تجري الاستعدادات في العاصمة السودانية الخرطوم لانطلاق الحوار السوداني-السوداني الذي دعا إليه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في شهر أغسطس الماضي، وذلك في محاولة لإسكات صوت المدافع وإطفاء نيران القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والتي ظلت مشتعلة منذ أكثر من ثلاث سنوات واعتبرتها المنظمات الدولية كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.. ففيما تقدر هذه المنظمات أن عدد ضحايا الحرب يتراوح ما بين ١٥ ألفاً إلى أكثر من ٢٠ ألف قتيل، تشير تقديرات أخرى لجهات دولية وصول عدد الضحايا لنحو مائة وخمسين ألف شخص، كما تشير إلى أن هناك نحو ١٣ مليون شخص موزعين بين نازحين داخلياً ولاجئين في الدول المجاورة.. أما الخسائر الأولية لتدمير البنية التحتية والاقتصادية فتشير التقديرات الرسمية الحكومية إلى أنها بلغت نحو ٧٧١ مليار دولار.
هذه الأرقام غير المسبوقة جعلت البعض يتساءلون: هل يمكن في ظل الحرب المدمرة أن يبدأ حوار سياسي شامل بينما ما تزال المدافع تدوي، وهل يمكن أن يكون الحوار مستقلا في ظل الانقسام العسكري والجغرافي الذي يعيشه السودان؟!
ويرى هؤلاء أن السودانيين عقدوا حوارات عديدة لكن معظمها لم تنجح في معالجة جذور الأزمة ولم تمنع البلاد من الوصول إلى ما هي عليه اليوم. ففي يناير ٢٠١٤ دعا الرئيس السابق عمر البشير إلى حوار وطني شامل لمعالجة أزمات البلاد، والتوصل إلى توافق سياسي غير أن قوى سياسية ومسلحة رئيسية رفضت المشاركة أو قاطعت الحوار معتبرة أن المناخ السياسي لم يكن مناسباً لحوار حقيقي.
وفي خضم هذا التباين بين مؤيد ومعارض للحوار الذي غايته إنهاء الحرب، طرح الرئيس البرهان رؤيته لوضع نهاية للحرب داعياً إلى تسوية تنطلق من الداخل وتقود إلى وقف دائم لإطلاق النار وحصر السلاح في جيش وطني واحد، وإطلاق حوار سياسي سوداني يفضي إلى دستور وانتخابات مع رفض منح قوات الدعم السريع وضعاً مساوياً للدولة في أية عملية سياسية.
وفي مقال للبرهان نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية في الأيام القليلة الفائتة بعنوان “كيفية إحلال السلام في السودان” قال إن محاولات وقف إطلاق النار التي قادتها أطراف خارجية خلال السنوات الماضية لم تنجح في إنهاء الحرب، معتبراً أن الأولوية الآن يجب أن لا تقتصر على إسكات المدافع مؤقتاً، وإنما ضمان عدم تجدد القتال.. “فقد آن الأوان لوضع نهاية حقيقية ودائمة لهذه الحرب حتى لا تعود البنادق إلى إطلاق النار بمجرد أن ينصرف انتباه العالم عنا”.
وبين البرهان أنه طرح أمام مجلس الأمن خطة لوقف دائم لإطلاق النار، والانتقال إلى حكم يشارك فيه المدنيون، وبإشراف الأمم المتحدة ومساعدتها، تُخلى المناطق المدنية من المقاتلين والأسلحة، بما يفتح طريقاً واضحاً نحو تسوية تسمح للدولة بممارسة سلطتها في أجواء من السلام والاستقرار.
وبعد وقف إطلاق النار، يجب أن يقوم الأمن في البلاد على جيش وطني واحد يخضع للرقابة المدنية، لا على جيوش موازية تتعدد ولاءاتها وتتعدد الجهات التي تمولها وتوجهها.. كما يجب أن تأتي التسوية السياسية عبر حوار سوداني، وأن يكتب السودانيون دستورهم المقبل بأيديهم، لا أن يُصاغ لهم في عواصم الخارج.. ومن شأن انتخابات حرة ونزيهة وتحت رقابة دولية، يعقبها انتقال سلس للسلطة، أن تعيد القرار إلى الشعب.
والسؤال الأهم الآن، إلى أي مدى يمكن أن يحقق الحوار المقرر قريباً النجاح المأمول، والذي يمكن أن يفضي إلى إنهاء الحرب، خاصة في ظل تصريحات البرهان وتلميحاته بعدم الاعتراف بالطرف الآخر؟!