التطبيع الاقتصادي بين العرب وإسرائيل: ارتباطات ومكاسب لصالح الكيان

التطبيع الاقتصادي بين العرب وإسرائيل: ارتباطات ومكاسب لصالح الكيان

التطبيع الاقتصادي بين العرب وإسرائيل ارتباطات ومكاسب لصالح الكيان

ورقة تحليلية┃ 20 فبراير 2026

مقدمة:

تسعى الاستراتيجية الصهيونية من وراء «التطبيع الاقتصادي» مع الدول العربية إلى كسر المقاطعة الاقتصادية العربية عنها، والوصول إلى الأسواق العربية الواسعة القريبة منها، وهو ما يوفر لها الفرصة للخلاص من أزماتها الاقتصادية والتخلص من الاعتماد على الغرب والمساعدات والمنح الأمريكية.
وتمكنت «إسرائيل» منذ سبعينيات القرن الماضي من تحقيق حلمها بالتطبيع مع مصر، فكانت زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى الكيان في 19 نوفمبر 1977 نعمة من الله كما يقول الصهاينة، وقد فتحت الباب للدول العربية للمسارعة نحو التطبيع بدفع وإيعاز أمريكي متواصل، كما أتاح «التطبيع الاقتصادي» حرية انتقال السلع والخدمات الصهيونية إلى الأسواق العربية، بعلامات تجارية مصرية تخفي مكوناتها الإسرائيلية وهذا نوع من التحايل على المواطن العربي البسيط الذي لا يعترف أصلاً بالكيان الصهيوني1.
ويهدف الكيان الصهيوني من التطبيع الاقتصادي مع العرب إلى اختراق بنيان الاقتصاد العربي كله، ومنع قيام تنسيق أو تكامل اقتصادي عربي خالص بين دول المنطقة، كما يهدف الصهاينة من التطبيع الاقتصادي إلى الاستفادة من العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية وفي قلبها مصر، والسعي إلى دمج الاقتصاد الصهيوني في اقتصاديات المنطقة العربية، والهيمنة على مواردها الطبيعية والمالية والبشرية الهائلة.
وخلال السنوات الماضية أبرمت الدول العربية عشرات الاتفاقيات في مجال التعاون الاقتصادي مع «إسرائيل» في شتى المجالات، لاسيما التجارة والطاقة، وهما أكثر النوافذ التي استطاع الكيان الصهيوني بواسطتهما إنعاش منظومته الاقتصادية بصورة كبيرة منذ عام 2000 حتى الآن.
تتناول هذه الورقة التحليلية مسار التطبيع الاقتصادي بين «إسرائيل» وعدد من الدول العربية، مع الأخذ في الحسبان اتفاقات إبراهام 2020، التي شكلت نقطة تحول كبرى لصالح الكيان؛ إذ قدرت القيمة السنوية للتجارة والاستثمارات بين «إسرائيل» والدول العربية التي وقعت على اتفاقات إبراهام بأكثر من 10 مليارات دولار خلال العام 2023.

أولًا: مصر بوابة التطبيع الأولى:

حقق الكيان الصهيوني مكاسب جمة من تطبيع علاقاته الاقتصادية مع مصر منذ عام 1979؛ إذ عبَّر الكثير من المسؤولين الصهاينة عن إنجازات كبيرة تحققت في عدة محطات نتيجة لهذه العلاقات التجارية، ومن أبرزها:

أ. اتفاقية كامب ديفيد:

كان الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على الأراضي الفلسطينية عام 1948 يلح بشدة على تطبيع العلاقات مع مصر، لا سيما في المجال الاقتصادي؛ نظرًا لحاجة تل أبيب إلى أسواق جديدة لاستيعاب منتجاتها وصادراتها الصناعية، ومثلت اتفاقية «كامب ديفيد» نقطة تحول فارقة في تاريخ العلاقات المصرية الصهيونية، وأرست الأسس لتطوير العلاقات التجارية بينهما، وكان على رأس المكاسب الصهيونية بعد هذه الاتفاقية هو إضعاف خيار المقاطعة الاقتصادية الذي استخدمته الدول العربية في بداية مواجهتها مع الكيان، ومنها: إغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية مع مصر، وفي عام 1994 أعلن الكيان الإسرائيلي انتهاء المقاطعة الاقتصادية من الدرجتين الثانية والثالثة2.
وفي إطار هذه الاتفاقية وإنهاء المقاطعة، نسجت مصر شبكة كاملة للنقل والمواصلات مع الكيان الصهيوني، فافتتحت خطًا ملاحيًا جويًا بين البلدين، وأسست شركة «العال» الإسرائيلية مكتبًا لها بالقاهرة، كما جرى تسيير أكثر من خط بري بينهما، وجرى تشغيل خط ملاحي بين أشدود وحيفا والإسكندرية، وافتتحت شركة زيم البحرية الإسرائيلية مكتبًا لها في مصر، وفي مجال الاتصالات ووسائل الاتصال جرى تشغيل خطوط تليغراف، ومُدَّ كابل تليفوني في سيناء3.

ب. اتفاقية الكويز:

أقر الكونجرس الأمريكي سنة 1996 مبادرة لاتفاقية تقضي بإنشاء المناطق الصناعية المؤهلة (Q.I.Z) الكويز4، وقد وافقت ووقعت عليها مصر في 14 ديسمبر 2004 بعد رفض استمر سنوات، وهي اتفاقية تجارية للتطبيع الاقتصادي بين مصر والكيان الصهيوني وأمريكا، وتسمح للمنتجات المصرية بالدخول إلى الولايات المتحدة دون جمارك، لكن بشرط أن تكون المادة الخام منها منتجة في «إسرائيل»، وقد أُعلنت هذه الاتفاقية نهاية 2004، ودخلت حيز التنفيذ في شهر فبراير 2005، وكانت نسبة المكوّن الإسرائيلي عند بداية تفعيلها 11.7%، وانخفضت بعد ذلك إلى 10.5%5.
وحقق الكيان الصهيوني بهذه الاتفاقية عدة مكاسب، منها6:

  1. شكلت انفراجة كبيرة للكيان الصهيوني، وأتاحت له زيادة صادراته إلى مصر بعد أن ظلت السوق المصرية وباقي الأسواق العربية عصية على الكيان سنوات كثيرة.
  2. حققت الاتفاقية للاقتصاد الإسرائيلي نحو 150 مليون دولار في العام الأول من تطبيقها.
  3. بموجب الاتفاقية أُدخلت السلع الصهيونية إلى الأسواق العربية بعلامات تجارية مصرية تخفي مكوناتها الإسرائيلية.
  4. شكلت الاتفاقية تهديدًا للسلع المصرية التي ستخسر جزءًا كبيرًا من السوق العربية.

جـ . اتفاقيات تصدير الغاز واستيراده:

بدأت صفقات الغاز بين مصر والكيان الصهيوني في عهد الرئيس مبارك، عندما وقعت الشركة المصرية القابضة للغاز في عام 2005 اتفاقًا مع شركة «إي إم جي» لتصدير نحو 1.7 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى «إسرائيل» مدة 20 عامًا، ومثلت الصفقة نقطة تحول في مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين، كما فجرت جدلًا واسعًا داخل مصر، وأثارت موجة غضب شعبي تمثلت في تأسيس حملة «لا لنكسة الغاز» التي خاضت مواجهة قانونية مع الحكومة المصرية في محاولة لوقف التصدير7.
ومؤخرًا وقع النظام المصري اتفاقًا مع «إسرائيل» في 7 أغسطس 2025 بلغت قيمته 35 مليار دولار؛ ليصبح أضخم اتفاق تصدير في تاريخ دولة الاحتلال، وأكبر صفقة طاقة تستوردها مصر، ونص الاتفاق على توريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز من حقل «ليفياثان» البحري حتى عام 2040، بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف الكميات التي كانت مصر تستوردها بموجب اتفاق 2018، وقد وصف الصهاينة هذه الاتفاقية «بالإنجاز التاريخي»8.
وتشير الأرقام إلى أن الغاز الطبيعي الإسرائيلي يمثل العمود الفقري لصادرات «إسرائيل» إلى مصر؛ إذ بلغت صادرات غاز البترول وحدها 2.13 مليار دولار في عام 2023، ما يعادل 95% من إجمالي الصادرات الصهيونية إلى مصر، وتُعد هذه النسبة انعكاسًا لاعتماد مصر المتزايد على الغاز الإسرائيلي، لاسيما في ظل التراجع الملحوظ في الإنتاج المحلي، فقد انخفض إنتاج مصر من الغاز بنسبة 15% بين يناير ويوليو 2024م، ما دفع القاهرة إلى تكثيف وارداتها، التي بلغت 4.84 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بـ4.24 مليار متر مكعب في نفس المدة من العام السابق9.

حجم التبادل التجاري بين مصر والكيان الصهيوني

العامحجم التبادل التجاري
2020127 مليون دولار
2021191 مليون دولار
20222,14 مليار دولار
20232.64 مليار دولار
20243.2 مليار دولار

ثانيًا: الأردن والهيمنة الإسرائيلية على المياه والطاقة:

وقعت الأردن اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني في 26 أكتوبر عام 1994؛ لتكون ثاني دولة عربية تقيم علاقات رسمية مع «إسرائيل» بعد مصر، وكانت تأمل في أن تسهم هذه الاتفاقية في تخفيف العبء الاقتصادي للبلد، الذي عانت منه عمَّان بسبب العزلة الإقليمية؛ نتيجة موقف الأردن المؤيد للعراق خلال غزو الكويت، إضافة إلى اعتقاد الأردن بأن الاتفاقية ستعيد للسيادة الأردنية أراضي أردنية محتلة، وسيحصل الأردن على حقه وحصته من مصادر المياه من نهر الأردن، وهذا ما لم يتحقق.
فتحت المعاهدة -أول مرة- الباب أمام مشاريع التعاون بين الأردن والكيان في قطاعات المياه والطاقة؛ إذ وردت كلمة «تعاون» 20 مرة في المعاهدة10، وتعهد الأردن وفقًا للمعاهدة بإنهاء المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني، وبالتعاون مع «إسرائيل» في مجالات التجارة، وإقامة منطقة تجارية حرة، والاستثمار، والعمل المصرفي، والتعاون الصناعي، والعمالة، وكل ذلك في مدة لا تتجاوز ستة أشهر11، غير أن قطاعي الماء والكهرباء هما أبرز ما يميز العلاقات بينهما، وقد تحولا إلى سلاح صهيوني ناعم للضغط على الأردن لتغيير مواقفه السياسية، لاسيما تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

أ. اتفاقيات المياه:

في عام 1967 تمكن العدو الإسرائيلي من احتلال مناطق المنابع المائية في الجولان وسيناء، وسيطر على مياه نهر الأردن وروافده، بما فيها منابع الحاصباني وبانياس، وعلى مصادر المياه في بحيرة طبريا، كما أن احتلال الجولان السوري أتاح له التحكم المباشر في منابع المياه الواقعة على حدود الدول العربية من جهة سوريا، وهو ما عزز سيطرته على الموارد المائية في المنطقة منذ عام 196712.
وعند توقيع اتفاقية «السلام» نص الملحق الثاني من الاتفاقية على أن تنقل «إسرائيل» للأردن نحو (50 مليون متر مكعب سنويًا) من مياه الشرب من بحيرة طبريا عن طريق أنظمة نقل قائمة أو جديدة، إضافةً إلى كميات صيفية محددة (20مليون متر مكعب تقريبًا) يُحوِّلها الجانب الإسرائيلي للأردن مباشرة في مقابل «تنازلات» أردنية في الشتاء ما شكّل عنصر اعتماد بنيوي على الجانب الإسرائيلي في ملف المياه13، وقد اضطر الأردن إلى طلب زيادة في شراء حصص مائية من الكيان الصهيوني الذي ظل يبتز الأردن بالمياه، ويرفض تزويده بها كما هو منصوص عليه في المعاهدة، ولا سيما إذا واجه الكيان موسمًا مائيًا شحيحًا14؛ إذ لا تلتزم «إسرائيل» ولا تزود الأردن بحصته بالمياه كما ورد في اتفاقية السلام.

ب. الطاقة:

وقع الأردن اتفاقية مع شركات حقل  ليفياثان الإسرائيلي في سبتمبر2006، تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار مدة 15 سنة، مقابل 45 مليار متر مكعب من الغاز، وبناء على هذه الاتفاقية ستدفع شركة الكهرباء الأردنية لتجمع شركات حقل ليفياثان مليار دولار سنويًا، وهو ما منح «إسرائيل» ورقة ضغط إضافية على الأردن، وباتت معظم الكهرباء الأردني تُولَّد باستخدام غاز هو في الأصل منهوب ومسروق من دولة الاحتلال على حساب الشعب الفلسطيني؛ إذ يشير منتدى الاستراتيجية الأردني إلى أن حوالي 85% من الغاز المستهلك في الأردن يجري استيراده من «إسرائيل»، مما يبرز الاعتماد الكبير على الغاز الإسرائيلي في قطاع الكهرباء15.
وعلى الرغم من الهيمنة الإسرائيلية المائية، إلا أن الأردن دخل في مشروع مع الكيان الصهيوني جزءًا مما يسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية، ويطلق عليه اسم «الماء مقابل الطاقة»؛ إذ يربط هذا المشروع الأمن المائي الأردني بالأمن الطاقي الإسرائيلي في إطار إقليمي جديد بعد اتفاقيات إبراهام 2020، وبدعم أميركي–إماراتي، ويعتمد التصميم على بناء محطة طاقة شمسية في الأردن بقدرة 600 ميغا واط، تموّلها شركة إماراتية لتزويد «إسرائيل» بالكهرباء، في مقابل حصول الأردن على 200 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المحلّاة من الكيان الصهيوني، وقد وُقّعت مذكرات تفاهم في مؤتمري المناخ في دبي 2021 والقاهرة 2022، لكن حرب غزة أدت إلى تجميد الصفقة في نوفمبر2023، في مؤشر على تبريد العلاقات بينهما16. ​
وتتهم المعارضة الأردنية السلطات بتنفيذ خطة لـ «صهينة قطاع الطاقة» في الأردن، بدءًا من اتفاقية استيراد الغاز الصهيوني لتوليد الكهرباء، ثم اتفاقية توريد الكهرباء للصهاينة مقابل الماء، وتحويل الأردن ليكون ممرًا لتمدد قطاع الطاقة في الكيان الصهيوني إقليميًا ودوليًا، وليس أخيرًا ربط القطاع الصناعي بشبكة الغاز الفلسطيني المسروق والمستورد من الصهاينة17.
لقد بات الأردن-الذي يعاني من هشاشة اقتصادية أصلًا- أكثر عرضة للابتزاز في الماء والكهرباء، وأصبح أي توتر سياسي مع «إسرائيل» يمكن أن يُترجم فورًا إلى تهديد في هذين الملفين، ما يجعل العلاقة غير متكافئة، ويعطي «إسرائيل» القدرة على إغلاق صنابير المياه والغاز الوحيدة لموارد حيوية لا غنى عنها لدولة مثل الأردن.

ثالثًا: الإمارات شريك تجاري جديد:

تعد الإمارات العربية المتحدة الغنية بالنفط أول دولة خليجية وثالث دولة عربية تعلن رسميًا عن تطبيع العلاقات بشكل كامل مع الكيان الصهيوني في 13 أغسطس 2020، مع اتفاقات إبراهام التي أشرف عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد أصدرت بعد ذلك مباشرة مرسومًا بإلغاء قانون «مقاطعة إسرائيل» الذي صدر سنة 1972.
وقبل إعلان التطبيع -رسميًا- كانت العلاقات الاقتصادية بين الكيان والإمارات تسير بوتيرة عالية عن طريق الزيارات الرسمية، والمشاركة في المنتديات الاقتصادية، فخلال زيارة وزير الخارجية الصهيوني يسرائيل كاتس إلى الإمارات في يوليو تموز 2019 قدَّم مبادرة «سكك من أجل السلام الإقليمي»، وهو اقتراح لوصل شبكة سكك صهيونية تربط الإمارات بالسعودية والأردن والكيان، ويمنح الدول العربية إمكانية الوصول إلى موانئ «إسرائيل» في البحر الأبيض المتوسط18.

كما سمحت الإمارات «للإسرائيليين» بدخول أراضيها خلال معرض اكسبو 2020 بجوازات السفر الصهيونية، وفي 13 فبراير شباط 2020 أنهى رئيس بورصة دبي للماس زيارته إلى تل أبيب بعد مشاركته في «أسبوع الماس العالمي» الذي انطلق بمشاركة 300 من كبار رجال الأعمال والخبراء بمجال الماس من أنحاء العالم، وعرض خلال الفعالية مجوهرات بقيمة أكثر من مليار دولار19.
وبعد إعلان التطبيع -رسميًا- ازدهرت العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والكيان، وجرى التوقيع على عدد من الاتفاقيات في القطاع المالي والمصرفي، وأكد وزير المخابرات الصهيوني إيلي كوهين أن حجم التجارة بين «إسرائيل» والإمارات سيصل خلال 3 – 5 أعوام إلى 4 مليارات دولار20، كما صرح وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق بأن بلاده و «إسرائيل» تناقشان صياغة 8 اتفاقات في مجال التجارة والاقتصاد، كما وقعت موانئ دبي العالمية ثلاث مذكرات تفاهم مع شركة «دوفرتاوار» الإسرائيلية، تشمل تطوير مناطق حرة، وإمكانية إنشاء خط ملاحي مباشر بين ميناء «ايلات» وميناء «جبل علي» وتسهيل التجارة بين المؤسسات الخاصة من الجانبين.
ووصلت أول سفينة شحن إماراتية قادمة مباشرة من الإمارات إلى ميناء حيفا في 12 أكتوبر 2020، وبعد يومين فقط عبرت أول طائرة إماراتية الأجواء الصهيونية، كما دشنت شركة الطيران الإماراتية «الاتحاد» موقعًا باللغة العبرية في 16 أكتوبر من العام ذاته، وبعد يومين توصلت الإمارات والكيان الصهيوني إلى اتفاقية طيران تحط بموجبها 28 رحلة أسبوعية قادمة من إمارتي أبو ظبي ودبي في مطار بن غوريون، كما سمحت الاتفاقية بعدد غير محدود من الرحلات التجارية المستأجرة بينهما، وفي 19 أكتوبر جرى التوقيع على 4 مذكرات تعاون في الزراعة، وبعد ذلك بيومين جرى الإعلان عن أن شركات صهيونية ستجني أرباحًا من نقل النفط الإماراتي إلى «إسرائيل».
لقد أصبحت الإمارات خلال مدة قصيرة الشريك التجاري الأول للكيان الصهيوني، وجرى التوقيع بينهما على اتفاقية [الشراكة الاقتصادية الشاملة] التي دخلت حيز التنفيذ في 2023، وهي اتفاقية تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية غير النفطية إلى 10 مليارات دولار بحلول العام 203021.

ودخلت الإمارات في شراكة مع الهند و«إسرائيل» لتنفيذ مشروع يربط الموانئ الهندية عن طريق البحر بميناء الفجيرة في الإمارات؛ إذ ستنقل البضائع بالسكك الحديدية عن طريق الإمارات والمملكة العربية السعودية والأردن، ثم إلى الكيان الصهيوني إلى ميناء حيفا، ومن هناك ستنقل بحريًا إلى الموانئ الأوروبية22.
ويُعد المشروع في جوهره منافسًا لمبادرة «طريق الحرير» الصينية التي وضعت الصين خططًا لها على مدى عقود، ومع أن المشروع لم ينفذ بعد، إلا أن بوادره تمت خلال الإسناد اليمني لغزة في معركة طوفان الأقصى؛ إذ جرى افتتاح الجسر البري لنقل البضائع من الإمارات إلى الأردن والسعودية لتصل إلى «إسرائيل»، في محاولة للالتفاف على الحصار اليمني المفروض على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر حينذاك.

رابعًا: السودان والمغرب:

أعلن البيت الأبيض في 26 أكتوبر 2020 عن اتفاق السودان و«إسرائيل» على علاقات رسمية بينهما، تبدأ بعلاقات اقتصادية وتجارية مع التركيز مبدئيًا على الزراعة، وبهذا تخلى السودان عن مبادئه التي كانت ترفض فتح أي قنوات اتصال مع الكيان الصهيوني.
وجاء تغيير النظام في السودان بعد الانقلاب على عمر البشير؛ ليفتح المجال أمام السلطة الجديدة للاندفاع نحو التطبيع، فكانت البداية من لقاء في أوغندا جمع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو في 4 فبراير شباط 2020.
وعلى الرغم من ردة الفعل في السودان تجاه هذا اللقاء، إلا أن قيادة الجيش أعلنت تأييدها لما جرى الاتفاق عليه، مبررة ذلك بأنه يخدم المصلحة العليا للبلاد، وبعدها قال نتنياهو: إن الطائرات التجارية الصهيونية بدأت تطير في أجواء السودان، مشيرًا إلى أن فريقًا إسرائيليًا سيضع خطة خلال أيام لتوسيع رقعة التعاون مع السودان؛ بهدف إحلال التطبيع مع الخرطوم23.
وعلى عكس الإمارات، أعلنت الأحزاب والقوى السياسية المغربية رفضها القاطع لتطبيع بلادهم مع الاحتلال الإسرائيلي، داعين إلى تشكيل جبهة مقاومة للتطبيع، كما تظاهر الآلاف من السودانيين في الخرطوم رفضًا للتطبيع، ومطالبين بإسقاط البرهان، ومع ذلك استمرت الخرطوم في التطبيع الاقتصادي؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين المغرب والكيان الصهيوني 116 مليون دولار أمريكي في عام 2023.

أما المغرب فقد سبقت اتفاقات إبراهام بمدة؛ إذ عُقد المؤتمر الاقتصادي العالمي بالدار البيضاء سنة 1994بدعم من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك والمنتدى الاقتصادي الدولي دافوس بسويسرا، واستمر ثلاثة أيام، وشاركت فيه مجموعة من المؤسسات الصهيونية برئاسة وزير الخارجية آنذاك شمعون بيريز الذي وقف على الملأ، وقال بزهو: الآن أيها الأصدقاء نسير في جنازة المقاطعة العربية24.
كان من نتائج المؤتمر العمل على إزالة كل معوّقات التجارة والاستثمار، بما فيها المقاطعة، وصولًا إلى ضمان حرية حركة البضائع ورؤوس الأموال والأشخاص، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، مع توجيه شكر خاص لدول مجلس التعاون الخليجي على قرارها رفع المقاطعة عن الكيان الصهيوني من الدرجتين الثانية والثالثة.
وأعلنت المغرب تطبيع العلاقات –رسميًا- مع الكيان الصهيوني في 22 ديسمبر 2020؛ لتنضم إلى قطار التطبيع العربي على حساب القضية الفلسطينية، ومنذ توقيع اتفاقية التطبيع ظل التعاون المغربي-الإسرائيلي يدور في نطاق أمني واستخباراتي محدود بمبادلات تجارية غير مؤطرة.
وأعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة الصهيونية عن تعيين أول ملحق اقتصادي لها في المغرب ليتولى قيادة البعثة الاقتصادية الإسرائيلية بمكتب الاتصال في الرباط خلال صيف 2025.
وعلى الرغم من حرب الإبادة الجماعية للعدو الإسرائيلي على قطاع غزة، فقد تعززت العلاقات التجارية بين المغرب والكيان؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين المغرب و «إسرائيل»
7.8 ملايين يورو في يونيو 2024، بزيادة قدرها 124% مقارنةً بيونيو 2023.

الاستخلاصات والنتائج:

لقد شكل التطبيع الاقتصادي بين العرب و«إسرائيل» تحولاً استراتيجياً أفضت مخرجاته منذ سنة 1978م لصالح الكيان الصهيوني، والذي حقق مكاسب هامة وفتح الباب أمام توسع تجاري إسرائيلي متسارع في البلدان العربية في مقابل خسارة العرب لأدوات ضغط عربية كانت قائمة وعلى رأسها المقاطعة العربية.
وأرست اتفاقية كامب ديفيد الأسس لتطوير العلاقات التجارية بين مصر والكيان، ثم جاءت اتفاقية “الكويز” التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2005م لتشكل انفراجة تاريخية لإسرائيل، حيث وصفها ايهود أولمرت بأنها حدث عظيم، وقال: « ستدخل إسرائيل العالم العربي من أوسع أبوابه، وأنا آمل أن توقع الدول العربية كلها اتفاقيات من هذا النوع مع إسرائيل مستقبلاً.»25.
وتحقق الحلم الإسرائيلي بانخراط الأردن في مسار التطبيع سنة 1994م، ومع مرور الوقت، كانت الدول العربية تهرول نحو «إسرائيل»، وانتقلت العلاقات من الخفاء إلى العلن، وجاءت اتفاقات ابراهام سنة 2020 لتضع دولاً عربية أخرى على قطار التطبيع وفي مقدمتها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.
وحققت «إسرائيل» الكثير من المكاسب نتيجة التطبيع الاقتصادي، ومن أبرزها القضاء على المقاطعة العربية، والتغلغل في الأسواق العربية، وصولاً إلى عقد الصفقات الكبرى التي تصب لصالح الصهاينة، ومنها صفقة الغاز المصرية التي بموجبها تحصل «إسرائيل» على 35 مليار دولار، وصفقة تصدير الغاز إلى الأردن التي تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار، وصفقات تجارية شاملة مع الإمارات، تتيح لإسرائيل تصدير منتجاتها عبر الموانئ البحرية التابعة للإمارات، إضافة إلى إقامة مشاريع عملاقة بعضها لا يزال قيد الإنشاء ومنها إقامة سكك حديد تربط «إسرائيل» مع الإمارات والسعودية والأردن.
ويؤكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن من الخطأ الاستراتيجي الواضح البيِّن، بأن تتجه الدول العربية لربط أمورها الاقتصادية والمعيشية وحتى المياه بالعدو الإسرائيلي، الذي يبتزهم، ويهينهم، ويستغلهم، مؤكداً أنه كان بإمكان مصر أن تستثمر مبلغ 35 مليار دولار لاستخراج الغاز في مصر بنفسها، أو على الأقل تشتري من دول عربية تتوفَّر لها الكميات الهائلة التي تغطي الاحتياج المصري وأكثر منه من الغاز، لكن هذا الارتباط بالإسرائيلي، ثم الخضوع للابتزاز، هو في إطار هذا التَّوَجُّه الخاطئ لبعض الأنظمة العربية، التي لا تتصرف لا بحكمة، ولا بمصلحة، ولا بقيم؛ بل تتَّجه اتِّجاهاً منافياً لكل الاعتبارات، وخسارةً عليها وعلى شعوبها26.
وفي ضوء النتائج المتقدمة، فإن مسار التطبيع الاقتصادي يمكن النظر إليه كمدخل متدرج لفرض هيمنة إسرائيلية على مفاصل الاقتصاد العربي، فإلغاء المقاطعة والانخراط في صفقات طاقة بمليارات الدولارات، والانتقال إلى مشاريع ربط لوجستي وبنى تحتية عابرة للحدود، كلها مؤشرات تمنح «إسرائيل» أوراق ضغط استراتيجية، وتضع بعض الدول العربية في موقع التابع اقتصادياً، بما ينعكس بالضرورة على استقلال القرار السياسي وعدم الانتصار لقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
كما أن دمج «إسرائيل» في البنية الاقتصادية العربية يمنحها موقعاً محورياً في حركة التجارة والطاقة، ويعزز قدرتها على توجيه المسارات الاقتصادية بما يخدم مصالحها، في مقابل تآكل أدوات التأثير العربية التي كانت قائمة سابقاً.
وعليه، فإن استمرار هذا المسار دون مراجعة استراتيجية شاملة ينذر بتكريس واقع هيمنة اقتصادية إسرائيلية ممتدة، تتجاوز حدود التبادل التجاري إلى التأثير في القرار والسيادة، بما يحمل تداعيات عميقة على مستقبل الأمن القومي العربي وموازين القوة في المنطقة.

المصادر:


  1. آمال شوثري، قراءة في اتفاقية الكويز، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد ديسمبر 2006، ص 116. ↩︎
  2.  علي جبلي، أبعاد تحقيق اختراق صهيوني جديد في البنية الثقافية العربية، أوراق سياسية 57، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات. ↩︎
  3.  محسن عوض، الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية، صـ 152، 153. ↩︎
  4.  الكويز، هي اختصار لعبارة Qualified Industrial Zones أي المناطق الصناعية المؤهلة، وهي اتفاقية تجارية وقعت في القاهرة في 2004 بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ↩︎
  5.   منال أحمد، ماذا جَنَت مصر من التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل؟ موقع عروبة 22، تاريخ النشر 4 تموز،2024، متاح على الرابط: https://ourouba22.com/article/3140. ↩︎
  6.   آمال شوثري، قراءة في اتفاقية الكويز، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد ديسمبر 2006، صـ 115-116. ↩︎
  7.   صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل: المصالح والمخاطر المتقاطعة، المسار للدراسات الإنسانية، صـ 5. ↩︎
  8.   صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، مرجع سابق، صـ 3. ↩︎
  9.   رشا عمار، صفقة الغاز كورقة ضغط… كيف سترد القاهرة على تهديدات نتنياهو؟ موقع الزاوية، تاريخ النشر 8 سبتمبر 2025. متاح على الرابط: https://zawia3.com/egypt-israel-4/ ↩︎
  10.  سعود الشرفات، آثار الحرب في غزة على التعاون بين الأردن وإسرائيل في مجالات الطاقة والمياه، تحليل السياسات، منتدى فكرة، صـ 1. ↩︎
  11.   باسل محمد عبد الرشيد، معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية لعام 1994، دراسة في دوافعها ومضامينها السياسية والاقتصادية (رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، كلية العلوم السياسية، عمان، 2018) صـ 23. ↩︎
  12.   أ.د. قاسم محمد عبد الله الدويكات، المياه في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، جامعة مؤتة، الأردن، صـ 45. ↩︎
  13.  جوار «جاف» من المياه: كيف تدار الوفرة الإسرائيلية في مقابل الندرة الأردنية، مدار، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، تاريخ النشر 15 ديسمبر 2025م، متاح على الرابط: https://2u.pw/j96GPA ↩︎
  14.  خير الدين الجابري، الماء والطاقة.. كيف تتحكم ««إسرائيل»» بمفاتيح موارد الأمن القومي لدول الطوق؟، عربي بوست، تاريخ النشر 16 سبتمبر 2025: https://2u.pw/bEpOhH ↩︎
  15.   خير الدين الجابري، مرجع سابق. ↩︎
  16.   جوار «جاف» من المياه، مرجع سابق. ↩︎
  17.   28 عامًا على اتفاقية وادي عربة.. هل أثرت إسرائيل في الصناعة الأردنية؟ موقع الجزيرة نت، تاريخ النشر 26 أكتوبر 2022، متاح على الرابط: https://aja.me/arcoyi ↩︎
  18.   أ.د. محسن محمد صالح، تطور التطبيع العربي الإسرائيلي وأثره على القضية الفلسطينية، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت، 2020، صـ 63. ↩︎
  19.   محسن صالح، مرجع سابق، صـ 69. ↩︎
  20.  إسرائيل تتوقع تبادلًا تجاريا مع الإمارات بقيمة 4 مليارات دولار سنويا، موقع الجزيرة نت، متاح على الرابط:
    https://aja.me/5q2h6 ↩︎
  21.   جورجيو كافيرو، خمس سنوات على التطبيع: العلاقات الإماراتية الإسرائيلية تصمد أمام عاصفة غزة، موقع أفكار، تاريخ النشر 1 سبتمبر 2025م، متاح على الرابط: https://2u.pw/aBGhuS ↩︎
  22.   سكينة المشيخص، بين الهند وأوروبا… الممر المعلق في غزة، موقع الحرة، تاريخ النشر 19 سبتمبر 2025، متاح على الرابط: https://alhurra.com/4818 ↩︎
  23.   محسن صالح، مرجع سابق، صـ 153. ↩︎
  24.  شفيق أحمد علي، في جنازة المقاطعة العربية «لإسرائيل»، مركز الحضارة العربية، ط2، 1998م، صـ 21. ↩︎
  25.  آمال شوثري، مرجع سابق، ص116. ↩︎
  26.  كلمة السيد القائد حول آخر المستجدات 3 ربيع الآخرة 1447هـ | 25 سبتمبر 2025م، موقع أنصار الله، متاح على الرابط: https://www.ansarollah.com.ye/alsayid-alqaed/813977 ↩︎