منذ إعلان إنشاء كيان العدو الإسرائيلي في عام 1948، واجهت “إسرائيل” إشكالية أمنية وهيكلية عميقة، تمثلت في نشأتها ضمن محيط إقليمي عربي وإسلامي رافض لوجودها، يمتلك تفوقًا عدديًا وجغرافيًا وديموغرافيًا، في حينه فرض على مركز القرار داخل الكيان الصهيوني إدراكًا مبكرًا لحدود القوة العسكرية التقليدية، وحدها في ضمان الأمن والبقاء، مما استدعى النخب السياسية والعسكرية الإسرائيلية -وفي مقدمتها بن غوريون- إلى البحث عن مقاربات استراتيجية بديلة تتجاوز منطق المواجهة المباشرة مع الدول العربية المحيطة، إلى بلورة إطار استراتيجي متكامل، عُرف لاحقًا باسم “عقيدة الأطراف”، التي انطلقت من فرضية مفادها أن البيئة العربية المحيطة بالكيان ليست كتلة صلبة متجانسة، بل فضاء متشظٍ، تحكمه انقسامات إثنية ودينية وسياسية قابلة للتوظيف.
يقول يوسي ألفر في كتابه “الأطراف: بحث إسرائيل عن حلفاء في الشرق الأوسط”، وهو ضابط استخبارات وموساد سابق لدى الكيان الصهيوني: إن إسرائيل منذ تأسيسها سعت إلى “إقامة تحالفات مع دول وأقليات غير عربية وغير مسلمة في الشرق الأوسط، وكذلك مع دول عربية بعيدة جغرافيًا عن صراعها مع جيرانها”؛ إذ كانت هذه الاستراتيجية بمقام خطة كبرى تهدف إلى مواجهة العداء العربي عن طريق العلاقات مع قوى إقليمية بديلة وحلفاء محتملين، وبناء على ذلك، هدفت هذه العقيدة إلى ما يصفه الكاتب بـ “كسر العزلة الجيوسياسية المفروضة على إسرائيل”، عن طريق نسج علاقات وتحالفات مع قوى غير عربية في الإقليم أو مع فواعل غير دولية وأقليات داخل الدول العربية والإسلامية، بما يسمحبإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها من خارج مركزها العربي التقليدي.
ولم يكن الرهان الإسرائيلي في هذا الإطار مقتصرًا على البعد الدبلوماسي أو السياسي، بل انطوى على تصور أمني أوسع، يقوم على استخدام شبكات النفوذ غير المباشر أداة لتطويق الخصوم، وتشتيت قدراتهم، وإضعاف تماسكهم الداخلي؛ فقد سعى الكيان الإسرائيلي بهذه المقاربة إلى تحويل الانقسامات البنيوية داخل الدول المحيطة إلى عوامل استنزاف طويلة الأمد، تقلّص قدرة هذه الدول على صياغة سياسات إقليمية متماسكة أو توجيه مواردها العسكرية والسياسية نحو مواجهة “إسرائيل” أو العداء معها.
إعادة إنتاج العقيدة “الإسرائيلية” في القرن الإفريقي
شهد القرن الإفريقي خلال العقود الأخيرة عودة واضحة لما يعرف في الأدبيات السياسية الإسرائيلية بـ”عقيدة الأطراف أو الأقليات” الذي يبرز في إطاره تعميق العلاقة مع إقليم “أرض الصومال” خلال المدة الأخيرة، وما يمثله ذلك من محاولات إعادة إنتاج العقيدة بوسائل معاصرة.
فمنذ إعلانها الانفصال عام 1991 لم تحظ “أرض الصومال” باعتراف دولي ولا إقليمي؛ ما دفعها للبحث باستمرار عن داعمين خارجيين، يمنحونها شرعية سياسية في مواجهة مركز الدولة في الصومال، وهو ما بدا من منظور صهيوني- لاسيما في السنوات الأخيرة مع تصاعد التهديدات الفاعلة ضدها من الساحة اليمنية- فرصة استراتيجية للتموضع قرب خليج عدن ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، المتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
تتضح أهمية هذه الجغرافيا أكثر إذا ما استحضرنا تاريخ التنافس الدولي على القرن الإفريقي، بدءًا من الحرب الباردة، وصولًا إلى التزاحم الإقليمي الراهن بين قوى إقليمية ودولية على موانئ وقواعد الدول المنضوية فيه، فالمعادلة هنا بالنسبة للعدو الإسرائيلي لا تتعلق بدعم كيان سياسي ناشئ فحسب، بل بإعادة رسم خرائط النفوذ حول واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم؛ لذلك تبرز “عقيدة الأطراف” بوصفها منطلقًا صهيونيًا لتحديد مسارات التعامل مع كيانات تبحث عن اعتراف بأي ثمن – مثل أرض الصومال – ويتيح بالمقابل لجهة ككيان العدو الإسرائيلي هامش حركة أوسع في المنطقة بعيدًا عن التعقيدات التي تفرضها الفواعل الإقليمية والدولية في واحدة من أكثر الساحات الإقليمية التي تشهد تنافسًا على النفوذ والسيطرة.
العفر في عقلية التوظيف “الإسرائيلي” للهويات المحلية
ولا ينفصل هذا التوجه عن اهتمام أوسع بالبنية الإثنية في منطقة القرن الإفريقي بشكل كامل، ومن بينها مكون العفر المنتشر في بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، أو ما يسمى “مثلث العفر”، فالعفر يتموضعون جغرافيًا على تماس مباشر مع البحر الأحمر، خصوصًا في الممرات المقابلة لمضيق باب المندب الاستراتيجي، وتذهب بعض التحليلات إلى القول: إن أي انخراط محتمل من قبل كيان العدو مع قوى محلية في هذه المناطق المتصلة بقبائل العفر، قد يندرج ضمن محاولات استثمار الهويات الفرعية؛ لتعزيز النفوذ البحري أو الاستخباراتي[1].
وعلى رغم غياب الشواهد العلنية التي تؤكد وجود علاقات مباشرة بين إسرائيل وقوى عفرية محلية حتى الآن على الأقل، فإن عددًا من التحليلات والأبحاث التي صدرت في المدة الأخيرة – لاسيما من مراكز أخبار وأبحاث تابعة لكيان العدو- لفتت إلى الأهمية الجيوسياسية التي قد يمثلها المكون العفري في الحسابات “الإسرائيلية” المرتبطة بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر، التي ينظر إليها ضمن الإطار الأوسع للعقيدة التاريخية الصهيونية القائمة على توظيف الهويات الطرفية واستثمارها في بناء شبكات نفوذ خارج مراكز الدول، بما ينسجم مع مقاربات “تفكيك المركز” وتعزيز الحضور عن طريق أطرافه غير المنضبطة.
إن إعادة إنتاج هذه المقاربة في القرن الإفريقي تعكس تداخلًا بين الدوافع الأمنية – المرتبطة بالأمن البحري للعدو الإسرائيلي ومواجهة التهديدات اليمنية – والدوافع السياسية الرامية إلى كسر الطوق الإقليمي عن طريق تحالفات غير تقليدية، كما تعكس في الوقت ذاته براغماتية الأطراف المحلية الساعية إلى الاعتراف الدولي والمصالح الاقتصادية، حتى لو جاء ذلك من بوابة قوى خارجية معادية ذات أطماع بعيدة المدى، وما لحضورها من تأثيرات واسعة في أمن المنطقة وشعوبها.
نماذج معاصرة للعقيدة “الإسرائيلية”
ضمن استراتيجية الأطراف، تعامل الكيان الإسرائيلي مع الأقليات في محيطه الجغرافي المباشر بوصفها مداخل استراتيجية لاختراق الدول العربية المجاورة وإعادة تشكيل توازناتها الداخلية بما يخدم مصالحها الأمنية بعيدة المدى، فقد قامت هذه المقاربة على إدراك بنيوي مفاده أن هشاشة التماسك الوطني في عدد من الدول المحيطة – لا سيما تلك المبنية على تعدد إثني أو طائفي- تتيح فرصا واسعة لتوظيف الفواعل الداخلية الصغيرة أدوات ضغط غير مباشرة على الدولة المركزية.
أحد أبرز الشواهد على هذا التوظيف الإسرائيلي للأقليات تمثل في التحالف مع الحركة الكردية في شمال العراق؛ إذ قدمت “إسرائيل” منذ ستينيات القرن الماضي دعمًا استخباراتيًا وعسكريًا أكثر انتظامًا للجماعات الكردية، متعاونة في ذلك مع جهاز “السافاك” الإيراني خلال مدة حكم الشاه، ضمن استراتيجية تهدف إلى استنزاف الدولة العراقية وإشغالها بصراع داخلي طويل الأمد، يحد من قدرتها على تأدية دور إقليمي معاد للكيان الإسرائيلي، وقد شهدت هذه العلاقات تطورًا بعد العام 2003 في سياقات سياسية وأمنية متعددة المسارات، مع بروز تحليلات “إسرائيلية” ترى في التعاون مع كردستان العراق فرصة لتعزيز المراقبة ضد القوى المعادية لها في إيران والعراق[2].
على المنوال ذاته الذي استخدمته إسرائيل في توظيف الأقليات في العراق، شكلت علاقتها مع جزء واسع من المارونية في لبنان نموذجًا متقدما لاستثمار الأقليات الطائفية في خدمة أهداف استراتيجية ضمن عقيدة الأطراف، حين رأت إسرائيل في الموارنة حليفًا طبيعيًا على المستويين السياسي والعسكري، وهو ما تُرجم إلى تعاون مكثف خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأسهم في تعميق الانقسام الطائفي، وتحويل لبنان إلى ساحة نفوذ مفتوحة تخضع لمنطق التفكيك الإسرائيلي لا الدولة الوطنية.
بلغ هذا التعاون ذروته في إطار سياسة ما يسمى “السياج الحديدي”؛ إذ قدّمت إسرائيل دعمًا عسكريًا شاملًا لميليشيات مرتبطة بالطائفة المارونية، بما فيها إمدادات السلاح والتدريب والدعم المالي واللوجستي؛ بهدف ضمان أمن الحدود مع الأراضي المحتلة، وتعزيز مصالح الكيان الإسرائيلي ضد القوى الفلسطينية والحركات اللبنانية المقاومة، وشكلت بذلك نواة قوة عسكرية عميلة من الفواعل اللبنانية المحلية الموالية للعدو الإسرائيلي فيما عرف بعد ذلك باسم “جيش لحد”[3].
كما يمكن إدراج سياسات إسرائيل تجاه الدروز في سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة ضمن الإطار نفسه؛ إذ عملت على بناء علاقة خاصة معهم تقوم على الفصل الوظيفي والولاء الأمني، بما يعزز منطق التفكيك المجتمعي، ويقوّض إمكان تشكّل هوية وطنية جامعة في الدول المحيطة، وبهذا، يتضح أن استغلال الأقليات في المحيط المباشر لإسرائيل لم يكن خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل أداة مركزية في عقيدة الأطراف، هدفت إلى نقل الصراع من مستوى المواجهة بين الدول إلى مستوى الصراعات الداخلية، وتحويل الجوار العربي من فضاء تهديد موحّد إلى بيئة مجزأة يسهل اختراقها والتحكم في مساراتها.
الخلاصـة:
في ضوء العقيدة الإسرائيلية السابقة الذكر، يظهر التاريخ المعاصر للكيان الإسرائيلي أهمية توظيف الأقليات في مناطق الاهتمام حول العالم أداة لتعزيز حضوره الأمني والسياسي والعسكري، مستغلًا الفجوات المجتمعية والهوياتية لصالح تكوين شبكات تأثير محلية مرتبطة بمصالحه الاستراتيجية، هذا الاستغلال شمل تقديم دعم سياسي واقتصادي للأقليات، استقطاب قيادات محلية، وإقامة تحالفات تكتيكية تتيح النفوذ المباشر وغير المباشر في إدارة الصراعات المحلية وصياغة السياسات، بل وحتى تشكيل المجتمعات السياسية في تلك البلدان، وهو ما يسعى بشكل واضح إلى إعادة إنتاجه في مناطق أخرى بعيدة عن محيطها الأمني لاسيما في القرن الإفريقي، عن طريق دراسة التركيبة المجتمعية والهوياتية المتداخلة في دول القرن، ثم تحديد الأقليات التي يمكن أن تصبح نقاط ارتكاز نفوذ، والعمل على تكوين شبكة مصالح متبادلة تربط هذه المجموعات بالمصالح “الإسرائيلية” وأهدافها الاستراتيجية.
[1] Ben Ari, L. (2026, January 12). Afar tribe seeks Israeli support amid Iranian expansion and Eritrean repression. Ynetnews. Available at: https://www.ynetnews.com/article/r1cv8kmbbl
[2] Namdar, F. F. (2023, December 11). Iraqi Kurdistan and the failure of capitalizing Kurdish-Israeli relations. E-International Relations. Available at: https://www.e-ir.info/2023/12/11/iraqi-kurdistan-and-the-failure-of-capitalizing-kurdish-israeli-relations/
Khosravi, J., Kalhori, J., & Hamehmorad, L. (2016). The presence of Israel in Iraqi Kurdistan and its security challenges for Iran’s national security. Journal of Politics and Law, 9(7), 169–177. Available at: https://ccsenet.org/journal/index.php/jpl/article/view/6269
[3] The Editors of Encyclopaedia Britannica. (2026). Lebanese Civil War. Encyclopædia Britannica. Available at: https://www.britannica.com/event/Lebanese-Civil-War