“لا شك في أننا جميعا أخطأنا وجانبنا الصواب، وإلا لما كانت هذه هي الحال. وإذا أصرّ كل جانب على القول إنه كان على صواب، وأن الآخرين هم المخطئون، فذلك خداع للنفس، وهروب، وعزوف عن البحث عن مخرج من هذا المأزق”.
بهذه الكلمات يفتتح الأستاذ محسن العيني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الأسبق، مذكراته المعنونة بـ”خمسون عاماً من الرمال المتحركة – قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن”. وهي كلمات تستوجب منا العودة لطرح الأسئلة والبحث عن المنعطفات والمفترقات التي ارتبك فيها الجميع وانحرفوا عن الجادة، وكذا اللحظات التي أسعفتهم فيها الحكمة أو حسن الطالع فلم يزيغوا ولم يحيدوا، أو عادوا إلى سواء السبيل.
ولعل خطاً بيانياً لمسار الأحداث في اليمن خلال الأعوام الخمسين التي أشارت إليها مذكرات الأستاذ العيني، سيكون من أشد الخطوط البيانية تعقيداً وأكثرها انكسارات وانعطافات وتعرجات.
وإذا كانت بعض الأحداث التي مثلت منعطفات هامة في مسار التاريخ اليمني الحديث قد نالت حظاً وافراً نسبياً من البحث والدراسة والتحقيق، كحصار السبعين يوماً على سبيل المثال، فإن أحداثاً أخرى ما تزال تفتقر لذلك، على أهميتها وثرائها بما نحتاج إليه من الدروس، خصوصاً في لحظتنا اليمنية الراهنة.
ولا أدري إن كانت قلة معرفتي هي التي صورت لي أن المصالحة الوطنية اليمنية في مطلع السبعينيات تعد أحد أهم الموضوعات التي ما تزال تحتاج، لا إلى مزيد من البحث والدراسة فحسب، بل وإلى استلهام ما تضمنته من دروس وما أفضت إليه من نتائج، لعل أهمها حقن الدم اليمني.
لذلك فقد أسعدني كثيراً وشجعني الأستاذ عبدالله علي صبري باقتراحه الاهتمام بهذا الموضوع والعمل عليه. لذلك فسنحاول في هذه السطور تقديم ثلاث صور للمصالحة الوطنية في السبعينيات، رسمها ثلاثة من أبرز الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في أحداث تلك الفترة من تاريخ اليمن، وهم: القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني – رئيس المجلس الجمهوري (أعلى سلطة في البلد آنذاك)، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر – رئيس المجلس الوطني (السلطة التشريعية)، والأستاذ محسن العيني – رئيس الوزراء وزير الخارجية؛ على ما بين الثلاثة من تباين سياسي وأيديولوجي أرى أنه يُكسب الموضوع مزيداً من الأهمية والعمق والثراء.
ما قبل المصالحة
طيلة ثماني سنوات حشدت المملكة العربية السعودية الكثير من إمكاناتها ضد ثورة 26/ 9/ 1962 في اليمن، ولإجهاض مشروع نظامها الجمهوري الوليد، معتبرة أنه يشكل تهديداً لها، نظاماً وحدوداً ومصالح.
وإذ اصطفت مصر عبدالناصر خلف الطرف الجمهوري “الجديد”، فقد احتشدت المملكة العربية السعودية خلف النظام القديم وأنصاره… وطيلة ثماني سنوات استمرت الحرب سجالاً بين الطرفين.
وإذا كانت نكسة حزيران 1967 وهزيمة العرب أمام العدو الصهيوني، التي كان من تداعياتها انسحاب القوات المصرية من اليمن، قد مثلت أبرز انتكاسات الطرف الجمهوري؛ فإن فشل إسقاط صنعاء في حصار السبعين يوماً، وكان من تداعياته يأس المملكة العربية السعودية من إمكانية النجاح في إعادة النظام القديم، وبالتالي تقليص دعمها ومساعداته لأنصاره، مثل أبرز انتكاسات الطرف الآخر.
ولعل مذكرات القاضي عبدالرحمن الإرياني – رئيس المجلس الجمهوري هي الأكثر ثراء في تناول أحداث تلك المرحلة. ورغم الثراء النسبي في مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر بهذا الخصوص، إلا أن الملحوظ الذي لا تخطئه عين القارئ هو التحيز وعدم الحياد. ورغم ما كان للشيخ الأحمر وقبيلته (حاشد) عموماً من دور لا ينكره أحد في تثبيت دعائم النظام الجمهوري، أو بالأحرى تحصين الحكم ضد عودة النظام الإمامي؛ إلا أن مذكرات الشيخ عبدالله تكاد تجعله الدور الوحيد، ملقية أدوار بقية مكونات وفئات الشعب اليمني وقبائله في الهامش، أو على الأقل في مستوى الأدوار الثانوية.
أما مذكرات الأستاذ العيني، وإن افتقرت إلى الثراء نسبياً (ولعل ذلك عائد إلى أنه لم يكن قد تسنم مواقع قريبة كثيراً من مركز صناعة القرار بالشكل الكافي)، إلا أنها لم تفتقر إلى العمق النابع عن رؤية المثقف العارف ببواطن الأمور، وإن لم ينجح على الدوام في تجنب أو إخفاء اصطفافه وتحيزاته الأيديولوجية بين حين وآخر.
المصالحة الوطنية.. المبررات والدوافع
“كانت السعودية تعيش اليأس وخيبة الأمل بعد أن تأكد لها عجز الأمراء الحميديين ومن معهم من القبائل والمرتزقة الأجانب، وكل ما جلبوه من أسلحة ومدافع، وعجز كل ما صرفته من الملايين الكثيرة، عن الاستيلاء على صنعاء وإنهاء النظام الجمهوري، وقد كانوا يتكفلون بذلك خلال أيام لا تتجوز الأسبوع”.
“وإذا كان أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير يقول لجنده: أكلتم تمري وعصيتم أمري؛ فإنه يحق للسعودية أن تقول للذين منوها الأماني: لقد أكلتم أموالي وخيبتم آمالي…”.
إذن، وبحسب القاضي عبدالرحمن الإرياني، فإن اليأس السعودي كان أحد عوامل التقارب، وهو ما يتفق فيه معه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر. ويضيف القاضي الإرياني أيضاً ما كان من بعض المساعي العربية (الكويتية بالذات) للتقريب بين صنعاء الجمهورية وبين الرياض، وإن حدّ من تأثير تلك المساعي “الود المفقود” بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت آنذاك.
أما الأستاذ محسن العيني فلم يشر إلى الدوافع السعودية إلا إشارة خاطفة بقوله معلقاً على سقوط صعدة بيد القوات الإمامية فور تشكيل حكومته: “وأذكر أن ممثلي الغرب في صنعاء (يقصد السفيرين الألماني والإيطالي) حاولا إقناعنا بالتروي وعدم الاندفاع في تصعيد الحرب، وقالا إن الجهود لا بد أن يسفر عنها توقف الاندفاعة السعودية العنيفة”.
ثم يشير إلى ما قدمته ألمانيا من مساعدات للنازحين من صعدة، وكذا تأكيدها الإسراع في بدء العمل ببناء مطار صنعاء الدولي وطريق صنعاء – تعز.
“أما سفير إيطاليا فقد أبلغني أن حكومته، وهي التي ترعى مصالح الولايات المتحدة في اليمن، قد أجرت اتصالات واسعة، وقام هو بزيارة للقاهرة وجدة، وأن السعودية تستفسر عن (إمكانية) حضورنا مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي سينعقد في جدة الشهر المقبل، وأنه ينصح بمشاركتنا في هذا المؤتمر ليكون بداية لاتصالات مباشرة بين الجانبين”.
كما أشار إلى برقية وصلته من وزير الخارجية المغربي يؤكد له فيها أن السعودية ستستقبل الوفد الجمهوري الذي قد يشارك وتعامله كبقية الوفود المشاركة.
أما عن مبررات ودوافع الجمهوريين في اليمن للقبول بالمصالحة الوطنية، وفق اشتراطات طبعاً، فقد أسهب فيها القاضي الإرياني والأستاذ العيني. أما الشيخ الأحمر فإنه وإن لم يخرج عن الرؤية نفسها، إلا أنه أراد التبرؤ من أي دور في التقارب والمصالحة، وألقى بالمسؤولية على آخرين، ما جعل تناوله لهذه المسألة يأتي سطحياً وعلى عجالة.
فهو يقول إنه بعد هزائم الملكيين المتوالية، رغم خروج المصريين، “يئس السعوديون من إمكانية عودة الملكيين، “فتفاهموا مع بعض المعارضين -وهم شخصيات جمهورية وبعض الملكيين- على مشروع حل للخروج من الأزمة يتم التفاهم بشأنه مع حكومة صنعاء. وجاء بهذا المشروع الأستاذ محمد أحمد نعمان (الابن) إلى صنعاء في الأشهر الأخيرة من سنة 1969م”.
ثم يشير إلى زيارته لبغداد وسفره عن طريق القاهرة وبيروت، “وفي بيروت التف حولي الإخوة الملكيون والجمهوريون الذين كانوا متواجدين هناك (…) قالوا لي: أنت الذي تستطيع أن تتبنى مشروع الحل، فلا أحد سوف يزايد عليك، ولا يستطيع أحد أن يهددك، والمسؤولون في المملكة مهيؤون للقبول بالحل. وجمعوني بالعقيد علي الشاعر، الذي كان ملحقاً عسكرياً للمملكة في بيروت. اجتمعنا به، واتصل بالأمير سلطان وكلمه بالموضوع، فوافق الأمير سلطان على أي حل تقترحه هذه المجموعة، لأنه كان متفاهماً معهم، وهؤلاء قد أصبحوا لا ملكيين ولا جمهوريين، فلا الملكي متشدد ولا الجمهوري متشدد، فهو موافق على كل الحلول”.
وهنا يبدو بوضوح حرص الشيخ الأحمر على التهرب والتبرؤ من أي شيء قد يتخذ دليل إدانة ضده بخصوص علاقته بالسعودية؛ فتلك المجموعة هي التي اقترحت تبنيه للمشروع، وهي التي جمعته بالملحق العسكري السعودي، والملحق هو الذي تواصل مع الأمير سلطان، والأمير سلطان أبدى موافقته على كل الحلول لثقته بتلك المجموعة… الخ.
ويذكر أيضاً أنه تم الاتفاق مع الجانب السعودي على وقف كل الأعمال القتالية؛ لكن وعقب الاتفاق مباشرة، صعدت السعودية الحرب في صعدة وحجة، لتسقط صعدة في أيدي الملكيين.
وإذا كان كثيرون قد رأوا في سقوط صعدة رسالة مزدوجة، فهي في جانب منها موجهة من تلك الشخصيات الرافضة لحكومة العيني، ومن جهة أخرى هي ورقة ضغط أخرى بيد الجانب السعودي مع اقتراب المحادثات بشأن التقارب والمصالحة الوطنية؛ فإن الشيخ عبدالله الأحمر لا يرى في ذلك إلا مجرد حدث عرضي كان سببه تأخر التعليمات السعودية إلى الملكيين بوقف تصعيد الحرب.
ولا يخفى هنا ما وقع فيه الشيخ عبدالله الأحمر من تناقضات، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الحرب في تلك اللحظة الفارقة؛ إذ يقول في موضع من مذكراته إن الحرب كانت مشتعلة بين الجمهوريين والملكيين، خصوصاً في حجة وصعدة، وفي موضوع آخر ليس ببعيد يبدي استغرابه من انسحاب الجيش الجمهوري من صعدة، وسقوطها، رغم أنه لم يكن هناك حرب “إلا مناوشات بسيطة في حجة وصعدة”، بل ولا يتوانى عن أن ينسب إلى قبيلته (حاشد) “الفضل” في الحفاظ على ما تبقى من آليات ومعدات القوات المسلحة، رغم الاتهامات التي أثيرت بشأن سقوط صعدة ونهب الأسلحة والمعدات العسكرية.
وعلى سبيل المثال، يقول محسن العيني في مذكراته: “لن أقول إن سقوط صعدة كان خيانة؛ ولكني أجزم أنه كان نتيجة لضعف القيادة العسكرية، في صعدة وصنعاء”، و”في صنعاء” إشارة إلى القائد العام للقوات المسلحة، الفريق حسن العمري.
أما القاضي الإرياني فيقول صراحة: “شكّل العيني الوزارة (الحكومة) في 4 فبراير 1969، وبدأت العقبات توضع في طريقه، من قبل القائد العام عضو المجلس الجمهوري الفريق حسن العمري، ومن زميله في عضوية المجلس الشيخ محمد علي عثمان، ومن رئيس المجلس الوطني الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر. وقد اتخذ الفريق العمري من حادثة سقوط صعدة، التي جاءت بعد تشكيل حكومة العيني مباشرة، نكأة لإثارة المشاكل للحكومة الجديدة، وطلب التزامات مالية جديدة للقوات المسلحة”.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القاضي الإرياني يذكر أيضاً أن الشخصيات الثلاثة وغيرهم من السائرين في ركبهم كانوا كثيراً ما يتخذون من أي حادثة أو مشكلة فرصة للتقدم بمزيد من الطلبات المالية التي أثقلت كاهل الخزينة العامة، الفقيرة والمثقلة أساساً، بل وأحياناً كان يعلق على ذلك تعليقات ساخرة ومتهكمة، كما في سياق حديثه عن الحملة التي تم تكليفها بفتح طريق صنعاء – الحديدة أثناء حصار السبعين يوماً، إذ يقول: “وصلت الحملة إلى بوعان، وقد أرسلنا الشيخ سنان أبو لحوم، محافظ الحديدة، للاستطلاع، فعاد يبشّر بقرب فتح الطريق (…) وقد طلب الشيخ سنان أبو لحوم طلبات للحملة، لأنهم لن يتحركوا إلا بها”، ثم يعلق على ذلك بالقول: “استنتفت لحية عمرو فانتف، وهي فرصتهم”.
عموماً، فإلى جانب اليأس السعودي من إمكانية إعادة النظام الإمامي، ناهيك عن بعض التصريحات المصرية المبطنة بالتهديد، رغم تداعيات نكسة 1967، فإن وضع الحكومة الجمهورية في صنعاء كان قد بلغ مداه من الإنهاك والتردي على مختلف المستويات، اقتصادياً وعسكرياً وإدارياً، وحتى نفسياً، ولم يعد يحتمل مزيداً من الاستنزاف، وذلك ما يؤكده في مذكراتهما كل من القاضي الإرياني والأستاذ العيني، مضيفين إلى ذلك “الحرص على حقن دماء اليمنيين”.
شروط المصالحة وبنودها
اشترطت صنعاء شرطين أساسيين اعتبرتهما من الثوابت المجمع عليها من مختلف المكونات الجمهورية، والتي لا يمكن القبول بأي مصالحة أو حتى تفاوض إلى على أساسهما وفي ظلهما.
الشرط الأول هو بقاء النظام الجمهوري والاعتراف به.
والشرط الثاني هو عدم القبول بعودة أحد من أفراد الأسرة الإمامية الحاكمة (آل حميد الدين) وعدم إشراكهم في المحادثات.
وقد وافقت المملكة العربية السعودية على ذلك، وتجلت موافقتها في بعض سلوكياتها التي جاءت توالياً وإن بشكل متقطع وبطيء.
فقد تجلى ذلك على سبيل المثال وأولاً في تقليص دعمها ومساعداتها للأمراء من آل حميد الدين. كما أبدت رغبتها أو موافقتها على مشاركة الحكومة اليمنية الجمهورية في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في مدينة جدة، واستقبال الوفد الجمهوري استقبالاً رسمياً، ومعاملته مثل بقية الوفود المشاركة.
وفي هذا يقول الأستاذ العيني في مذكراته إنه وما إن سمع الناس “قرار سفري إلى جدة، بدأت سلسلة من اللقاءات مع الكثير من الأصدقاء (يمنيين وسفراء عرب وأجانب). والحق أنهم كانوا مشفقين عليّ من هذه المخاطرة: قطيعة بين اليمن والسعودية طوال ثماني سنوات، وحرب وتدمير ونفوس معبأة، وشعور عدائي في الجانبين، ووساطات عربية ودولية فشلت. ما هو حظك من النجاح؟! ولماذا تغامر باسمك وسمعتك وتكون أول جمهوري يزور السعودية ويمد يده إلى الحكام الذين شجعوا أعداء الثورة والجمهورية وساندوهم؟! دع غيرك يذهب. وما دام المؤتمر لوزراء الخارجية فعيِّن وزير خارجية وهو الذي يذهب (كان العيني حينها رئيساً للوزراء وزيراً للخارجية)، ألا ترى كيف هدأت معارضة الكبار لك هذا الأسبوع؟! إنهم لا يريدونك أن تترك الحكم الآن؛ يريدونك أن تذهب إلى السعودية وتتحمل المسؤولية. كل واحد منهم يتمنى أن يكون هو الذي يذهب؛ كلهم كرهوا الحرب؛ ولكنهم لا يجرؤون. إنهم يخافون رد الفعل الشعبي، وأنت لماذا تذهب في هذه الرحلة المحفوفة بالأخطار؟!”.
ثم يضيف: “ولكنني كنت مقتنعاً بالسفر أياً تكن النتائج؛ فقد كنت أود أن أعرف بنفسي حقيقة النوايا السعودية، وهل لهذه المأساة من نهاية، قريبة أو بعيدة؟ وبعد هذا يستطيع الإنسان أن يحدد موقفه بدقة من الخط السياسي الذي يجب أن تسير عليه البلاد”.
لكن القاضي الإرياني يذكر أن العيني كان في البداية متردداً، بل ورافضاً زيارة السعودية للمشاركة في المؤتمر، ووصل الأمر حد تقديم استقالته، متحججاً بمغادرة عضوي المجلس الجمهوري الفريق العمري والشيخ محمد علي عثمان إلى تعز، وتقديم استقالتهما، اعتراضاً على حكومة العيني وقراراته؛ إلا أنه (أي القاضي الإرياني) أقنعه بعد ذلك، وحذّره من أن الرفض سيثير الكثير من التساؤلات، لأنه يأتي بعد لقاء رئيس الوزراء مع السفيرين السوري والعراقي!
أياً يكن الأمر فقد تم تشكيل الوفد برئاسة العيني رئيس الوزراء وزير الخارجية، وعضوية الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رئيس المجلس الوطني، والقاضي عبدالله الحجري سفير صنعاء في الكويت، والأستاذ مصطفى يعقوب سفيرها في القاهرة، والعقيد يحيى المتوكل عضو المجلس الوطني.
“وصباح السبت 21 آذار/ مارس 1970، غادرنا صنعاء على متن طائرة يمنية خاصة، إلى الحديدة فجدة، حيث استقبلنا رسمياً، وكان على رأس المستقبلين السيد عمر السقاف، وزير الدولة للشؤون الخارجية، ونزلنا في فندق الكندرا، الذي خُصص لرؤساء الوفود. وأعترف بأن الأشقاء السعوديين على كل مستوى، عاملونا أكرم معاملة، في سكننا وسياراتنا ومرافقينا، وأحاطونا برعاية تتجاوز الحدود الرسمية المتوقعة، وأشارت الإذاعة السعودية والتلفزيون إلى وصولنا. وقد حرصتُ خلال الأيام التي قضيناها في جدة على التجول في أنحاء المدينة بالسيارة الرسمية، وعلم الجمهورية، وموكب الدراجات النارية…”.
هكذا يصف الأستاذ العيني الزيارة، ثم يضيف: “وقد توافد اليمنيون على مقر إقامة الوفد، ورحبنا بكل من رغب في زيارتنا. وعندما جاء الإخوة السيد أحمد محمد الشامي، والسيد محمد عبدالقدوس الوزير، والقاضي حسين مرفق، وبدؤوا الحديث كأنهم ممثلون رسميون للجانب الملكي، أوقفت الحديث وقلت لهم: إن كنتم جئتم كإخوة فأهلاً وسهلاً بكم. أما إن كنتم تعتبرون أنفسكم ممثلين لوضع آخر فإننا لا نرغب في مواصلة الحديث، ونفضل إنهاء هذا اللقاء؛ فليس في اليمن إلا دولة واحدة، وحكومة واحدة هي حكومة الجمهورية التي نمثلها…”.
ثم أشار إلى إصراره والوفد المرافق على أن المشكلة هي مع السعودية، وليست مع الطرف الملكي؛ فلولا السعودية لكانت المشكلة انتهت من وقت مبكر.
“وبعدما افتتح الملك فيصل المؤتمر، ألقيتُ كلمة مقتضبة باسم وفد الجمهورية العربية اليمنية، وشكرته والشعب السعودي على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، وتمنيتُ لمؤتمر جدة النجاح. وقد كان لهذه الكلمة، التي نقلت بالإذاعة والتلفزيون، ارتياح واضح في الأوساط السعودية؛ لأن البعض كان يظن أننا قد نشكو أو نهاجم أو نثير موضوع النزاع في المؤتمر”.
“وزارني في اليوم التالي، الدكتور رشاد فرعون، مستشار الملك، ثم الشيخ كمال أدهم (مستشار الملك أيضاً)، وكانت مبادرة ودية واضحة. ومساء 27 آذار/ مارس 1970 استقبلنا الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران، بمكتبه، وكان الحديث بين الجانبين صريحاً، واضحاً، ومباشراً”.
ثم يشير العيني إلى أن وقع اللقاء مع الأمير سلطان جاء على عكس ما كان يتوقع؛ إذ أبلغه رشاد فرعون وكمال أدهم بأن الأمير سلطان “قد اجتمع بالملكيين في جدة، وأخبرهم أن عليهم العودة إلى وطنهم، وأن المملكة قد رفعت يدها، وأن حديثه لهم كان جاداً وحازماً”.
ثم يضيف: “وقد بحثنا في الموضوعات كلها باستفاضة، وكيف تتم تسوية المشاكل اليمنية – السعودية. وكانت مشكلة المشاكل رفضنا الاجتماع بالملكيين في جدة، وعدم موافقتنا على فكرة عقد مؤتمر وطني بعد ذلك. وكان موقفهما (يقصد مستشاري الملك) أن المملكة السعودية ليست طرفاً، وأن الملك قد تمسك دائماً بأنه سيوافق على ما يتوصل إليه اليمنيون. وأخيراً توصلنا إلى حل وسط (…) أن نمر على الأمير سلطان في منزله للوداع، وهذا أمر لا غبار عليه، وسيكون عنده -دون رأي أو موافقة منا- عدد من زعماء اليمنيين في جدة، وبذلك يستطيع أن يؤكد للملك أن اليمنيين قد اجتمعوا بحضوره واتفقوا”.
“وهنا وضعتُ تحفظاً واحداً، هو أن هذا يجب أن يتم بصورة مكتومة، فإذا أذيع أو نُشر أو قيل أي شيء عنه، فإنني سأنفي وأصدر تكذيباً، فوافقا على ذلك”.
ويشير العيني بعد ذلك إلى زيارة الوفد للمدينة المنورة ولقائهم بالملك فيصل وأنهم نقلوا له “تحيات أخيه القاضي عبدالرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري…”.
أما الشيخ عبدالله الأحمر، ورغم كونه عضواً في الوفد المشارك في مؤتمر جدة، فإنه لم يذكر الكثير من تفاصيل هذه الزيارة؛ بل وينفي لقاءهم بالملك فيصل، وجاء نفيه ملتبساً، إذ قال إنه “لا يظن” أنهم قد التقوه، هكذا فقط: “أما الملك لا أظن أننا قد قابلناه”!
وأخيراً، وبحسب العيني، “كانت نقاط الاتفاق حرفياً كما يأتي:
- إيقاف إطلاق النار من الجانبين.
- إيقاف أجهزة الإعلام عن المهاترات وما يعكر جو المصالحة الوطنية.
- تعيين أشخاص من ذوي النيات الحسنة والكفاءات في المناطق القابلة للاحتكاك وبالأخص في الألوية (المحافظات) والمناطق المجاورة للمملكة العربية السعودية.
- تستمد أنظمة الحكم من تعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء.
- توافق حكومة صنعاء على أن يتضمن البيان الوزاري الذي سيقدم إلى المجلس الوطني لمنحه الثقة بالوزارة، الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني يضم جميع فئات اليمن المتنازعة، للتفاهم على ما يحقق حل جميع المشاكل القائمة، والوصول إلى حل يرضى عنه الجميع.
- يوافق المجلس الوطني بدوره على ذلك ويطلب من الحكومة العمل على دعوة أشخاص من جميع الفئات اليمنية للاشتراك في الحكم”.
ثم لم يمر الكثير من الوقت قبل أن يستقبل ممثلو حكومة صنعاء إخوانهم العائدين، والذين تم الاتفاق على تعيين أحدهم (أحمد محمد الشامي) عضواً في المجلس الجمهوري، وثلاثة (ثم ارتفع العدد إلى أربعة) وزراء، ومثلهم سفراء، وبعض المحافظين، وأعضاء في المجلس الوطني.