ورقات تحليلية┃ 23 فبراير 2026
تمهيد
في الواقع هذه المقاربة اضطرارية، كان المفترض أنها غير موجودة؛ إذ إن جميع قواعد الصراع بمختلف أبعاده تميل بالبديهة إلى اتجاه وحيد، يمثل الخيار العسكري لمواجهة خطط العدو الإسرائيلي، الذي يسعى إلى إيجاد قاعدة عسكرية في البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، بعد الاعتراف بجيب انفصالي شمال الصومال “دولة “.
إن حشد أدلة واستنتاجات لدعم تعريف ما قام به العدو الإسرائيلي – بوصفه تهديدًا وجوديًا وقوميًا ووطنيًا وحيويًا شاملًا- تجاه الصومال واليمن ودول القرن الإفريقي، وصولًا إلى الدول العربية والمنطقة لن يضيف جديدًا؛ لهذا فقد ذهبت إلى البحث عن عوائق وإشكالات الموقف العربي والإسلامي غير الموازي لهذا التهديد، وملامح للتداعيات المستقبلية.
أدى النمط العربي التقليدي في الصراع مع العدو الإسرائيلي دورًا رئيسًا في تشكيل سلوك عدائي “إسرائيلي” تصاعدي لا يتوقف دون الوصول إلى تحقيق الأهداف التي يسعى إلى الحصول عليها، وحين يكون الموقف وردة الفعل لا يوازيان التهديد فهنا تكمن المشكلة، وهو ما يجري في التعامل العربي والإسلامي مع تحرك العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فمع الإدراك أن المخطط الإسرائيلي يشكل تهديدًا كبيرًا، لم تتخطى المواقف العربية والإسلامية حدود التنسيق والتحرك الدبلوماسي مع الحكومة الفدرالية الصومالية في مقديشو، مع التركيز على مسألة (الحفاظ على وحدة الدولة الصومالية)، وليس على اعتبار وجود العدو الإسرائيلي العسكري الهدف الرئيس أنه القضية المركزية.
- تتعمد الدول العربية تجاهل المخاوف.
- يعمل العدو الإسرائيلي على تجاوز التحرك “الدبلوماسي” والتنسيق لدعم الحكومة الفدرالية في مقديشو.
- الإشكالات الداخلية للحكومة الفدرالية الصومالية غير معقدة إذا سعت لردع الجيب الانفصالي.
- وحدة الاتحاد الإفريقي في إدانة الخطوات الإسرائيلية في الصومال لا يعكس موقف الدول الحقيقي.
- الخطوات التالية للعدو الإسرائيلي بعد “الاعتراف ” “بحكومة هرجيسا” تشمل استهداف الدولة المركزية، وتشكيل تحالف في القرن الإفريقي وصناعة نفوذ واسع في البحر الأحمر.
عائق النمط التقليدي العربي في الصراع
ثمة ظواهر وسمات كثيرة تبدو “خاصة” في الطريقة التي يتبعها كيان العدو الإسرائيلي في التعامل تجاه ردود الفعل: العربية – الإقليمية – والدولية – الأممية، تميل في الغالب إلى التجاهل، وأحيانًا الذهاب إلى سلوك حاد من العدائية، ذلك إلى جانب استخدام النفوذ الأمريكي والانحياز الغربي لصالحه في الضغط والتبرير، بحسب طبيعة المواجهة.
إنها سمات عليها الكثير من الأدلة والحالات والنماذج طوال العقود الماضية، وهي مشتركة في كل الاتجاهات السياسية والدينية في التركيبة “الإسرائيلية”.
ماذا إذا أضيف لذلك النمط العربي التقليدي في الصراع الذي يمكن اختصاره في حالتين: غضب وحماس مؤقتان، عدم الانتقال إلى الخطوة التالية.
إنه النمط الأخطر والمسؤول عن تداعيات تحولية ومصيرية، بل كان واحدًا من أهم أبواب الاستعمار، ثم بعد ذلك استمرار الاستعمار، ومرات قليلة ومحدودة في التاريخ حدث عكس ذلك، والتمرد على هذا النمط قاد -على الدوام- إلى ظهور الحركات الثورية والتحررية.
وفي الواقع فإن النمط العربي التقليدي في الصراع الذي انتقل من الجانب الرسمي إلى النخب، وصولًا إلى الجمهور يتطلب بحثًا مستقلًا عن الحالات والتداعيات والنماذج، وضمن ذلك القضية الفلسطينية.
بعد اعتراف العدو الإسرائيلي بإقليم وسط شمال الصومال “صوماليالاند” دولة بأهداف ترتبط بالوجود العسكري بالقرب من باب المندب، المضيق والممر على سواحل البحر الأحمر، كانت تعليقاته بالمجمل على ردود الفعل الرافضة لهذه الخطوة الجريئة (وسأعود لتعريفها لاحقًا) شبه محدودة وباردة، سواء كانت رسمية أم قادمة من مراكز الدراسات الاستراتيجية لقد تعامل معها بسلوكه الذي يعتمد على التجاهل، وثانيًا: بالاستناد إلى إدراكه أن الموقف العربي الرسمي أو الشعبي ينتقل سريعًا من الغضب والحماس المؤقت إلى التعايش، وصولًا إلى النسيان.
نستثني من هذه المقاربة موقف اليمن، المتمثل في الخيار العسكري، والتعليق الإسرائيلي الرسمي وفي المستوى التحليلي الذي أخذ مساحة أوسع على الرغم من تعمد كيان العدو الإسرائيلي أن يكون ذلك شبه مؤطر ومرتبط بالحديث عن محور المقاومة بشكل كامل، وخلال الشهرين الماضيين أضاف العدو الإسرائيلي إلى الاعتراف ما يشير بدقة إلى الاستمرار في الإجراءات اللاحقة.
إن التقييم الدقيق للزيارات المتبادلة بين كيان العدو الإسرائيلي وحكومة هرجيسا على مستويين عاليين في ” العلاقات الدولية”، الزيارة التي قام بها وزير الخارجية في كيان العدو الإسرائيلي جدعون ساعر لعاصمة الجيب الانفصالي، وقابلها رئيس أرض الصومال عبد الرحمن عبد الله بزيارة تل أبيب.
تفسيرات طبيعة التحرك العربي الإسلامي
تتحدد طبيعة الخيارات العربية من التقدير الذي اعتمدته للخطوة الإسرائيلية، وسيجد أي باحث يجري دراسة أو بحث جزئي صعوبة بالغة إذا أراد تعريف الموقف العربي الرسمي، وبالعودة إلى التصريحات الرسمية الصادرة لا تتضمن عبارات يمكن أن تصف الموقف توصيفًا واضحًا، وإنما الاعتماد على العبارات الفضفاضة والواسعة التي تحتمل الكثير من الدلالات، وقد جاء البيان المشترك الوحيد لمجموعة 21 دولة عربية وإسلامية تجاه اعتراف العدو الإسرائيلي بجيب شمال الصومال دولة مبنيًا على “سردية توصيفية ” تركز على مسألة دعم وحدة الدولة الصومالية، وإشارات جزئية إلى الأمن القومي والوطني.
هناك صعوبة كبيرة وشبه منعدمة في القدرة على توصيف الموقف العربي، ومن ثم الإسلامي استنادًا إلى التعريف المعلن رسميًا، ومن ثَمَّ فإن القراءة الواقعية لا بد أن تبدأ من وضع تفسيرات تحليلية ومقاربات تجيب عن السؤال الملح: لماذا كانت المواقف الرسمية العربية بهذا الشكل (خالية من تعريف شامل وواضح)؟
- غياب الإجماع العربي والإسلامي؛ إذ لم تجري الدعوة إلى قمة عربية – الجامعة العربية – وكذلك منظمة التعاون الإسلامي.
- اتجاه مجموعة دول (السعودية ومصر وتركيا وقطر) في تأطير التحرك بهذه المجموعة مع احتمالية توسيع انتقائي قد يحدث لاحقا.
- ربط التحرك بالمساعدة والوقوف مع الحكومة الفدرالية الصومالية.
- الابتعاد عن تصعيد التحرك والاحتكاك المباشر بكيان العدو الإسرائيلي.
إن كل المؤشرات السابقة تفسيرات مفترضة للموقف الرسمي العربي والإسلامي غير الكامل تجاه (قضية اعتراف كيان العدو الإسرائيلي بجيب شمال الصومال دولة) لا تستطيع إلغاء الإدراك العربي والإسلامي -بما في ذلك دول القرن الإفريقي- أن ما يقوم به كيان العدو الإسرائيلي يشكل تهديدًا وجوديًا وحيويًا وطنيًا وقوميًا.
ومن هنا فإن طبيعة التحرك العربي والإسلامي بشأن العدو الإسرائيلي والاعتراف بصوماليالاند تسير لصالح كيان العدو الإسرائيلي، ولا يمكن الاعتماد عليها في مواجهة ما يقوم به كيان العدو الإسرائيلي بالنظر إليه بوصفه تهديدًا وجوديًا.
اليمن… مركزية الخيار العسكري
وبخلاف الدول العربية، كان موقف اليمن من هذا التطور مختلفًا من جميع الجوانب، بدءًا بالتوصيف، وصولًا إلى الخيارات، ولا شك أنه يلتقي تمامًا مع ما أشرنا إليه إدراكًا عربيًا إسلاميًا لا يُعترف به، ومن ثَمَّ فإنه يمكن تعريف موقف اليمن على هذا النحو:
الشق الأول: تُعِد الجمهورية اليمنية اعتراف كيان العدو الإسرائيلي بجيب وسط شمال الصومال باطلًا.
الشق الثاني: أن أي تحرك أو وجود عسكري للعدو الاسرائيلي على أرض الصومال سيكون التعامل معه عسكريًا بوصفه تهديدًا وجوديًا للأمن الوطني والقومي وحالة حرب.
وسواء استندنا إلى إعلان قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أم البيانات الحكومية والمؤسسة التشريعية – مجلس النواب سنجد أن الموقف اليمني لا يفصل إجراءات العدو الإسرائيلي بشأن الصومال عن كل ما يقوم به في المنطقة، ولهذا فإنه تطور وسط مجموعة من التطورات في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويمتد إلى أنه جزء من مشروع يستهدف الشرق الأوسط.
لا يرتبط الموقف اليمني بمسألة انفصال أرض الصومال وجلب العدو الإسرائيلي إلى منطقة منفصلة، وإنما بتحرك العدو الإسرائيلي في المنطقة، ويستوي في ذلك أن تقوم الحكومة الفدرالية في مقديشو بالخطوات نفسها التي قام بها الجيب الانفصالي، ولن تتغير زاوية الرؤية اليمنية للتحرك الإسرائيلي، وسيكون الموقف اليمني بنفس المستوى؛ للاعتبارات الآتية:
الاعتبار العربي استنادًا إلى القضية الفلسطينية
إن إسرائيل كيان احتلالي وتوسعي وعدو للأمة العربية والإسلامية ولدول المنطقة، وأي تعامل معه أو استيعابه سيكون مباشرة مشاركة عملية ضد الشعب الفلسطيني، ومشاركة في استباحة دمه وعرضه وماله ووطنه.
يتوافق ذلك مع الإجماع العربي منذ ما بعد النكبة الفلسطينية، ومع جميع البيانات التي أصدرتها الجامعة العربية منذ تأسيسها، التي تقرر الوقوف مع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني لمواجهة الاحتلال.
يضاف إلى هذا الاعتبار العربي جميع الواجبات العربية تجاه فلسطين وشعبها بوصفها أرضًا عربية تعرضت للاحتلال ومصادرة الحق التاريخي بشكل كامل، بلد تعرض للاستعمار الخارجي المباشر.
الأمن القومي والوطني اليمني والعربي
إن وجود العدو الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي وفي البحر الأحمر بالقرب من باب المندب يشكل تهديدًا وجوديًا وحيويًا لأمن اليمن ودول المنطقة.
وعندما تصنف دولة ما في العالم إجراء معين بأنه تهديد لأمنها القومي فإن أهم الإجراءات المقابلة يجب أن يكون عسكريًا، وإجراء رادع بعد أن كان الغرب قد نسي أن يسمع ردًا عربيًا بهذه اللغة في المنطقة العربية.
أمن البحر الأحمر وباب المندب عملية مشتركة
إن الأمن في منطقة البحر الأحمر وباب المندب عملية مشتركة بين الدول التي تتشارك الممر والمضيق، ومن صور التراجع أن تحتاج دول المنطقة تذكيرها بالحقيقية التاريخية والواقعية، وهي أن الدول المطلة على بحر أو ممر بحري هي المسؤول الفعلي والشرعي والطبيعي عن الأمن وحماية الملاحة الشاملة.
مسؤولية وطنية
إن التسامح مع مثل هذا التهديد والتعامل معه ببرود خيانة وطنية تسقط الشرعية الدينية والقانونية والدستورية لأي حكومة أقسمت على حماية الأمن القومي والوطني أمام أي تهديدات خارجية من دول معادية.
ولعل إسقاط هذه الحالة الشعورية بالمسؤولية جزء من الاستهداف الغربي الليبرالي بطرق غير مباشرة عن طريق تبديلها بما يسمى “الالتزام ” بالتوافقات الإقليمية والدولية، وفي الغالب تطبق مختزلة في الإخلاص للتحالفات، بما في ذلك أن تكون على حساب السيادة الوطنية ومخالفة الرغبة الشعبية، وقد اعتادت الشعوب مع مرور الوقت التوقف عن مراقبة إن كانت الحكومات التي منحت التفويض والشرعيات لتمثيلهم تقوم بدورها المتعلق بسيادة الدولة أو لا.
أدت الأحزاب اليسارية والقومية وبعض الأحزاب ذات المرجعية الشعبية الوطنية في السابق دورًا كبيرًا في تشكل وعي جماهيري شعبي خلال العقود الأخيرة من مواجهة الاستعمار، ثم ما بعد الاستعمار عندما أشعروا شعوبهم أن الحروب والمواجهات التي يخوضونها تحدث جزءًا من المسؤولية الوطنية المفروضة على الحكومة، في المقابل تجد الشعوب نفسها في حالة حماس وطني عالٍ وحيوي، ولا بد من ذلك باعتبار الشعوب ركيزة رئيسة في العملية الدفاعية المشتركة، ولأننا نتابع التهديدات ضد إيران فإن تبني الجمهورية الإسلامية المواجهة دفاعًا عن الشعب الإيراني جزء من المسؤولية، كان ذلك الموقف عنصرًا حاسمًا يبين صلابة الموقف الشعبي الإيراني بما في ذلك الذين يعارضون الجمهورية الإسلامية.
الاعتبار الديني والأخلاقي
إن الوجود العسكري لكيان العدو الإسرائيلي في أرض الصومال خطوة أولى نحو استهداف اليمن، وتلك مسألة يعلنها العدو الإسرائيلي مدفوعًا بحالة انتقامية.
ومن ثَمَّ ستكون اليمن من زاوية دينية في حالة دفاعية مفروضة، وليس هناك خيار آخر إذا فسرت الآيات القرءانية التي تشرح المعركة والمواجهة، وتحذر من التولي يوم الزحف وعواقبه، يتوجب أن تكون مقاربتها مقاربة عصرية حديثة وفقًا لمفاهيم الحرب بالمقاييس المعاصرة للحرب، فانتقال العدو الإسرائيلي للتموضع في منطقة البحر الأحمر خطوة عسكرية حربية لا يمكن مقابلتها بالتراجع أو بالمرونة.
إشكالات الداخل الصومالي
التأثر بالحالة العربية:
يدخل الصومال رسميًا ضمن حالة (السقف المنخفض) في التعامل مع ما يقوم به العدو الإسرائيلي وخطواته مع الجيب الانفصالي شمال البلاد، وكان لافتًا أن الرئيس الصومالي حسن محمود أشار في أكثر من مقابلة تلفزيونية الشهر الماضي إلى أنه كان على علم بتحرك العدو الإسرائيلي وبعض التنسيقات التي قامت بها حكومة هرجيسا؛ ذلك يعني أمرًا واحدًا أن الحكومة الفدرالية لم تتعامل بمسؤولية كافية تجاه مثل هذا التواصل قبل أن يصل العدو الإسرائيلي إلى الخطوات الأخيرة المرتبطة بمسألة الاعتراف “بأرض الصومال “.
من الواضح أن مقديشو ذهبت نحو المسار القانوني والدستوري قبل الانتقال إلى التنسيق مع الدول العربية والإسلامية على غرار السعودية ومصر وتركيا- وهو مطلوب- بالإضافة إلى معاقبة الإمارات بإلغاء الاتفاقات الموقعة معها أو مع الأقاليم: أرض الصومال – بونتلاند – بينها إدارة الموانئ – بربرة- بوصاصو، ولكن كل ما قامت به الحكومة الفدرالية في مقديشو ليس كافيًا، وتستطيع أن تخرج من القيود التي تضعها ما يمكن اعتبارها الدول الحليفة؛ إذ إنها ليست من لوازم استمرار التحالف.
تدرك مقديشو أن الوقت لا يكون لصالحها في هذه المعركة تحديدًا، فما سيقوم العدو الإسرائيلي مبني على تجاوز الرفض الرسمي الحكومي والسخط الشعبي الصومالي، وسيسرع بالخطوات التي تحتاجها هرجيسا لمواجهة الرفض الداخلي، لاحقًا ستوضع مقديشو على أكثر من خطوة قام بها العدو الإسرائيلي بما في ذلك إمكانية دفع دول حتى ولو كانت هامشية للقيام بالاعتراف بالجيب الانفصالي (سأذكر لاحقا الخطوات التالية التي من الممكن أن يقوم بها العدو الإسرائيلي).
إهمال توظيف السخط الشعبي:
لقد أظهر الشعب الصومالي بقبائله ونخبه الدينية في جميع الأقاليم إجماعهم في مواجهة ما تقوم به حكومة هرجيسا، هذا الإجماع وسط الخلافات السياسية الداخلية ” التقليدية ” مثَّل فرصة استثنائية لقيام الحكومة الفدرالية بخطوات تصعيدية ضد الجيب المنفصل، ليس بالضرورة أن تكون عسكرية؛ إذ يمكن أن تتمحور حول تثمير الإجماع الوطني الصومالي، وتحويله إلى أداة ضغط على الانفصاليين.
التهديد الإثيوبي:
عدم اختيار أديس أبابا الاعتراف بالجيب الصومالي الانفصالي على الطريقة التي قام بها العدو الإسرائيلي له اعتبارات متداخلة، بينها المخاوف من أن تنتقل العدوى إلى إثيوبيا، وهواجس أخرى جماعية في إفريقيا، والمؤكد أنه ليس من بين الاعتبارات الإثيوبية الحرص على وحدة الصومال واستقراره، على العكس من ذلك تمامًا، فحكومة أبي أحمد تبحث عن التمدد للحصول على منفذ بحري هدفًا استراتيجيًا حيويًا يجري الحديث عنه في إثيوبيا “بوصفه حقًا لا بد منه “، ومن ثَمَّ فإن أديس أبابا ستسعى في وقت قريب إلى إعادة اتفاقية استئجار ميناء وقاعدة عسكرية في “أرض الصومال ” كانت قد صممتها مع حكومة هرجيسا، إلا أنها فشلت لأسباب ارتبطت بتردد حكومة أرض الصومال جراء مخاوف ردود فعل شعبية صومالية رافضة، بينما تسبب الطموح الإثيوبي إلى أزمة مع الحكومة الفدرالية في مقديشو، انتهى فتيل التوتر بعد وساطات تركية، لكنها لم تصل إلى حالة المصالحة، لا ترى إثيوبيا والجيب الانفصالي ضرورة اعتراف الحكومة الإثيوبية، وستبقى تلك خطوة مؤجلة، هذا التطور الذي لن يتأخر سيشكل تحديًا جديدًا وكبيرًا للصومال.
التجاذبات السياسية جراء التعديلات على الدستور الانتقالي:
خلال الأيام الماضية وحتى هذه الأثناء ظهرت تباينات “لا بأس بها ” في رؤية الأطراف السياسية الفاعلة للتعديلات على الدستور الانتقالي، وهي مقدمة ربما لخلافات مستمرة حتى مع حسم الملف الأعقد حول الاستمرار بالنظام البرلماني بعد أن كان مطروحًا التحول إلى الرئاسي، والذهاب إلى هذه الخطوة في هذا التوقيت لم يكن مثاليًا، مع ذلك لن يشكل حتى الآن تأثيرًا في مواجهة الحكومة الصومالية التهديد المرتبط بالعدو الإسرائيلي، ولكنه لا يخلو من المخاطر إذا لم تُحسم الخلافات في وقت غير طويل من الآن.
إشكالات إفريقية
إذا تمت محاصرة الموقف الجماعي الإفريقي من اعتراف كيان العدو الإسرائيلي بالجيب الانفصالي شمال الصومال، فيمكن منح اتحاد الدول الإفريقية درجة متوسطة؛ إذ اعتبر الاتحاد الخطوة باطلة، وأدانوا الإجراء الإسرائيلي بوصفه يستهدف وحدة الصومال، وجددوا الموقف مرة أخرى خلال القمة الـ39 التي عقدت في أديس أبابا في الأيام الماضية.
الإشكالات تظهر حين تكون مراقبة مواقف الدول بعيدة عن اتحاد الدول الإفريقية بما في ذلك تحركات عاصمة الاتحاد ” أديس أبابا “، وقد أشرت إلى ذلك سابقًا، أضيف في هذه الحالة الجديدة أن حكومة أبي أحمد، وخلافًا للموقف الرسمي سمحت لوزير خارجية كيان العدو الإسرائيلي جدعون ساعر الانتقال عن طريقها إلى هرجيسا في أول زيارة له، وضمن دعم تعزيز التحرك الإسرائيلي.
يتناقض ذلك مع التزامٍ بموقف الاتحاد، يضع الخرق علامات استفهام كثيرة حول جدية العمل الإفريقي الجماعي وحجم تفضيل دول إفريقية اختيار مصالحها “المفترضة ” المنفردة، وتنسحب الأسئلة حول الموقف من الأزمة في السودان والتدخلات الخارجية فيها.
ومرة أخرى إثيوبيا جزء من توسيع الخلاف مع الخرطوم بدعم من الإمارات؛ إذ تتعاون أديس أبابا في تدريب واحتضان مقاتلين وإرسالهم إلى قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى الوضع الحالي لدول القرن الإفريقي وما يشهده من انقسامات وخلافات وتوتر بين الجيران، والملاحظ أن إثيوبيا طرف في كل أزمة، فإن تعويل الصومال على الجهد المتوقع من الاتحاد الإفريقي لن يكون كبيرًا ولا مجديًا.
الخطوات التالية “إسرائيليا”
موطئ قدم بالقرب من باب المندب في البحر الأحمر، وقاعدة عسكرية، هدف استراتيجي بالنسبة للعدو الإسرائيلي، وهو طموح قديم، وعندما لم يتمكن اعتمد على التحالف التقليدي الأمريكي الأوروبي وبعض العربي وبعض الإفريقي.
الانتقال إلى التنفيذ الذي بدأ بالاعتراف بالجيب الصومالي يمنح العدو الإسرائيلي خطوات للحصول على ثلاثة أهداف:
- تحقيق طموح استراتيجي بحري لأول مرة في هذه المنطقة بعد وصوله إلى إيلات، وحصوله على منفذ وبوابة جنوبية نحو شرق الكرة الأرضية.
- الاقتراب من اليمن لتهديده، وتجاوز بعض التعقيدات في المعركة التي بدأت منذ طوقان الأقصى وإسناد اليمن لغزة.
- التأثير المباشر في الحركة الملاحية، بما في ذلك سلاسل التوريد والتصدير التجارية بما يشكل ضغطًا واسعًا وتهديدًا حيويًا على دول عربية ومجموعة دول حوض النيل.
وبما أن هذه الأهداف استراتيجية وتمنحه قوة إضافية ونفوذًا وتأثيرًا واسعًا فإن مسألة تأمين ذلك ستكون مهمة أكثر تعقيدًا، ولكنها في المقابل أكثر تهديدًا.
إن المخطط التالي لكيان العدو الإسرائيلي لتثبيت وجوده في البحر الأحمر يقوم على أساسين رئيسين:
تهديد الحكومة الفدرالية ومركز القرار
من البديهي أن يدرك كيان العدو الإسرائيلي أن وجوده في جيب انفصالي شمال الصومال مهدد بالسقوط أو الحصار والتأثير، وهذا يعني إسقاط مشروعه، ذلك يحدد معركة مختلفة مع مركز الدولة الصومالية في مقديشو لتأكيد الحفاظ على هرجيسا، ولاحقا توسيع نفوذها بما في ذلك السيطرة على الأقاليم والمناطق التي انسحبت منها، إن إسقاط الدولة الصومالية سيصبح هدفًا يتوسع تدريجيًا.
بناء تحالف في القرن الإفريقي
وبالتوازي مع المشروع السابق فإن مخطط صناعة تحالف في القرن الإفريقي مع كيان العدو الإسرائيلي شبه واضح الآن، وعن طريق العلاقة مع إثيوبيا سيكون لذلك ارتدادات تعيد إلى الذاكرة الاستعمار الأوروبي الغربي لمنطقة القرن الإفريقي، هذا التحالف يشكل خطرًا واسعًا يمتد إلى الدول العربية والمنطقة بشكل كامل.
يضاعف هذا التهديد المستقبلي شبه الحتمي (بوصفه مخططًا) الأدلة القطيعة التي تؤكد أن وجود العدو الإسرائيلي في أي منطقة على البحر الأحمر تهديد وجودي لا يمكن ردعه وإزالته دون تحرك يرتبط بالاستعداد للحرب وفرضها حربًا دفاعية.
إن السيناريو المرجح يمكن تقسيمه إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى
أن يعزز كيان العدو الإسرائيلي بمزيد من الخطوات على غرار الاتفاقيات التجارية والتمثيل ” الدبلوماسي ” مع تجاهل التحركات التي تقوم بها الحكومة الفدرالية في مقديشو، وضمنها التحالفات السعودية المصرية التركية.
المرحلة الثانية
الانتقال إلى ترتيب الوجود العسكري في الجيب الصومالي بالتوازي مع دفع إثيوبيا للحصول على وجود وامتداد على البحر الأحمر عن طريق دعم اتفاقية “استئجار طويل المدى “من حكومة هرجيسا دون الحاجة إلى اعتراف أديس أبابا بأرض الصومال دولة بالطريقة التي قام بها العدو الإسرائيلي.
