادًا لأي جبهة تتعرض للعدوان، وهذا التهديد العسكري اليمني يمثل العقيدة القتالية التي صاغها الشهيد اللواء الركن محمد الغماري وطورها رئيس هيئة الأركان اليمني ليجعل من الجيش اليمني قوة ضاربة في محور كسر الهيمنة، إذ يرى رئيس الأركان أن دور اليمن في معركة الإسناد هو دور محوري لا يمكن التنازل عنه مهما بلغت التضحيات، فالجاهزية القتالية العالية والتدريب النوعي الذي يتلقاه الجيش اليمني يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية مقدسات الأمة والدفاع عن حلفاء الحق في إيران وفلسطين ولبنان، وبذلك تكتمل حلقة القوة اليمنية من القيادة الثورية إلى القاعدة الشعبية والمؤسسة العسكرية لتعلن للعالم أجمع أن اليمن أصبح الحارس الأمين لمحور المقاومة واللاعب الذي يغير قواعد اللعبة في ظل التصعيد الإقليمي عقب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على طهران واغتيال مرشد الثورة السيد علي خامنئي.
وعند استقراء السيناريوهات القادمة فإن الرد اليمني لن يقتصر على البيانات السياسية بل سيتجاوزها نحو فعل ميداني يقلب الطاولة على رؤوس المعتدين، فالتحول الاستراتيجي الذي فرضه اليمن عن طريق السيطرة النارية على الممرات المائية الحيوية يمنحه تفوقًا جيوسياسيًا يتيح له خنق الاقتصاد الصهيوني وحلفائه في لحظات حاسمة، حيث يدرك القادة العسكريون في صنعاء وعلى رأسهم اللواء أبو حسين المداني أن الجغرافيا اليمنية هي اليوم منصة متقدمة لمحور المقاومة قادرة على استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة والتحكم في حركة الملاحة الدولية بما يخدم معركة التحرر والاستقلال، وهذا الموقف اليمني الفاعل ينطلق من رؤية الشهيد القائد الذي علم الأمة أن الصرخة في وجه المستكبرين يجب أن تتبعها خطوات عملية تكسر قيود الهيمنة، فاليمن اليوم لا يدافع عن إيران كدولة فحسب بل يدافع عن المشروع الإسلامي المقاوم الذي يمثل الأمل الوحيد للشعوب المستضعفة في مواجهة الغطرسة الغربية، ومن هنا فإن اليمن قد انتقل فعلياً من مرحلة الدفاع عن الذات إلى مرحلة اللاعب الإقليمي المؤثر الذي يمتلك زمام المبادرة ويفرض شروطه على القوى الكبرى، فالعقيدة القتالية اليمنية التي صقلتها سنوات الصمود والمواجهة باتت اليوم أكثر نضجاً وصلابة وقدرة على التكيف مع المتغيرات العسكرية كافة والتقنية، مما يجعل من صنعاء ركيزة أساسية في بناء نظام إقليمي ودولي جديد، ينهي عهد القطب الواحد ويؤسس لزمن الشعوب الحرة، فالدور اليمني في محور كسر الهيمنة هو دور وجودي لا رجعة عنه، وهو جزء من وعد الله الذي بشر به عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في مواجهة قوى الشرك والاستكبار، وهكذا يظل اليمن بقيادته الثورية ومؤسساته الرسمية وجيشه الباسل الحصن الحصين للأمة، والذراع التي تضرب بقوة كل من تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار محور المقاومة من طهران إلى لبنان وفلسطين؛ ليثبت التاريخ أن اليمنيين هم أولو القوة وأولو البأس الشديد الذين غيروا مجرى الأحداث وصنعوا بدمائهم وتضحياتهم فجرًا جديدًا للأمة الإسلامية؛ لتظل صرختهم ومواقفهم المبدئية هي البوصلة التي تهتدي بها الأجيال نحو التحرر والسيادة والكرامة الإنسانية في ظل الثوابت القرآنية العظيمة التي لا تحيد عنها القيادة.