ما يزال هناك سؤال جوهري محير، المتعلق بفضيحة المجتمع الدولي، المخملي النخبوي، المرتبط باسم رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، من دون إجابة واضحة، وهو: لماذا جرى الكشف عنها وإزاحة الستار الآن وإبراز فظاعاتها، والإعلان عن “نشر 308 ملايين وثيقة” نصية ورقية و180 ألف صورة فوتوغرافية و2000 مقطع فيديو، من دون إدانة قضائية لذراعه اليمنى غيلين ماكسويل؟!
غيلين هي ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني اليهودي روبرت ماكسويل (لودفيك هوش)، المرتبط بعلاقات مع أجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية والإسرائيلية، انتهت بمقتله في ظروف غامضة بجزر الكاريبي 1991، وكانت نافذته الأولى إلى عالم النخبة الأمير أندرو دوق “يورك” والرئيس الأمريكي بيل كلينتون ودونالد ترامب وغيرهم، وقد قدَّمت دور القوادة للقاصرات، وأُدينت بأنها شريكة في شبكة منظمة للدعارة والاستغلال الجنسي للقاصرات، وحُكمت بالسجن 20 عامًا.
عدا هذا، بقي معظم المذكورين في الوثائق من دائرة إبستين بلا ملاحقة جنائية مباشرة، وحجبت أسماء أغلبهم، بينما حظي إبستن بحماية لافتة، ولم يُدن سوى في قضية واحدة بولاية فلوريدا عام 2008، وجرت حمايته باتفاق حصانة؛ فحكم بالسجن 13 شهرًا مع السماح له بالخروج متى شاء، أما لائحة الاتهام الفيدرالية عام 2019 فشملت تهم الاتجار بالجنس والتآمر، وأغلقتها المحكمة رسميًا من دون صدور حكم بالإدانة، لوفاته قبل بدء المحاكمة.
بدا لافتًا تتابع وقائع مقتل أطراف القضية الرئيسين بدعوى الانتحار، بدءًا من أحد أبرز موردي الفتيات القاصرات، مالك وكالة “MC2” لتوظيف عارضات الأزياء جان لوك برونيل، الذي اعتقل بفرنسا في ديسمبر 2020م ووُجد ميتًا بزنزانته في فبراير 2022م، ثم جيفري ابستين أغسطس 2019م، ثم صاحبة الدعوى فيرجينيا روبرتس جوفري، في أبريل 2025م بعدما كانت تعيش حياة طبيعية مع زوجها، وترأس جمعية للدفاع عن ضحايا الاغتصاب والاتجار الجنسي.
دوافع الكشف ودلالات التوقيت:
لم تكن قضية “إبستين” تتصدر اهتمامات الإعلام الأمريكي أو الأجندة السياسية أو حتى الرأي العام فقط، حتى يقال: إن الكشف عن ملف القضية ووثائقها جاء استجابة لضغط ما، على العكس كان هذا الكشف بقرار من الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، مع “حجب أسماء ومواد حساسة” على رغم علاقته الوطيدة بجيفري إبستين، وتكرار اسمه وصور لقاءتهما في وثائق القضية.
قد يذهب بعضهم إلى أن الكشف عن وثائق ملف القضية “تجسيد لنزاهة القضاء الأمريكي”، لكن هذا المبرر يتصادم مع واقع الفوضى السياسية التي دشنتها إدارة الرئيس ترامب وتجاوزها القضاء، في قضايا عدة ليس أبرزها قضية المهاجرين وقضية الرسوم الجمركية، وغيرها من القضايا التي أظهر ترامب أنه لا يلقي بالًا للقضاء ولا يعير له اهتمام، وأن آخر أهدافه إظهار نزاهته واستقلاله.
وقد يرى بعضهم الآخر أن الكشف عن وثائق القضية بما حوته من فظاعات وبشاعة صادمة للعالم، دافعه صرف الأنظار أو تهوين فظاعات السياسية الخارجية لإدارة الرئيس ترامب، وانتهاكاتها الصارخة وغير المسبوقة للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، كما حدث في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وفجاجة السعي إلى ضم جزيرة غرينلاند بالقوة.
بيد أن هذا الدافع لا يبرز دافعًا رئيسًا ومقنعًا، بالنظر إلى حقائق واقع الصراع العالمي، وأن الفوضى الترامبية امتداد طبيعي لسياسية الولايات المتحدة الأمريكية، القائمة على الهيمنة ومنطق القوة الغاشمة، لا قوة المنطق السياسي، يظل الفارق الرئيس هو تصريح ترامب الفج بجوهر السياسة الأمريكية الإمبيرالية القائمة على الهيمنة والنفوذ بالقوة في جني المصالح بأقل كلفة.
صحيح أن نشر وثائق ملف القضية بدأ عام 2019م، ثم 2021م، ثم 2022م، ثم 2024م، ما اعتبر محاولة لصرف الأنظار عن فظاعات جرائم حرب الإبادة للفلسطينيين، لكن إصدار ترامب قانون “شفافية ملف قضية إبستين” ونشر وزارة العدل الأمريكية 308 وثيقة وألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة، في 31 يناير 2026م يثير السؤال: لماذا بعد 7 أعوام؟ ولماذا الآن؟
يعزز غرابة الإجراء أن هذا الكم من وثائق القضية المنشورة تحتاج مطالعتها فقط ست سنوات وبواقع دقيقة لكل وثيقة، علاوة على تضمنها تنقيحات “واسعة النطاق”، تشمل “حجب أسماء ومواد حساسة” بموجب القانون الذي يسمح بحجب بعض الوثائق، وبوصفها “تمثل نهاية الإفصاحات المخطط لها من إدارة الرئيس ترامب” وفق ما أعلنه نائب وزيرة العدل الأمريكي، تود بلانش في مؤتمر صحفي.
وأمام تراجع الفائدة القانونية المتاحة للمجتمع الأمريكي أو حتى مجتمع ضحايا شبكة دعارة إبستين، من نشر وثائق القضية، خصوصًا في ظل استثناءات قانونية لنشرها، و”التنقيحات الواسعة” و”حجب أسماء ومواد حساسة”، وقيود إعادة فتح ملف القضية قضائيًا! تتضاعف أهمية السؤال الجوهري: لماذا جرى نشر وثائق القضية بعد 7 أعوام على إغلاق ملفها؟ لأي غاية وهدف؟ ولماذا الآن تحديدا؟!!
المعطيات الغريبة المريبة:
يبرز سر خفي أكبر من كشف الأسرار الكبرى لمنتجع إبستين، هذا السر يتجاوز الحقائق، وهو أن رجل الأعمال جيفري إبستين، كان مجرد واجهة لنشاط أعمق، لم تكن واجهته الاستثمارية السياحية الاستجمامية هي غايته أو دافعه الربحي المادي، واعتمد شبكات نفوذ قانونية، وشبكات مالية، وشبكات سياسية، وشبكات دبلوماسية، وشبكات أكاديمية (علمية)، وشبكات إجرامية منفذة.
الثابت قطعًا، أن الفضيحة غير مسبوقة في التاريخ البشري، وأنها ليست أمريكية النطاق فقط بل عالمية السياق، وليست “فضيحة إبستين” وحده كما تعنون في الخطاب الرسمي والإعلام الدولي؛ إذ لم يكن جيفري إبستين، مقترفها الأوحد، وإن كان واجهتها، وكانت جزيرته وجهتها ومنتجعه مسرحها، لكن توجهها أبشع، وموجهاتها أشنع، وأطرافها أوسع.
حتى الآن، أظهرت تناولات وثائق الفضيحة المنظورة جملة أسماء مذكورة بوتيرة مكرورة، في الوثائق المنشورة، لشخصيات مشهورة من مختلف أنحاء المعمورة، ذات نفوذ وسطوة معروفة في مجالات السياسية والتجارة، والاقتصاد والبورصة، والمحاماة والقضاء، والثقافة والصحافة، والرياضة والفنون، نخب المجتمع المخملي المؤثرة والنافذة في العالم…إلخ.
العجيب ليس التقاء هذه النخب ورموزها في الطباع البهيمية الشهوانية، ولا في الانحرافية والشذوذ عن القاعدة السوية للطبيعة البشرية، وولعها باغتصاب الأطفال والقاصرات، وغيرها من الفظاعات المكشوفة حتى الآن، فهذه الانحرافات انعكاس لطغيان الرفاهية وبذخ الترف، ونتاج فساد قيم هذه الشخصيات، وإفساد مجتمعات النخب، بوصفها القدوة النموذج للشعوب.
وإذا كان هذا الانحراف القيمي والأخلاقي تجسيدًا لقانون “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، فإنه يثير سؤالًا آخر: لماذا قد تجتمع كل هذه الشخصيات المؤثرة والنافذة من دول العالم في هذا المنتجع الشيطاني تحديدًا، مع أنها بحكم ثرائها الفاحش ونفوذها الطائش، كانت تستطيع إشباع نزواتها الشاذة في غير مكان ومنتجعات توفر الخدمات نفسها وتحظى بالسرية ذاتها؟!
هذه التساؤلات تضع المتأمل أمام خفايا أكبر؛ تجعل الغريب بحق وما يفترض أن ينظر إليه على أنه مريب، بجانب اشتراك معظم الأسماء في ظروف الارتقاء السريع إلى واجهة الأضواء والإثراء، هو مركزية هذا الالتقاء وجمع هذه الشخصيات، على نحو ينم عن انتقاء، ويشي بأسبقية إغواء، ومنهجية استدراج وإغراء، ويفصح تبعًا عن جهة ما ليست تجارية.
منهجية الانتقاء وإغواء الاستدراج:
يؤكد هذا خبراء أخضعوا أبرز الأسماء الواردة في شبكة “إبستين” لتحليل معمق، أظهر خيطًا رئيسًا يربطهم جميعًا، هو النمط الموحد الذي استخدمه إبستين ليضم شخصيات متباينة الانتماء السياسي والجغرافي والمهني والأيديولوجي، معتمدًا تقنيات متقدمة من الهندسة الاجتماعية، تؤكد أنه لم يكن مجرد “مغتصب” أو “مجرم” تقليدي، بل مهندس نفوذ يربط بين المال والسياسة والمؤسسات والشركات والأكاديميين.
يبدأ هذا النمط المتكرر بدعوة إبستين للشخص المستهدف بواسطة أحد المقربين منه، إلى المرور من بوابة سرية إلى عالم النخبة الذي لا يقبل الغرباء إلا بجواز مرور، ثم عرض إبستين خدماته، كالرحلات وتذاكر الطائرات أو استخدام طائرته الخاصة والإقامة في منازل فخمة في باريس ونيويورك؛ لكسر الحواجز الرسمية وجعل السياسي يشعر بالراحة والخصوصية، وتسهيل تبادل المعلومات لاحقًا.
لم يكن إبستين يقدم الفتيات القاصرات وحفلات الجنس فقط، فقد استطاع أن يجعل عددًا من شخصيات عالم النخبة تطمح في الانضمام لشبكته التي أصبحت بمقام نادٍ خاص للمحظيين، مستغلا عبقريته في تدوير العلاقات واستخدام كل علاقة بوابة لعلاقات جديدة، فكل اسم جديد ينضم لشبكته كان يُستخدم طعمًا لاصطياد اسم آخر، على نحو يؤكد أن الهدف الحقيقي لم يكن الترفيه، بل الاصطياد.
بذلك، يخلص الخبراء من تحليلهم العميق إلى أن فرائس إبستين من الفتيات القاصرات كانت مجرد طعوم لاصطياد فرائس أكبر، ووسيلة لخلق حالة “تواطؤ ملزم” يجعل الآخرين مجبرين على البقاء في أكنافه، مشيرين إلى استخدام إبستين في بعض الأحيان عضوًا قديماً في نادي نخبة شبكته طعمًا لاصطياد هدف آخر، على نحو يقدمه شخص جدير بالثقة، ويمكن التعامل معه بأمان1 .
الحاضنة الصهيونية المخابراتية:
لهذا لم يكن مفاجئًا ولا مستبعدًا تتابع ظهور قرائن وأدلة ارتباط “إبستين” الوظيفي بالعمل الاستخباراتي، بدءًا من الغطاء الحمامي، السياسي والأمني والقضائي، مرورًا بالإحظاء المالي والاستثماري، وانتهاء بالانتقاء للشخصيات والإذكاء لغرائزها الشهوانية، والاستدعاء إلى هذا المنتجع الشيطاني دون غيره، والإخناء لإراداتها وقراراتها في الاتجاه نفسه، وضمان الولاء.
نظريًا، تحفل المراجع التاريخية والمصادر المتخصصة بما فيها مذكرات القادة السياسيين والأمنيين حول العالم بوقالع تأكيد اعتماد أجهزة المخابرات عالميًا الوسائل نفسها في اختراق الدول ودوائر القرار وتجنيد العملاء، وفي مقدمها الجنس والمال، وتوثيق فضائح لضمان ولاء وانقياد الشخصيات المستهدفة وتنفيذها ما يطلب منها، كما هو حال شخصيات “منتجع إبستين”.
وعمليًا، ظهرت حتى الآن وثائق ووقائع ارتباط “إبستين” بجهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)، بدءًا من تأمين الأخيرة شقق إبستين في نيويورك المخصصة للعارضات وقاصرات شبكته، بكمرات وتقنيات مراقبة2 ، مرورًا بشراكة إبستين مع وزير دفاع الكيان ورئيس وزراء حكومته سابقًا أيهود باراك في شركة “ريبورتي”، المعروفة الآن “كارباين” لتسويق الصناعات العسكرية الإسرائيلية وبرمحيات التجسس والأمن السيبرياني3 .
في هذا تشير مؤلفة كتاب “انحراف العدالة: قصة جيغري إبستين” جولي براون، إلى “العلاقة المبكرة لأبستين بأسرة روبرت ماكسويل البريطانية اليهودية منذ ثمانينيات القرن الماضي”، وتقول: “ليس مستبعدًا أن يكون إبستين على علاقة مع الموساد”، منوهة إلى “تشابه ظروف الوفاة بين إبستين وروبرت عام 1991؛ إذ يشاع محليًا اغتيالهما على يد الموساد”4 .
كما تأتي إفادة ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق آري بن ميناشي في حديثه مع قناة “روسيا اليوم” عام 2020م بأن “إبستين ووالد ماكسويل كانا عميلين إسرائيليين”، وأن “جميع الفضائح المذكورة في قضية إبستين قد جرى تدبيرها لصالح الموساد؛ بهدف جمع المعلومات وابتزاز الشخصيات المشهورة”، مؤكدا أن “باراك كان على علم بكل ما كان يحدث”5 .
ويبرر المدعي العام الأمريكي ووزير العمل بولاية ترامب الأولى، ألكسندر أوكستا منح إبستين اتفاق حصانة من الملاحقة القضائية (NPA) بعد إقراره بتهم دعارة واستغلال قاصرات عام 2008م قائلا: “طُلب منه التراجع لأن إيستين ليس من اختصاصه”، و”قيل لي: إن إبستين ينتمي إلى المخابرات وأن عليَّ أن أتركه وشأنه”. وفق ما نقلته الصحفية فيكي وارد عام 20196 .
كما يتضح أن محامي أبستين في هذه القضية وتأمين استمرار جرائمه عشر سنوات إضافية، أستاذ القانون بجامعة هارفارد آلان ديرشوفيتز، هو نفسه محامي الكيان الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية في الدعوى المرفوعة من دولة جنوب إفريقيا بشأن جرائم حرب الإبادة الجماعية للكيان بحق مليوني فلسطيني محاصرين في قطاع غزة، في العدوان الإسرائيلي على القطاع7 .
أظهرت الوثائق -أيضًا- ارتباط إبستين ومنتجعه بشخصيات سياسية بارزة في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، أمثال الدبلوماسي النرويجي تيريه رود-لارسن مهندس “اتفاق أوسلو” 1993م، ومبعوث باراك أوباما لعملية السلام في الشرق الأوسط السيناتور السابق جورج ميتشل (2009-2011م)، ورجل الأعمال وممول ترامب البارز توم براك، ومبعوث ترامب الخاص لسوريا حاليًا8 .
وإذا كان محللو وثائق “فضيحة إبستين”، يرون أنه من المنطقي أن يكون إبستين وكيلًا لأحد أجهزة الاستخبارات كما تقول وارد، وأن هناك حقًا قوة أكبر تقف وراء هذه الشبكة الضخمة9 ؛ فإنهم يجزمون أن “صندوق أسراره الأسود” لا يزال حافلًا بالمفاجآت، لاسيما على صعيد علاقته مع إسرائيل التي يبدو أن ما نعرفه عنها ليس أكثر من قمة جبل جليدي عميق الجذور10 .
أبعاد توقيت الكشف ودلالاته:
يعزز مساق هذا الكشف أيضًا أهمية السؤال: لماذا جرى الآن بالذات؟ أما الجواب فلا يمكن فصله عن السياق العام للتوجهات المتسارعة لتثبيت النظام العالمي الأوحد وفرض “الشرق الأوسط الجديد”، باستكمال ابتلاع فلسطين، وبدء الخطوات التنفيذية لما يسمى بـ”قيام إسرائيل الكبرى” المزعومة على حدودها المرسومة “من النيل إلى الفرات ومن المحيط إلى الخليج”.
قوبل العدوان الإسرائيلي على غزة طوال عامي (2023-2025) ومجاهرته علنًا بأهداف وجرائم الإبادة الجماعية لمليوني فلسطيني محاصرين في القطاع، بردود فعل غاضبة من شعوب دول العالم، أرغمت حكوماتها على مواقف وقرارات ضد الكيان، شملت تجميد تسليحه ومقاطعته اقتصاديًا واعترافات بدولة فلسطين، ما استدعى الحاجة لاستعادة السيطرة.
كان طبيعيًا أن يعمد الكيان الصهيوني إلى استعادة السيطرة على الرأي العام وتعزيز نفوذه العالمي؛ لتنفيذ خطط إكمال احتلال فلسطين (ضم الضفة الغربية وقطاع غزة) واحتلال أراضي سبع دول عربية (الأردن، سوريا، لبنان، مصر، العراق، الكويت، السعودية)، وجاء كشف “فضيحة إبستين” لشحذ هذا النفوذ الصهيوني والانسياق العالمي، وبمقام المفتاح للقادم.
يتأكد هذا الطابع المفتاحي والافتتاحي لخطوات تنفيذ “إسرائيل الكبرى”، بخفوت حدة وصخب الأصوات المعارضة، التي كانت برزت خلال عامي ذروة العدوان الإسرائيلي على غزة، ما يجعل كشف “فضيحة إبستين” بمقام “قرصة إذن” وإنذار تحذيري لمَن نشرت أسماؤهم ضمن مراسلات وعلاقات “إبستين”، ومَن لم تنشر فنهم متورطون، وملفاتهم الأخطر لم تكشف بعد.
وفقًا لصحيفة “تليغراف” البريطانية فإن “جيفري إبستين أخفى أجهزة كمبيوتر وصورًا عن السلطات الأمريكية داخل وحدات تخزين سرية في فلوريدا ونيويورك ونيو مكسيكو، أظهرت إيصالات مالية التزامه بدفع إيجاراتها منذ العام 2003م حتى وفاته عام 2019م، وتورد الصحيفة وثيقة تؤكد “ولع إبستين بالتقنيات الخفية وتركيب كاميرات مراقبة متناهية الصغر داخل علب المناديل الورقية”.
كما تورد الصحيفة رسالة محقق خاص كلفه إبستين بنقل أقراص البيانات قبل تفتيش الشرطة منزله بولاية فلوريدا عام 2005م، وتأكيد رئيس شرطة بالم بيتش السابق أن “مواد رقمية معينة كانت مفقودة”، ويخلص تحقيق الصحيفة إلى أن “وجود وحدات تخزين خارج نطاق التفتيش الرسمي يترك فجوة كبيرة في السردية الرسمية للقضية، ويغذّي الشكوك حول إذا ما كانت الحقيقة الكاملة قد كُشفت فعلًا”11 .
“ابستين” مفتاح القادم:
تعزز هذا المنحى، الوقائع المتوالية بوتيرة متسارعة، منذ نشر وثائق ملف “فضيحة إبستين” في (31 يناير 2026م)، والمستجدات الميدانية في الأراضي العربية المحتلة، أكان في الضفة الغربية أو تدويل وتدشين “مجلس حكم غزة”، أو في استمرار تصعيد غارات جيش الاحتلال على جنوب لبنان، أو في استمرار توغل جيش الاحتلال والفصائل الموالية له في سوريا.
بالتوازي جاءت تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى الكيان، مايك هاكابي، وتأكيد دعم “قيام إسرائيل الكبرى” وأنه يحق لإسرائيل احتلال الشرق الأوسط بزعم أن “إسرائيل تملك حقًا دينيًا تاريخيًا بالسيطرة على معظم أراضي الشرق الأوسط”، بحسب رده على سؤال الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون أثناء مقابلته الصحفية، المنشورة الجمعة (20 فبراير 2026).
هذا الرد الأمريكي المحاجج بما يسمى “سفر التكوين 15” وأنه يصف حوار الله مع نبيه إبراهيم حول هبة الأرض “من النيل إلى الفرات”؛ يعكس في الواقع تبني الكونجرس والإدارة الأمريكية، فكرة “إسرائيل الكبرى” التي سبق أن أعلنها رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو، قبل ستة أشهر فقط في مقابلة تلفزيونية (أغسطس 2025م)، أن “مهمته تنتهي برؤية قيام إسرائيل الكبرى”.
وليس من المصادفة أيضًا توقيت إطلاق النشاط الاستخباراتي داخل إيران، وتفعيل الضغط السياسي والاقتصادي على النظام الإيراني، ثم تسريع التحشيد العسكري الواسع وغير المسبوق ضد إيران؛ لتحييدها إما بإخضاعها للاستسلام والأجندة الصهيونية، وإما بتدميرها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا، ومعها محيطها الخليجي العربي، المستهدف أيضًا في الوقت نفسه.
يدرك الكيان الإسرائيلي أن أي تصعيد أمريكي عسكري ضد إيران، بضربات محدودة أو واسعة، سيقابله رد عسكري إيراني واسع يطال جميع القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، بدءًا من دول الخليج العربي، مرورًا بالسعودية والأردن وسوريا، وصولًا إلى الكيان نفسه، وهذا يخدم “إسرائيل الكبرى”؛ إذ يُمكن الكيان الصهيوني من “ضرب أكثر من هدف بحجر واحدة”!!
ينتهج الكيان الإسرائيلي نهج “حرب ضمن حروب”، فهو يدرك مسبقًا تداعيات أي تصعيد عسكري ضد إيران، وآثاره المباشرة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا في دول المنطقة بصورة خاصة ودول الإقليم والاقتصاد العالمي بصورة عامة، ولن يجد الكيان فرصة مواتية أفضل من ظروف الانقسامات العربية وانهيارات مراكز الثقل العربي، بتساقط أنظمتها السياسية.
الخلاصة:
يظهر واضحًا أن الكيان الإسرائيلي، بالتوازي مع بدئه في الخطوات التنفيذية لما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، عمد إلى استعادة السيطرة على الرأي العام العالمي، وتعزيز نفوذه في دوائر قرار حكومات دول العالم، وكان جيفيري ابستين أحد أهم أدوات هذا الضغط بثنائية الجنس والرشوة والابتزاز، وما يزال بعد الكشف جزئيًا عن ملف فضيحة جزيرته، أداة ضغط بفضائح أكبر لم تكشف بعد.
المصادر والهوامش:
- الجزيرة نت، “متاهة الثلاثة ملايين وثيقة… تفكيك شبكة إبستين”، أدهم حجاج، نشر بتاريخ: 17 فبراير 2026م، متاح على الرابط: https://aja.ws/zywjfe ↩︎
- وكالة أنباء آسيا، “وثائق تكشف حماية إسرائيل لإبستين رغم جرائمه”، نشر بتاريخ: 19 فبراير 2026م، متاح على رابط:
https://www.asianewslb.com/index.php?page=article&id=192202 ↩︎ - الجزيرة نت، “كيف كشفت ساحل العاج علاقة إبستين بإسرائيل؟” محمد يوسف، نشر بتاريخ: 20 فبراير 2026م، متاح على رابط:
https://aja.ws/otb1jm ↩︎ - الجزيرة نت، قضية إبستين.. شبكة للدعارة بالقاصرات تورط فيها ساسة وأثرياء، نشر بتاريخ: 7 فبراير 2026م، متاح على رابط:
https://aja.ws/fixdg9 ↩︎ - قناة “الجزيرة”، “هل كان جيفري إبستين عميلا لصالح الموساد؟” نشر بتاريخ: 8 يناير 2024م، متاح على رابط:
https://aja.ws/ak4lg9 ↩︎ - مرجع سابق، نفسه. ↩︎
- الجزيرة نت، “متاهة الثلاثة ملايين وثيقة… تفكيك شبكة إبستين”، مرجع سابق. ↩︎
- الجزيرة نت، “كيف كشفت ساحل العاج علاقة إبستين بإسرائيل؟”، مرجع سابق. ↩︎
- الجزيرة نت، “متاهة الثلاثة ملايين وثيقة… تفكيك شبكة إبستين”، مرجع سابق. ↩︎
- الجزيرة نت، “كيف كشفت ساحل العاج علاقة إبستين بإسرائيل؟”، مرجع سابق. ↩︎
- The Telegraph, “Exclusive: Epstein hid secret files in storage units across US”, 23 February, 2026. Available at:
https://www.telegraph.co.uk/world-news/2026/02/22/jeffrey-epstein-secret-files-storage-units-united-states ↩︎