تمهيد:
بعيدًا عن الدعاية والاستعراض والتصريحات المرتفعة الاضطرارية لإدراة ترامب لمواجهة أكثر من “جبهة”: الداخل الأمريكي المعارض للحرب، الأوروبيين، الرأي العام، الإعلام الساخر، وحتى الواقعية التي لا تستجيب لسردية النصر، تركز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريقة الممكنة للخروج من الحرب في إيران دون تحقيق الأهداف، لا أعمل في هذه الورقة على معرفة الأهداف؛ إذ إن ذلك يحتاج إلى دراسة مستقلة لكني أعمل على السيناريو الممكن، المتوافر، شبه القسري.
لا يمكن الاعتماد كذلك على تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن “الخروج من إيران خلال أسبوعين إلى ثلاثة” على رغم أنها مؤشر على انعدام الخيارات، بدلًا من ذلك يتوجب الاعتماد على مقاربة مستندة إلى وقائع.
وقائع تعطل الاستعراض:
استمرار الحرب حتى الآن من دون رؤية -أفق أمريكي إسرائيلي- سوى مواصلة الهجمات ومع رؤية أهداف واضحة للجمهورية الإسلامية في إيران، تتجاوز الحفاظ على بقاء النظام إلى تحقيق تحول طويل الأمد، يرسم تصورًا مفترضًا وطبيعيًا للكيفية التي ستنتهي بها الحرب، وهذا يلخص المعادلة التي تقول: إن الذي بدأ الحرب لن يكون بمقدوره في كل الحالات إيقافها. طبيعة المواجهة تؤدي دورًا رئيسًا في تحديد النهاية، فمثلا يكفي إيران:
- استمرار الصمود (تحمل الألم).
- القدرة على الانتقام والتأثير (الحفاظ على القدرات العسكرية الهجومية).
- تمديد زمن المواجهة وفتح مزيد من الجبهات واستنزاف العدو.
بينما ما تحتاجه الولايات المتحدة الأمريكية مختلف وغير يقيني الحدوث، ولا تملك القدرة على التحكم به، وهو ما يمكن وصفه بانفلات السيطرة، عندما تقول الإدارة الأمريكية: إن الحرب تسير بحسب الجدول الموضوع لها، وقد تكرر ذلك من البيت الأبيض، البنتاغون، الخارجية، ولا تستطيع أن تثبت ذلك واقعيًا، إن انعكاس ذلك يجب أن يتجسد في مسألتين:
- تحقيق الأهداف.
- الزمن الذي تحتاجه المواجهة.
هذان حدان لا يمكن تأكيدهما لمجرد تكرار التصريحات مع وجود سلوك وعمليات تتناقض تمامًا معهما، وهذا تحديدًا ما يشكل النهاية المتوقعة للحرب عن طريق سيناريوهات لم تكن ضمن الجداول ولا التقديرات، وإنما رسمت خلال الحرب وليس قبلها، أي: أن النتائج تتحكم بتحديد النهايات، وقد حدث ذلك في حروب الولايات المتحدة الأمريكية السابقة:
- حرب فيتنام – 1955 – 1973: لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لحرب طويلة، ومن حدد ذلك كان طبيعة القتال الذي اتبعته المقاومة الفيتنامية.
- الحرب على طالبان في أفغانستان 2001- 2021: لا أحد في الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع أن يقول: إن جدول الحرب قد افترض إعادة طالبان بما في ذلك ترامب الأكثر تعليقًا على خروج بايدن عام 2021.
- الحرب على العراق 2003 ونتائجها بما في ذلك ما تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب من استهداف عسكري وملاحقة لوجودها ومصالحها من قبل الحشد الشعبي العراقي.
- تحالف “حماية الإزدهار” العدوان على اليمن في البحر الأحمر لحماية السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر وباب المندب بعد أن أغلقته اليمن؛ إسنادا لغزة، وقد استمرت الحرب في الجولة الأولى طوال عام 2024 خلال إدارة بايدن، والجولة الثانية خلال إدارة ترامب 2025 طوال 55 يومًا دون نتائج، بل انكشف خلالها هشاشة الاعتماد على حاملات الطائرات.
ومن الواضح أن الحرب العدوانية الحالية على الجمهورية الإسلامية تمضي على النظام الخاسر نفسه، والفارق أن وقتها سيكون قياسيًا، لن تتجاوز الحرب 60 يومًا.
ما الذي يحدث الآن بعد شهر من الحرب؟
إن تهديد ترامب المتكرر باستهداف الطاقة في الجمهورية الإسلامية و”الجحيم”، مرورًا بالمهلة التي وضعها حتى الـ6 من أبريل/ نيسان الجاري، وصولًا إلى استخدام الفرقة 82 وسيناريو السيطرة على جزيرة خارك الإيرانية أو مجموعة جزر، وبين ذلك البحث عن مفاوضات وإرسال رسائل عن طريق وسطاء، كل ذلك بجميع النتائج المحتملة من السيناريوهات الثلاثة يكشف السلوك الأمريكي المضطرب للبحث عن خروج مع خسارة أقل، ليس هناك سيناريو آخر في المتناول الآن، بينما قد يرتسم عندما تنفذ الولايات المتحدة الأمريكية أي واحد من السيناريوهات الثلاثة المذكورة.
لا تستطيع إدارة ترامب أن تملأ الفراغات في أسئلة كثيرة حول ما الذي جرى إنجازه في إيران هدفًا استراتيجيًا، طاقم البيت الأبيض يردد ما يقوله ترامب بما في ذلك أنه “جرى تغيير النظام في إيران لثلاث مرات ” من دون أن يسمح لأي تفصيل آخر، لا تزال الحرب تصنع أسئلة جديدة مع مرور الوقت دون أن تنتهي الحرب.
كيف ستخرج الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب؟
هجوم برمائي ورقة ضغط وصورة انتصار:
يوضع الآن سيناريو تنفيذ عملية برمائية وإنزال جوي أمريكي يستهدف جزيرة خارك الإيرانية أو جزرًا أخرى، واستخدامها ورقة ضغط على الجمهورية الإسلامية لفتح مضيق هرمز، ومن ثَمَّ “صورة انتصار” محدود بوابة لخروج الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب، وهي نتيجة مفترضة لدى البيت الأبيض، لكن هل بإمكان هذه القوة – الفرقة 82 المحمولة جوًا – التي وصل منها 2500 وقد يصل إلى 3000 بحسب التصريحات الأمريكية أن تحقق ما يريده ترامب؟
بالإضافة إلى ما قاله رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف: إن إيران تراقب التحركات الأمريكية كافة بما في ذلك القوات المنتشرة، وتستعد لها.
يواجه هذا السيناريو أكثر من تعقيد:
- أن المهام التي تقوم بها الفرقة 82 الأمريكية يفترض أن تكون قصيرة المدى، وتؤسس لوصول قوات إضافية تنفيذ مهام السيطرة
- أن العملية لن تكون مباغتة فإيران استعدت عسكريًا لمثل هذه الخطوة.
- لا يمكن الجزم بنجاح الاقتحام والسيطرة بنسبة تحقق الأهداف.
- عدم استجابة إيران للتعامل مع التطور بوصفه ورقة إجبارية، وبدلًا من ذلك سحب الحرب إلى عملية طويلة.
- تعرض القوات الأمريكية إلى سقوط قتلى وأسرى؛ فتتحول العملية إلى هزيمة للولايات المتحدة الأمريكية.
وبحسب ما نقلته بلومبرغ قال جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في حلف “الناتو”: “إنه قبل الشروع في أي عملية برية، سيتعين على هذه القوات عبور مضيق هرمز والوصول إلى الجزء الشمالي من الخليج؛ إذ ستواجه تحديات تتمثل في الطائرات الإيرانية المسيرة، والصواريخ البالستية، والألغام المزروعة في الممر المائي، وأضاف: “بمجرد تمركز مشاة البحرية قبالة جزيرة خرج، سيحتاجون إلى فرض سيطرة جوية وبحرية مطلقة على نطاق يمتد لمسافة 100 ميل على الأقل حول الجزيرة”.
كما طرح ستافريديس تساؤلات حول مدى النفوذ الاستراتيجي الذي قد تمنحه مثل هذه العملية لواشنطن؛ إذ قال: “إذا كانت الفكرة تكمن في استخدام هذه العملية لاحقًا ورقة مساومة مع طهران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، فليس من الواضح ما إذا كان القادة في النظام الإيراني سيرضخون للتهديد المتمثل في خسارة جزيرة خرج”، بالنتيجة النهائية يحمل هذا السيناريو مخاطر دون أن يتنبأ بأن يكون مجديًا.
التهديد بتدمير الطاقة:
تهديد ترامب المتكرر بضرب الطاقة في إيران إذا لم تنجح “المفاوضات” مع نفي إيران أن هناك مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإنما رسائل متبادلة عن طريق وسطاء، هذا السيناريو لا يمثل بوابة لخروج الولايات المتحدة الأمريكية بل لمزيد من التعقيدات؛ إذ إن إيران هددت بالرد على كل الطاقة في المنطقة، وإن تنفيذ القوات الأمريكية هذا التهديد سيؤدي بالضرورة إلى نتائج معاكسة:
- مبرر لتصعيد إيراني واسع النطاق يشمل الطاقة في المنطقة.
- إغلاق شامل لمضيق هرمز.
- إغلاق جزئي في باب المندب.
- ارتفاع أسعار الوقود.
وفوق ذلك لن يؤدي إلى الاقتراب الأمريكي من الخلاص عن طريق رؤية فوضى شعبية في إيران، لكن ما قد يحدث ولو جزئيًا أن دولًا خليجية على غرار السعودية والإمارات قد تنجر إلى الصراع، وهو احتمال ينطوي على الكثير من المغامرة، وحصول ذلك لن يغير في نتائج الحرب كثيرًا، باستثناء أنه قد يستنزف إيران بعض الوقت، مقابل أن تلحق أضرار واسعة المؤسسات الاقتصادية الاستراتيجية لدول الخليج، ومن ثَمَّ إحداث تدمير كبير في الشراكة الاقتصادية الخليجية الأمريكية بعد إحداث تدمير هائل “للشراكة الأمريكية الخيليجية ” العسكرية التي كانت مفترضة، لقد تراجعت القدرة الأمريكية على “حماية ” الخليج بواسطة القواعد والانتشار العسكري الأمريكي الذي تعرضت لضربات إيرانية تقترب من إخراجها عن الخدمة.
الرسائل الأمريكية…أبواب إيران المغلقة…ليست طاولة مفاوضات:
العودة إلى التفاوض مع إيران، لم تكن موجودة في أجندات الولايات المتحدة الأمريكية عندما قررت العدوان على إيران، إلا في حالة أن تكون عملية استسلام، إن الحديث الأمريكي المتكرر عن عملية تفاوضية تنفيها الجمهورية الإسلامية، وتؤكد أنها تتلقى رسائل من وسطاء إقليميين بين مدة وأخرى، ولا يكون التعامل معها بوصفها عملية تفاوضية؛ إذ إن طهران أغلقت الأبواب بعد الانقلاب الأمريكي لمرتين على طاولة التفاوض، لا يعكس استمرار ترامب وجود عملية تفاوضية مع الكثير من المزاعم حصول ذلك، لكنها سردية تحقيق إنجازات وهمية، مع ذلك ما الذي يمكن انتزاعه أمريكيًا من الجمهورية الإسلامية عن طريق عملية تفاوضية مفترضة طالما الحرب تسير إلى طريق مغلق، ولا يجد البيت الأبيض أي إشارات إيرانية بالاستجابة؟ إن هذا يفسر انتقال ترامب والإدرة الأمريكية من الحديث عن مفاوضات وتقدم “إيجابي” إلى التهديد بضرورة الوصول إلى مفاوضات أو البديل ” الجحيم “، ثم في لحظة ما يقول ترامب: إنه ليس من الضروري الوصول إلى اتفاق مع إيران، ويمكن الخروج من الحرب من دون ذلك.
الخروج من الحرب من دون اتفاق يمثل انسحابًا من طرف واحد خسر الحرب، وهو سيناريو محتمل وتصور سابق، فقد فعل ترامب ذلك في اليمن بعد حرب الـ55 يومًا.
سيكون الانسحاب الأمريكي المحتمل بهذه الطريقة مع حملة دعاية واسعة يجري تكرارها غير قادرة على “إجبار” أي أحد على تصديق هذه – سردية النصر – وهي نسخة غير مصدقة من إدعاء الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة ترامب أنها دمرت البرنامج النووي الإيراني في حرب الـ15 يومًا، يونيو 2015.
عند الانتهاء من تفكيك هذه السيناريوهات المطروحة، ندرك كذلك أنها لم تكن مطروحة قبل بدء العدوان على الجمهورية الإسلامية، وأنها خطط منعكسة عن الفشل الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق أهداف الحرب في الأسابيع الأولى، لقد طُرحت هذه السيناريوهات خلال الحرب.
هذا المسار في الحرب يجعل الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة الأمريكية – حلف شمال الأطلسي، بعض دول الخليج – أكثر ابتعادًا عن الانخراط إلى دوامة من الحرب من دون نتائج وبنتائج عكسية.
هذه ليست حرب أوروبا:
حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يريد مغادرة أوكرانيا، الحرب الروسية الأوروبية المستمرة للعام الرابع 2022- 2026، هذا السبب وحده يكفي لأن يرفض الذهاب نحو المشاركة في الحرب الأمريكية “الإسرائيلية ” على إيران، مع ذلك هناك خلفيات كثيرة ومبررة تقف وراء الرفض وتعزيز خطوات الابتعاد عن المشاركة حتى المحدودة.
مجموعة العوامل والخلفيات التي تمنع حلف شمال الأطلسي من التحرك عسكريًا ومساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على إيران تبدو متداخلة ومتشابكة بصورة يصعب معها العثور على حالة يستطيع (الناتو) منح نفسه تفضيلًا وعدم تفضيل، إن عدم المشاركة طريق إجباري، تنطبق هذه القاعدة إذا نوقش الرفض عسكريًا، وتعمل هذه القاعدة كذلك اقتصاديًا وسياسيًا، ربما لم يسبق أن تظافرت هذه العوامل مع بعض في أية مدة سابقة.
مخاوف عسكرية… يقين بالخسارة:
من هنا ندرك أن عزوف الناتو عن الحرب، وبالأحرى عزوف أوروبا يرتبط بظروف عسكرية واقتصادية وسياسية اجتمعت في توقيت واحد.
الدول الأوروبية، وتحديدًا (الترويكا) بحاجة استراتيجية إلى “إسقاط ” الجمهورية الإسلامية في إيران، وتغيير النظام تشبه ما تحتاجه الولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل الطرفان منذ سقوط حكم الشاه وانتصار الثورة الإسلامية عام 1979 على برامج متعددة لتغيير النظام في إيران، وقد ظهر مرارًا أن المانع من تحقيق ذلك عسكري واقتصادي وبدرجة أقل سياسي:
- طبيعة النظام الإسلامي في إيران.
- تأثير إيران الكبير في منطقة الشرق الأوسط.
- تطور إيران المستقل قوة عسكرية وسياسية مناهضة للهيمنة الغربية.
- تحالفات إيران.
ما يمكن إضافته أن الدول الأوروبية تعتقد أن طهران ساعدت موسكو في الحرب بأوكرانيا، وهي مسألة يجري ربطها بـ” المهددات ” ” للأمن القومي الأوروبي “، في المقابل الجمهورية الإسلامية في إيران لا تفصل بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في جوانب متعددة، من بينها: العداء التاريخي، التحالفات الأوروبية الأمريكية، الأوروبية الإسرائيلية، العقوبات، التبعية الأوروبية لأمريكا، ويمكن إدراج العجز في التصرف باستقلال، انعكس ذلك بشكل واضح عقب خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني – خطة العمل المشتركة.
إن الرفض الأوروبي للانخراط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في إيران منذ 28 فبراير – شباط 2026 يتقابل مع رفض الإدارات الأمريكية السابقة للخيار العسكري، ليس لأنهم لا يريدون، ولكن لأن الخيار العسكري غير مضمون النتائج؛ فملخص الرفض أن التدخل العسكري في إيران لن يؤدي إلى تحقيق النتائج والأهداف التي يحتاجها التحالف الأوروبي الأمريكي، وما يحتاجونه مدمج في هدفين:
- تغيير النظام.
- احتواء إيران حليفًا.
لم يكن ذلك ممكنًا؛ فكان لا بد بالنسبة “للاستراتيجية الغربية ” من تطويق الجمهورية الإسلامية ومحاولة عزلها، وعدم تمكينها من أسباب النمو السريع والتحول من قوة إقليمية إلى دولية، لقد كان وضع الخيار العسكري اضطراريًا.
كان وزير الدفاع الألماني أكثر وضوحًا حين قال: إنه إذا كانت البحرية الأمريكية قد أخفقت في فتح المضيق بالقوة العسكرية، فماذا ستضيف السفن والفرقاطات الأوروبية.
يعزز هذا اليقين بعدم الانتصار أن الانقسام الأمريكي الداخلي وموقف “الفريق ” الذي يرفض الحرب يمسك السبب نفسه، الخيار العسكري خطأ كارثي لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إليه.
ما تريده الحرب الحالية بالنسبة لإدارة ترامب لا يتوقف على المساعدة فيما يسميه ترامب فتح مضيق هرمز، وإنما أن يبدأ الناتو من المضيق لاحقًا سيتدحرج إلى حرب أوسع تشمل القواعد والقوات الجوية وحتى البرية إذا تطلب الأمر.
وأن يأتي التدخل العسكري في إيران في توقيت لا تزال الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي في حرب استنزاف طويلة مع روسيا في أوكرانيا.
التداعيات الاقتصادية:
ثأثير الحرب في الاقتصاد العالمي وانعكاسه السريع على أوروبا، جراء إغلاق مضيق هرمز أو التأثير في استمرار تدفق الوقود، أحد العوامل المؤثرة في الرفض الأوروبي للانضمام للحرب، ومن ثَمَّ هو رديف المخاوف العسكرية في الحرب على إيران تحديدا؛ ما جعل المخاوف الاقتصادية الأوروبية تتوسع أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت قواعد دول الخليج، وهو ما يعني إدخال هذه الجغرافية في الحرب (سواء كانت الأنظمة الخليجية مع أو ضد)، وعلى عكس إدارة ترامب التي تقول: “إنها تفاجأت بالرد الإيراني على مصدر النيران في الدول الخليجية ” أدركت الدول الأوربية أن توسيع الحرب لتشمل الطاقة وهو ما يهدد به ترامب، سيشمل الرد الإيراني كل الطاقة في المنطقة للولايات المتحدة الأمريكية شراكة وعلاقة بها.
في الوضع الراهن يزداد الوضع سوءًا في الدول الأوروبية مع استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود.
ترامب وإدارته:
الخلاف الأوروبي الأمريكي مع إدارة ترامب تجاوز في الآوانة الأخير ملف أوكرانيا إلى افتراق في القضايا الاستراتيجية، ووفقا لشعار ” أمريكا أولًا ” وصولًا إلى استراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي بدا واضحًا أن الولايات المتحدة الأمريكية قد جعلت أولوياتها في القسم الغربي من الكرة الأرضية، بينما لم تحدد روسيا والصين، بالإضافة إلى الاتهامات الأوروبية لترامب بتجاهل ما تمثله روسيا من تهديد لأمن أوروبا، وقد أدى ذلك إلى فشل الخطط التي وضعها ترامب لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى إلى تهديد جزيرة غرينلاند والنويا الأمريكية بالسيطرة عليها، علاوة على التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب فور وصوله إلى البيت الأبيض، ودعم إدارة ترامب لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا على خلفية ملف الهجرة.
لقد أحيا هذا الافتراق الأوروبي الأمريكي الواسع التفكير في دعم توجهات استقلالية وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية، وتطوير المؤسسات العسكرية، فضلًا عن خيارات مفتوحة في البدائل للشراكة والتعاون الاقتصادي، بما في ذلك مع الصين التي تصنف أوروبيًا “تهديدًا” .
المعركة البحرية، تحديات مضيق هرمز وانعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة:
كان الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية التي استقدمت حاملتا الطائرات الأمريكية إلى الشرق الأوسط – إبراهام لينكولن وجيرالد وفورد وطاقمهما الذي ينتشر في المحيط الهندي والبحر العربي- قد هدف إلى السيطرة على مضيق هرمز في الأسبوع الأول من الحرب، عن طريق مهاجمة البحرية الإيرانية بعمليات مزدوجة بحرية وجوية؛ لمحاصرة إيران، وفرض التحكم بحركة السفن وسلاسل التوريد من مضيق هرمز، ومن ثَمَّ الحفاظ على أسعار متوازنة للوقود، بحسب التصور الأمريكي؛ لأنه حتى لو حدث لن يكون من دون تأثير ولو بنسبة معينة.
ما حدث كان معاكسًا على الرغم من الإضرار بالبحرية الإيرانية، فقد فرضت الجمهورية الإسلامية خيارًا حتى الآن يبدو إجباريا: إبعاد القوات الأمريكية البحرية وحاملة الطائرات التي تتمركز في مناطق بعيدة، وقد أدى ذلك إلى عدم قدرة استمرار تدفق النفط والغاز، خلق مزيد من التعقيدات أمام سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على المضيق أو حتى حماية السفن.
ترتب على ذلك نتائج حتمية أكدت فشل الولايات المتحدة الأمريكية في معركة بحرية استراتيجية:
- ارتفاع أسعار الطاقة لتتجاوز 110 دولارات للبرميل الخام، وتتراوح بين 100- 1012.
- تأكيد إيراني أن الممر – مضيق هرمز – لن يخرج عن سيطرة طهران، ومعه السيطرة على عبور نحو 20 % من إجمالي الانتاج العالمي المتدفق للأسواق.
- التغييرات التي ستجريها إيران على طبيعة تعاملها السابق مع المضيق، الإشارة إلى رسوم للعبور لم تكن تفرضها.
مأزق هرمز:
هذه النتيجة حاصرت خيار ترامب وأجبرته على إجراءات بديلة لا يمكن أن تكون مستمرة مدة طويلة، فاستخدام الاحتياطي النفطي الأمريكي، وكذلك استخدام الوكالة الدولية للطاقة المخزون الاحتياطي 1.6 مليار برميل محكومة بمدة قصيرة وسط عدم اليقين باتجاه الحرب.
منذ منتصف الأسبوع الأول حتى اللحظة، أبدت الولايات المتحدة الأمريكية الحاجة الحاسمة للمساعدة، لا يتوقف ترامب في طلب مشاركة دول بما في ذلك الصين، حلف شمال الأطلسي؛ للسيطرة على استمرار تدفق السفن النفطية من هرمز، في حين أن رفض الاستجابة للولايات المتحدة الأمريكية حتى بمن في ذلك الحلفاء التقليديون – حلف شمال الأطلسي، واليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى- أثار الرفض وإعلان دول أوروبية عدم المشاركة في الحرب أو إرسال سفن وفرقاطات إلى الشرق الأوسط ومضيق هرمز بغرض المشاركة في الحرب استياء الولايات المتحدة الأمريكية وخيبة أمل كبيرة في الخروج من المأزق، مع ذلك هذا ليس المهم؛ إذ إن الأهم يتمحور حول الآتي:
- إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية و “إسرائيل ” دون شركاء إضافيين.
- التأكيد أن الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي و” آخرين لديهم يقين متزايد بعدم القدرة على الانتصار في الحرب مع إيران.
تحدد محدودية الخيارات طريقًا نحو الخروج الأمريكي من الحرب دون نتائج في حرب بحرية، استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية كل قوتها البحرية حتى لو بقيت إدارة ترامب تحاول إظهار الصمود لتحقيق إنجاز ما في هذه الزاوية من المواجهة.
الخاتمة:
نصل إلى التصور المتبقي لخروج ترامب من الحرب:
أن يعلن الرئيس الأمريكي الانتصار في الحرب وتحقيق الأهداف.
لقد بدا هذا التصور للخروج من مأزق الحرب يتسلل من التصريحات المتكررة لترامب والبيت الأبيض بشأن تحقيق سردية غير مقنعة يعدها إنجازات، ولكنها ليست أهدافًا حقيقة لمثل هذه الحرب الواسعة، ويمكن إعادة ترتيبها على النحو الذي تعمله الإدارة الأمريكية:
- تدمير البرنامج النووي الإيراني.
- إضعاف القدرات الصاروخية لإيران.
تقليص التهديد التي كانت تمثله ضد ” إسرائيل ” ودول ” صديقة للولايات المتحدة الأمريكية بحسب التوصيف الأمريكي.
في الواقع لا يمكن مرور هذه “الوصفة ” خلاصة لحرب استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ورقة ضغط ضد إيران منذ ثلاثة عقود على الأقل، عندما تنتهي الحرب ستبدأ التداعيات، يمكن تلخيص ذلك في ثلاثة عناوين:
- أمريكا والعدو الإسرائيلي من دون أوراق تهديد.
- إيران من دون قيود.
- حلفاء تقليديون في الشرق الأوسط من دون ثقة بالحماية الأمريكية.