المأزق الأمريكي «الإسرائيلي» في مواجهة إيران: بين وهم الحسم وكُلفة الحرب

المأزق الأمريكي «الإسرائيلي» في مواجهة إيران: بين وهم الحسم وكُلفة الحرب

المأزق الأمريكي "الإسرائيلي" في مواجهة إيران: بين وهم الحسم وكُلفة الحرب

تتسم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحركات المقاومة في كلٍّ من العراق ولبنان من جهة أخرى، بتعقيدات عسكرية وسياسية بالغة، وتداعيات كارثية على الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

 وعلى رغم الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بدول وحركات المقاومة؛ نظرًا لاعتماد الأمريكي والإسرائيلي سياسة استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية لتحقيق غايات عسكرية، إلا أن هذه الحرب كشفت عن مأزق عسكري واستراتيجي لواشنطن و “تل أبيب” حين ظنتا أن هذه الحرب ستكون مماثلة لحرب الـ 12 يومًا السابقة، في إطارها الزمني ونطاقها الجغرافي.

بيد أن الجمهورية الإسلامية في إيران، فاجأت الجميع، وأثبتت أنها كانت على أتم الاستعداد العسكري والجاهزية القتالية، والتكيف مع مختلف السيناريوهات المحتملة، وقادرة على الصمود، وتحمل حرب طويلة المدى، وهي الحرب التي لا شك أن حسابات أعداء إيران لم تكن تضع خيارات استطالتها في الحسبان، كما أظهر -إلى جانب ذلك- حزب الله في لبنان وفصائل المقاومة العراقية حالة من الجهوزية والإعداد الدقيق للانخراط في سيناريوهات المواجهة الواسعة مع الكيان الإسرائيلي والعدوان الأمريكي على المنطقة.

القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة:

تمتلك إيران قوة ردع فعالة تتمثل في ترسانة ضخمة من الصواريخ النوعية والمتطورة “المجنحة والباليستية الفرط صوتية والانشطارية، بالإضافة إلى أسطول متنامٍ من الطائرات المسيرة المتنوعة، إلى جانب ذلك تمتلك –أيضًا- بنك أهداف واسعة ودقيقة حول أماكن تواجد عناصر الجيش الأمريكي في المنطقة، وكذا المواقع الحساسة والمهمة المستندة إليها آلة الحرب “الإسرائيلية” ضد إيران داخل الأراضي المحتلة.

كما اعتمدت إيران أسلوبًا تكتيكيًا ذكيًا في إطلاق الصواريخ والمسيرات النوعية التي يصعب اعتراضها، وهذا ساعدها ولايزال في استطالة الصمود، والعمل على استنزاف قدرات العدو الذي يستهلك عشرات الصواريخ الباهظة الثمن لاعتراض صاروخ أو مسيّرة إيرانية واحدة.

مضيق هرمز وتفوق الجغرافيا على التكنولوجيا:

سيطرة إيران على مضيق هرمز هو بمقام سلاح استراتيجي قادر على تغيير شكل العالم، بوصفه سلاحًا يستهدف العصب الاقتصادي العالمي، ويخنق “عنق الزجاجة” المالية الدولية، ويفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا، ويجعل من الطاقة سلاحًا عابرًا للقارات؛ إذ يمر منه 20% إلى 30% من إجمالي النفط العالمي، وثلث الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى السلع الأساسية المتجهة إلى النصف الشرقي للكرة الأرضية.

وبمجرد إغلاق “مضيق هرمز” يدخل الاقتصاد العالمي في نفق مظلم، ويشل حركة التجارة الدولية، ويرفع تكاليف التأمين وأسعار الطاقة والسلع الأساسية.

ومن المفارقات أن جميع القوى العالمية الكبرى لن تستطيع تأمين مضيق هرمز حتى باستخدام القوة العسكرية؛ لأن عرضه الملاحي لا يتجاوز 3 كيلومترات في كل اتجاه، إضافة إلى الانتشار والتموضع الإيراني القوي في السواحل الإيرانية المقابلة للمضيق، وهذا يعني أن مرافقة وحماية كل ناقلة تجارية تعبر المضيق هي مهمة شبه مستحيلة تقنيًا، وهنا تتفوق الجغرافيا على التكنولوجيا، ويبقى التدفق الآمن لمنتجات الطاقة مرهونًا بكف يد الحروب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية ضد شعوب ودول المنطقة.

وعلى الرغم من ذلك تؤكد إيران أن قرار إغلاق المضيق مقتصر على السفن الأمريكية والإسرائيلية وحلفاء حربهما، إيران بنفسها عن استفزاز المجتمع الدولي، وذلك وسيلة لرفع تكاليف الحرب، ودفع الدول المصدرة والمستهلكة للطاقة؛ للضغط على أعدائها لإيقاف الحرب أو تحمل تداعياتها على المستوى العالمي.

استهداف المصالح الأمريكية في الخليج:

يتسع يومًا بعد آخر نطاق استهداف المصالح الأمريكية في منطقة الخليج بشكل متصاعد من ضمن ذلك القواعد العسكرية ومقار تمركز القوات وحتى المراكز المالية والاقتصادية التابعة لواشنطن، وهي مجتمعة أهداف مشروعة من وجهة نظر إيران، وحتى من وجهة نظر القانون الدولي بوصفها مراكز استهداف مباشر، وتمويل مالي للحرب الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، على الرغم من مساعي واشنطن إلى جعل عمليات الاستهداف لمصالحها في المنطقة أداة لخلق صراع مباشر بين دول الخليج وإيران، باعتبار أن ذلك استهداف للدول نفسها لا للمصالح الأمريكية.

وتهدف إيران عن طريق عملياتها الواسعة إلى ممارسة حقها الطبيعي في الرد على العدوان الأمريكي عليها، وأيضًا إلى منع تكرار الهجمات الأمريكية عليها مستقبلًا، والتفكير مليًا قبل اتخاذ مثل مغامرة كهذه، محفوفة بمخاطر إقليمية واسعة، لا سيما أن إيران تدرك أن عدم استهدافها قواعد ومصادر التمويل الحربي لأمريكا في دول الخليج وعدم إغلاق مضيق هرمز، في حرب الـ 12 يومًا السابقة التي اندلعت منتصف يونيو 2025م، هو ما أغرى ترامب إلى معاودة وتكرار الهجوم عليها نهاية فبراير الماضي.

دور حزب الله في الحرب:

تتصف العلاقة بين إيران وحلفائها من حركات ودول المقاومة في المنطقة باحترام للقرارات التي تتخذها كل دولة أو حركة لاعتباراتها الذاتية والسياسية في خوض المعركة المحتدمة مع العدوين الإسرائيلي والأمريكي؛ اذ لا تفرض على تلك الجهات ضرورة الانخراط لإسنادها بعيدًا عن مصالحها الداخلية، بيد أن تدخل بعض الجهات -لا سيما عقب استشهاد المرشد الأعلى للثورة في إيران السيد علي خامنئي- كان مدفوعًا إلى جانب ذلك بالاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة والمستمرة منذ 15 شهرًا، كما هو الحال مع المقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله)، وكان رد الحزب استباقيًا، وحمل معه عنصر المفاجئة، ولا نبالغ بالقول: إن القرار الذي اتخذه حزب الله أفشل إلى حد كبير عمليات اعتداء واحتلال واسعة كان الكيان الإسرائيلي قد أعد لها مسبقًا بالتزامن مع الهجوم الجوي الواسع على إيران، إضافة إلى تداعيات ذلك على العراق الذي دفع بدوره –أيضًا- بعض فصائل المقاومة العراقية إلى استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في العراق.

إلى جنب المعطيات السابقة، فإن انخراط حزب الله بهذه المعركة هو خيار تكتيكي يمكن وصفه بالذكي بلا شك؛ لأنه سيدفع -بلا شك- إلى ضمان إشراك الحزب في أي اتفاقات مستقبلية لإيقاف الحرب، والخروج من الضغوط الداخلية و”الإسرائيلية”؛ لتحييد حضور حزب الله وفاعليته على الساحة اللبنانية.

كما أثبت حزب الله أنه -على الصعيد العسكري- ما زال يمتلك قوة عسكرية فاعلة وقادرة على إرباك العدو الإسرائيلي، وهذا بخلاف الادعاءات الإسرائيلية التي تقول: إنها قضت على معظم قدرات الحزب؛ إذ أظهر حزب الله قدرات قتالية جديدة نجحت في إيقاع خسائر وإصابات في صفوف جيش العدو، إضافة إلى إحباط عمليات إنزال “إسرائيلية” في مناطق متفرقة من جنوب وشرق لبنان، ولم يقتصر دور حزب الله في إبقاء الجبهة الشمالية الإسرائيلية تحت رحمة التهديد الصاروخي، بل تجاوز ذلك إلى قصف عشرات الأهداف الدقيقة داخل عمق الكيان المحتل بمئات الصواريخ النوعية والمسيرات الانقضاضية ضمن عملية أطلق عليها اسم “العصف المأكول”.

المأزق الأمريكي «الإسرائيلي»:

تجد الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي نفسيهما في مأزق استراتيجي بالغ التعقيد في مواجهة إيران والمقاومة اللبنانية؛ إذ فشلتا في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب على رغم الكثافة الهجومية والعدوانية واغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وعدد من القيادات المهمة في إيران.

إلا أن إيران أثبتت أنها دولة عصية على السقوط، وأنها قادرة على الصمود مدة زمنية طويلة، وهذا ما لم تستطع تقديره بشكل دقيق القوى المعتدية المتمثلة في أمريكا والكيان الإسرائيلي، وهو ما سينعكس بطبيعته على مستوى الضغوط الداخلية الأمريكية على ترامب، والتداعيات الدولية لهذه الحرب على المستوى الأمني والاقتصادي.

وحين فشلت هذه الحرب في إسقاط النظام في إيران فقد نجحت في إسقاط شعبية ترامب في أوساط الأمريكيين، الذين أوهمهم ترامب بأنها مجرد عملية عسكرية خاطفة على غرار ما حدث في فنزويلا؛ ليتضح بعد ذلك أنها حرب عسكرية إقليمية آخذة في الاتساع والتمدد يومًا بعد يوم، يعلن فيها بشكل متصاعد عن خسائر أمريكية متزايدة في أرواح الجنود وفي الأصول العسكرية المتواجدة في المنطقة الملتهبة من الحرب، وهو ما حاول ترامب في أكثر من مناسبة تخفيف آثاره عن طريق طمأنة الأمريكيين باقتراب موعد نهاية الحرب، مما يعكس حقيقة المأزق الذي يعيشه والمستنقع الذي تورط فيه الجيش الأمريكي.

ولا يبدو الإسرائيلي أقل تأزمًا من الأمريكي وإن أبدى رغبة واستعدادًا في تحمل حرب طويلة كما جاء على لسان رئيس وزراء الكيان نتنياهو، فاتساع المواجهة مع حزب الله على الأرض واستمرار وصول الصواريخ الإيرانية إلى مناطق الأراضي المحتلة كافة، وما تحدثه من دمار وتأثيرات كبيرة، يشير بوضوح إلى تعقيدات متعددة الاتجاهات تحيط بالمحور الأمريكي وحربه غير محسوبة العواقب في المنطقة.

كما أظهر التلاحم الشعبي الإيراني مع قيادته حالة من التداعيات العكسية للحرب العدوانية على إيران؛ إذ إنه حتى المعارضون سياسات النظام لم يستجيبوا للتحريضات الأمريكية والإسرائيلية لاستغلال فرصة الحرب العدوانية والخروج للشوارع والتظاهرات المؤيدة للعدوان على بلادهم، بل أظهروا تمسكًا كبيرًا بجيشهم وقيادتهم في مواجهة العدوان، ووضع الخلافات جانبًا في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ إيران والمنطقة.

الخلاصة:

تدرك الجمهورية الإسلامية في إيران جيدًا أنها تخوض حربًا وجودية وليست مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، ولهذا ليس أمامها سوى الصمود من أجل البقاء والخروج بصورة نصر قوية تفشل المشاريع الأمريكية والإسرائيلية لتغيير شكل المنطقة وخيارات شعوبها.

وعلى رغم الكلفة المادية والبشرية الكبيرة لهذه الحرب، إلا أن إيران حتى الآن نجحت في الصمود والتكيف وتغيير معادلات القوة، واستنزاف الصبر الأمريكي وإجبار المعتدين على إعادة تقييم حساباتهم العسكرية والاقتصادية، لا سيما أمريكا التي تسعى قيادات واشنطن إلى تخفيف تداعيات فشلها العسكري في إيران أمام الداخل الأمريكي والضغوط الاقتصادية الناجمة عنها تجاه الدول الحليفة لا سيما الدول الأوروبية.

في المقابل تستفيد إيران من عامل الوقت، وتستغل ظروف الحرب الراهنة لترسيخ شرعية القيادة الجديدة، وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، والقضاء على الأدوات المحلية التابعة للخارج.

وطالما ظلت الجبهة الداخلية الإيرانية متماسكة فإن عامل الوقت يميل لصالح إيران ضد “إسرائيل” وأمريكا، وتحديدًا ترامب، الذي يخشى من الحروب الطويلة وتداعياتها الاقتصادية والسياسية على مستقبله الانتخابي.

ولذلك ليس أمامه سوى البحث عن مخرج طوارئ يحفظ له ماء الوجه، وتجنب انزلاق المنطقة إلى انفجار إقليمي أوسع، قد تنخرط فيه أطراف دولية أخرى، ومن ثَمَّ سيؤدي إلى عواقب كارثية على الجميع، ويغير من خريطة الشرق الأوسط بشكل جذري، ولكن لن يكون هذه المرة وفق الرغبة الأمريكية والإسرائيلية.